تحت هذا العنوان نشرت الرساله في عددها 536 نقدا لحضرة الأستاذ البغدادي نزار الحاج سليم جاء فيه : قرأت في كتاب " قصة الأدب " للأستاذين أحمد أمين وزكي نجيب محمود ما يأتي :
" . . ولئن كان المصريون الأولون ينقشون آثارهم على جلاميد الصخر ، فقد كانت بابل تكتب آثارها على ألواح من الطفل وهي أيسر حملا وأخف ثقلا "
فإن كان ذلك حقا فمن العجيب ألا نجد للبابليين أدبا أو شبه أدب !
والجواب ، كما ذكره الأستاذان : " أنه لم يحدث ذلك لأن القراءة الشعبية لم يكن لها وجود ، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة إلا نفر قليل من القساوسة والنساخ ، وكانت الكتابة مقصورة على موضوعات الدين وأعمال الملوك " .
وهل اقتصرت الكتابة حقيقة على موضوعات الدين
وأعمال الملوك ؟ فأين ذهبت ملحمة كلكاميش إذن ؟
وبعد ذلك نجد حضرة الناقد يعرض هذه الملحمة كما سبق أن نشرت بالعدد الثالث والثلاثين من مجلة " الثقافة " ويختم عرضه بقوله : " لقد قرأت كل هذا فى مجلة " الثقافة" وكلنا يعرف أنها للأستاذ أحمد أمين . فهل سها الأستاذ عن مثل هذه الملحمة عند ما جاء مع الأستاذ زكي نجيب محمود يصنف الأدب القديم ؟ وهل يسهو اثنان ؟ !
فمن تعليق الأستاذ نزار يتبين لنا أنه لم يقرأ شيئا في الأدب البابلي أو قرأ ولم يفهم . فجلجمش كان ملكا ، وجلس على عرش ) أوروك ( التي هي ) ورقا ( الحالية زمنا طويلا ، ومن ثم حدث أن طلب إلي شعبه أن يشيد سورا للمدينة ويبني معبدا للإله ) أبو ( وآخر للإلهة ) عشتر ( ، ولكن هذا العمل كان شاقا مضنيا . لذلك توجه شعبه إلي الآلهة شاكيا متضرعا ؛ فخلقت الآلهة كائنا بشبه الملك جلجمش قوة لينافسه السلطان ويثنيه عن مواصلة العمل . أما هذا الشخص فهو ) أنجيدو ( الذي يقوم بدور هام في هذه الأسطورة
وكما أن استشهاد الأستاذ بهذه الملحمة كان حجة عليه لا له ، كذلك بقية الأدلة التي ساقها كأسطورة - تمبوز وعشتر- ) الصواب تموز ( و - ترنيمة عشتر - فكلها عبارة عن ترانيم كانت تغني في المناسبات الدينية الخاصة . ويؤسفني أن أقول هنا إن حضرة الأستاذ الذي أباح لنفسه ان يقف من الأدب البابلي هذا الموقف لا يعرف أن ) تموز ( هو إله الطبيعة أو الخصوبة في الدولة البابلية ، وهو وإن لم يكن عضوا في مجمع الآلهة البابلي إلا أنه كان إلها من أكبر الآلهة التي لعبت دورا خطيرا في ديانات العالم القديم ليس عند الساميين فحسب بل عند اليونانيين وغيرهم من الشعوب الذين اتصلوا بالشرق القديم اتصالا مباشرا أو غير مباشر
وتحدثنا النصوص التي بأيدينا علي أن الشعب البابلي كان يبكيه لموته وانتقاله إلى العالم السفلي في الشهر المسمى
باسمه ، كما أنه كان يحتفل بقيامه من بين الأموات في فصل الربيع حيث تحيا بحياته الأرض ، ويعود إليها خصبها ونماؤها . وهو كإله للخصوبة لا يستطيع عالم الأموات الاحتفاظ به كما عجز الظلام عن حبس أشعة الشمس عن الأرض . لكن الخصوبة تتطلب إلي جانب الإله ) تموز ( وجود الإلهة ) عشتر ( التي كانت عشيقته أو زوجه ، والتي رحلت إلي العالم السفلي وأنقذته.
فجميع الترانيم التي وصلتنا عن هذين الإلهين إنما هي ترانيم دينية ، وهي وغيرها من سائر الأساطير التي اهتدي إليها علماء اللغات السامية تؤيد قول أستاذي الفاضل أحمد بك أمين والأستاذ زكي نجيب : ( وكانت الكتابة مقصورة على موضوعات الدين وأعمال الملوك ) .
