الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231الرجوع إلى "الثقافة"

أهى حرب مبادىء . . ؟

Share

في أواخر عام ١٩٣٨ أخذت الغيوم تتلبد في جو أوربا السياسي ورائحة البارود تختمر تدريجيا وتأكد الجميع أن أوربا ترقص فوق بركان وأنه لن يلبث طويلا حتى ينفجر فتنطلق شياطين التدمير والقتل والتخريب من عقالها وتردى العالم في هاوية لا يعلم إلا الله مداها ، وقد حاول رجال السياسة تهدئة هذا البركان أو التخفيف من ثوراته بمجهودات وحلول ومؤتمرات ، ولكن دون جدوى إلى أن كان اليوم الأول من سبتمبر سنة ١٩٣٩ فاندلعت ألسنة الحرب التي يكتوي العالم بنارها إلى الآن

وإذا رجعنا بعض السنين لنلمس الأسباب التي أدت إلي هذه الكارثة لوجدناها تمت إلي اعتبارات مختلفة وظاهرات سياسية واجتماعية واقتصادية ، قد يرجع البعض بنا إلي أن أسباب الحرب الحالية تعود إلي النزاع على النمسا أو استقلال تشيكوسلوفاكيا أو علي مدينة دانزج ، ولكن

هذه لم تك إلا أسباب مباشرة أشعلت النار فيما تراكم من مواد قابلة للالتهاب في سابق الأيام . خصوصا أن الحرب في القرن العشرين بما تتطلبه من مجهود ومال ورجال لا تثار بغرض الحصول علي أرباح إقليمية تافهة ولا بدافع الانتقام ولا للثأر لشرف مهدور ، وإنما تقوم بدوافع أعمق غورا ألا وهي سيطرة العنصر الغالب علي العالم وحضارته ثم تطبيق نظرياته الاقتصادية والاجتماعية على أساليب الحياة . والواقع أنه لم يحدث في التاريخ أن اتفقت المصالح  السياسية والنظم الاجتماعية والحاجات الاقتصادية في تضامنها وتفاعلها مثل اتفاقها على إشعال هذه الحرب فقسمت الدول إلى معسكرين يختلفان كل الاختلاف في نظرتهما إلى الحياة ونواحيها الثقافية أو الاقتصادية أو نظم الحكم في المجتمعات اختلافا جعل المعسكرين على طرفي نقيض بحيث أصبح من المستحيل التوفيق بينهما .

يدرك علماء النفس أن في الإنسان عنصرا فرديا وعنصرا اجتماعيا يقوم العنصر الأول علي أن في الإنسان عقلا وشعورا يسيرانه ويهديانه إلي الطريق الذي يراه أما العنصر الاجتماعي فهو يقوم على غرائز التعاون والتنافس والاجتماع في الإنسان وأن هذه الغرائز هي التي تتحكم في في الفرد عندما يضطرب في مجتمع سواء كان ذلك المجتمع قبيلة أم أمة أم إمبراطورية .

والكفاح بين العنصرين في الإنسان ممتد إلي أقدم العصور ، وقامت أمم على أساس غلبة أحد المذهبين أو الآخر . واستمر المذهب الفردي ومذهب الجماعة في مد وجزر طوال التاريخ حتى اقترن المذهب الفردي بالديموقراطية خلال القرن التاسع عشر وكان سببا في كثير من الإصلاحات التي تمت خلال هذا القرن ، لأن مباديء الثورة الفرنسية أعلنت وجود الفرد ومباديء الاستقلال الأمريكى أعلنت حقوق الإنسان كما أن المذهب الفردي كان الأساس الذي قامت عليه الحكومة في انجلترا ، ثم كان مصدرا للحركات القومية والديموقراطية ، ثم الاشتراكية في القرن التاسع عشر والجزء الذي عشناه من القرن العشرين ، كما كان مذهب الجماعة توحيد ألمانيا وإيطاليا وظهور الدكتاتوريات فيهما والكفاح بين المذهبين هو أحد وجوه الكفاح الحاضر

والواقع أننا إذا نظرنا إلي معسكر المحور نجده يتكون من الدول الساخطة على حظها في الحياة الناشئة على المجتمع السياسي الذي تعيش فيه ، إذ أنها دول حديثة التكوين السياسي ، فالمانيا وإيطاليا تكونتا في عام ١٨٧٠ وكانتا قبل ذلك اصطلاحات جغرافية كما إن اليابان لم تشترك في الحياة الدولية إلا أخيرا منذ عام ١٨٤٦ ، وقد كان لهذا التكوين المتأخر أو الاشتراك المتأخر نتائج  خطيرة إذ أعطى  تلك الدول ميزات وحرمها أخري ، فأما المزايا التي حرمها فهي حرمانها قسطها من الاستعمار إذ تكونت بعد ان انتهت المنافسة الاستعمارية وبعد استقلال الأمريكتين واستقرار

انجلترا في ممتلكاتها وبعد كشف مجاهل إفريقيا وحصول معظم الدول الأوربية حتى الصغيرة منها كهولاندا وبلجيكا والدانمرك والبرتغال على مستعمرات غنية كثيرة السكان فحرمت إذن دول المحور الثلاث السيطرة على الأسواق التي تصرف فيها منتجاتها كما حرمت السيطرة على موارد المواد الخام اللازمة لصناعاتها .

أما المزايا التي تهيأت لهذه الدول بتكوينها المتأخر فهي أنها وفرت على نفسها مهمة إجراء التجارب التي مرت بها الدول العريقة سواء في ميدان السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع فأخذت تنقل الأنظمة السائدة في الدول الأخرى نقلا دون تحريف ونقلت فيما نقلت الصناعات الكبيرة وفنون الزراعة العلمية وزادت عليها بأن تخلصت من العيوب التي كانت تقترن بهذه الفنون في الدول القديمة كانجلترا وفرنسا ، ولهذا نجحت الصناعة في ألمانيا وإيطاليا واليابان نجاحا عظيما بذت به أساتذتها القدماء .

ولكن هذه الدول الثلاث التي نجحت في تدعيم حياتها المادية وجعلها من أرقى أمم الأرض مظهرا لم تعتنق  نظم الحكم الديمقراطي ولم تعتقد بأن الأمة مصدر السلطات بل طبقت النظم الدستورية شكلا وبقي جوهرها رجعيا ففى هذه الدول مجالس نيابية ولكنها أسمية فقط وتعلقت بالإستبداد بأشنع مظاهره ، سواء كان الدكتاتور من الأباطرة أو من رجال الجيش أو أحد زعماء الدولة . كما تتبين الرجعية في نظرة الرجل إلى المرأة ، فالمرأة هناك لم تبلغ بعد في حريتها وحقوقها أختها في الديمقراطية واستمر التعصب الديني في مظاهر أخرى كالتعصب العنصري آنا والتعصب القومي آنا آخر .

هذا الجمع بين الرقي في الحضارة المادية والعلوم العملية كالطبيعة والكيمياء والهندسة من جانب والتمسك بالنظم القديمة في الحكم والاجتماع والسياسة من جانب آخر مكن هذه الدول من تملك قوة عظيمة تعمل في دقة ونظام عجيبين

ولكنها لم تحكم استعمال القوة التي تملكتها إذ كان يغذي شعوبها فورة من الشعور الوطني وسخط من وضع الأقدار لها وتملكها الحسد من الدول القديمة وهي في هذا اشبه بعملاق ضخم عظيم القوة والطموح ولكن مبادئه لا تزال مبادئ ما قبل الثورة الفرنسية - لهذا كانت هذه الدول مصدر تهديد مستمر للدول الأعرق منها مدنية واستقرارا

وإذا رجعنا إلي الماضي القريب لدول المحور اي بعد الحرب العظمي لوجدناها خرجت من النضال العالمي وهي في وضع لا تحسد عليه ، فألمانيا جردت من سلاحها ومستعمراتها القليلة ، وفازت إيطاليا واليابان  بغنائم  ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع .

والآن بعد هذه النظرة الخاطفة التي ألقيناها على دول المحور يحسن بنا أن نلقي نظرة أخرى على دول المعسكر الآخر فنراها تتكون من روسيا وانجلترا وامريكا والصين وفرنسا وكلها تملك مساحات شاسعة من الاراضي وتتمتع بوفرة من الغني ثم تبعها بعض الدول الصغيرة التي القت بها المقادير في بوتقة النضال وكانت هي الأخرى تري نعماءها   في حالتها الحاضرة ولا ترضي عنها بديلا  ، فهي بلغت من التقدم الاقتصادي حدا رفع من مستوي الحياة فيها للفرد ارتفاعا كبيرا ، وكان المستقبل يبسم لها كلما تقدمت طرق الاستغلال العلمي وتكدست فيها الثروات إلي حد لا يتصوره العقل ونضجت فيها النظم الدستورية إذ يتمتع فيها كل فرد بقسط وفير من الحرية ، ولم يعد هناك كبير صراع بين السلطات التي احترمت جميعها التقاليد المرعية في الدساتير وعرفت كل حدودها واختصاصها .

وإذا أعدنا النظرة على النظام الاجتماعي في دول المحور لرأينا الاشتراكية الوطنية تسود في المانيا وإيطاليا ويقترن النظام الاجتماعي في اليابان بنزعة وطنية عسكرية تقرب من الروح البروسية التي تسيطر علي المانيا ، ويحاول موسوليني بعثها في إيطاليا .

ويتخلص نظام الاشتراكية الوطنية في العمل لمجد الدولة وفي أن الفرد فيها ملك للدولة جسما وروحا وهو يعمل فيها كعجلة في آلة المجتمع الكبرى تعمل أجزاؤها في انسجام لخير المجموع وهي تضحي بالفرد وحرياته وحقوقه في سبيل الوطن ، وقد اتخذ هذا النظام مظاهر  تراها مائلة في الخضوع للزعيم وتقديسه بما يقرب من العبادة في ألمانيا وهو العبادة ذاتها في اليابان كما تظهر ايضا في القضاء علي حريات الرأي والعقيدة والصحافة والخيالة والراديو  والاجتماع فضلا عن السيطرة على اقتصاد الفرد والأمة

ومما صاحب الاشتراكية الوطنية في تلك الدول تخلصها من بطالة العمال ومحاولتها إيجاد عمل للعاطلين فيها ولكن هذا لم يكن علي طريقة اقتصادية كما فعل روزفلت في انعاش الاقتصاد الأمريكي ، بل عن طريق انها أدارت عجلة الإنتاج الحربي وكدست الأسلحة والذخائر للحرب التي كانت تنوي إشعالها واثارت الحماس العسكري وكونت الجيوش الجرارة وسارت مدة على هذا المنوال حتى أصبحت في حالة من القصور الذاتي بحيث لا يمكنها وقف تلك الآلة . ولهذا عمدت تلك الدول إلى خلق  المشاكل الدولية ، وكنا نري الأزمة على الأزمة أحداهما في الربيع والأخري في الخريف إلي أن نفد صبر الدول الديمقراطية وأصبحت ) اجابة الدكتاتوريات  إلي طلباتها تعد هزيمة في ذاتها .

من هذا تبين ان النظام السياسي لدول المحور مقترن بظروف تكوينها الحديث ، وفقرها بالنسبة إلي الدول الديمقراطية وسخطها من وضعها في المجتمع الدولي ثم سيادة النظم الاشتراكية الوطنية فيها ، وما صاحبها من نعرة عسكرية ، وتكدس الأسلحة ، كل هذا مجتمعا ادي إلي التحالف فيما بينها ، والعمل على مقاومة الدول الفتية ومحاولة فرض مبادئها وسيطرتها بالقوة علي حضارة العالم وتجارته وسياسته .

اشترك في نشرتنا البريدية