لعل أوسكار وايلد من الأدباء القلائل الذين دانت لهم الشهرة قبل أن يقرأ له الناس حرفا واحدا . فلقد ذاع صيته في أوربا وأمريكا بأنه محدث بارع ، إذ اشتهر عنه بأنه ذو لياقة وبديهة وذكاء رائع فهو يستطيع أن ينتقل بالحديث كما يحلو له فيفاجيء ، ما شاءت له المفاجأة ، فسهر سامعيه ويستحوذ عليهم ويسيطر على المجلس ، بمهارته الفائقة في الحديث ، ثم إنه يستطيع أن ينتقل من موضوع إلى آخر في غاية السهولة ، وتظهر مهارته عندما يفاجأ بسؤال لا يمت إلى ما يتكلم به من حديث بصلة فيجيب عنه بسرعة ، وقد أصاب ما أراد في إجابة تدل على بديهة حاضرة وذكاء خارق .
ولقد اتخذ من مهارته في بإرسال اللذعات والفكاهات سلما للشهرة ، فذاع صيته وأخذ رجال المجتمع الإنجليزي يتسارعون في دعوته . وكانت هذه الطبقة آنذاك تمثل برجالها خلاصة المستعمرين الإنجليز ثم فمنهم يرشح حكام المستعمرات وقواد الجيش ، ومنهم ايضا رجال القضاء والإدراة ، فكان يسيطر عليهم بأحاديثه ويستحوذ على ألبابهم ، ويدعهم مع نسائهم حائرين مأخوذين ، لذلك وجد لنفسه الحق ان يقول " إن من يسيطر على مائدة عشاء في لندن يستطيع أن يحكم العالم . وهو يقصد بهذا انه خير من هؤلاء ، السخفاء الذين يرون أنفسهم حكام العالم . وكان هؤلاء النبلاء يتسارعون بدعوته إلى حفلاتهم . وكانوا يفخرون بذلك ، حتى إن بطاقات الدعوة كان يكتب عليها . . " ملاحظة هامة . . سنستمتع بأحاديث أوسكار وايلد . . "
ولد أو سكار وايلد في إيرلندة عام ١٨٥٦ وكان أبوه طبيب عيون ، أما أمه فقد كانت تشتغل بالكتابة وعلى الأخص ما يتصل منها بالشئون السياسية ، وهي كأي مواطن إيرلندي
تكره الأنجليز غاية الكراهية ، لذلك امتازت مقالاتها بشدتها على الإنجليز الذين انتهكوا حرمة بلادها .
وعرف عن أوسكار وايلد أنه كان يمقت الألعاب الرياضية في المدرسة ، ولكنه كان قوي الجسم حتى إنه استطاع أن يبطش بأربعة من الطلاب في اكسفورد حيث أرادوا الإيقاع به . وقد اهتم أوسكار وايلد أثناء دراسته بأكسفورد بالآداب القديمة وحصل من بحوثها جوائر ثمينة
ثم أراد أوسكار وايلد أن يكون شيئا ما فلم يجد خيرا من أن يلفت إليه الأنظار ، فأعلن وهو طالب في الكلية . . " أن إصلاح الملابس خير من اصلاح الدين " وأخذ يدعو إلى تقويم الجمال وتربية الذوق وجعل من نفسه راعيا وأستاذا لعلم الجمال وصار يلبس ملابس غريبة الشكل ذات ألوان زاهية وأخذ يتجول بها في شوارع لندن . وكان الناس يشيرون إليه قائلين : " انظروا هذا هو السخيف أوسكار وايلد " فيلتفت أو سكار وايلد إلى صاحبه قائلا : -
" ما أسرع أن يصبح المرء مشهورا في لندن . "
كان مزهوا بنفسه محبا للدعاية ، حتى لقد لقب بحق "أمير الدعاية" كان رزينا مترنا فيها لا يقسو على الأشخاص وإنما على المجتمع . فلقد اختلط بالمجتمع الانجليزى وعلى الأخص الطبقة الارستقراطية فعرفها معرفة الخبير المطلع فعرف حقيقتها فكتب وتحدث عن عهرها وفجورها ، فإذا هو مجتمع متحمل متفكك يتحكم فيه الهوي والغرق . لهذا كان يحدثهم بصراحة عن حالهم . وإنك لتقرأ دعاباته وفكاهاته عن ذلك المجتمع فتضحك وتغرق في الضحك ، ولكن ما إن تنتهي منها حتى نجد أن لنكاته التي ضحكت منها معنى اكثر من الضحك يثير فيك التأمل ويدعوك إلى التفكير في سلامة تلك الأوضاع الاجتماعية .
وقد اتهموه بالفجور ، فقالوا عنه إنه لا يتورع أن يأتي منكر الأعمال ، فهو لا ينحرج أن يوقع بمن يعرف من النساء والفتيات اللاتي كن يتكالبن عليه . بل لقد اتهموه بالشذوذ الجنسي . وقد سببت له هذه أيضا مضايقات سنأتي على ذكرها . واتهموه أيضا بأنه كاتب فاجر ، لإثارته احاديث ليس من اللائق ذكرها .
أما عن فجوره فتلك أحوال شخصية يتفق كثير من النقاد على أنها ملك للفنان . وأظنها مشكلة لا يتسع المجال لمناقشتها . ولكن المتفق عليه أن أكثر النقاد المحدثين
يعتبرون أوسكار وايلد خير من نقد المجتمع الانجليزى فكشف عن اسراره وفضائحه ، وهم يعتبرون الآن من المصلحين الاجتماعيين أراد أن يظهر ذلك المجتمع ما فيه من حقائق مخزية ، فإن آراءه التي كتبها والتي تحدث بها علي قسوتها وصراحتها لم يكن يقصد بها إلا إثارة انتباه الناس إلى حقيقة حالهم . وإننا عندما نقرأ ما كتب نلتمس عنده آراء صريحة لم تخب عليه في حال القوم ، وهناك بعض ما أورده ، في مسرحياته .
يقول : " إن الفرق الوحيد بين الأعزب والمتزوج هو أن أولاد الأعزب في بيوت المتزوجين ، ثم إنه يبين لنا رأي الإنجليز في الزواج فيقول " الرجل يتزوج حينما يتعب ، والمرأة تتزوج للفضول ، وكلاهما مخطىء وفاشل ، ثم هو يقول عن النساء الإنجليزيات : " إن النساء في انجلترا أصبحن ذوات مزايا عجيبة شاذة بحيث تجعلنا لا نستغرب إلا من الزيجات الموقفة ويكشف لنا أيضا عن حقيقة الفتاة الإنجليزية المقبلة على الزواج على لسان إحدي بطلات مسرحياته : " أوه إني خدعت بارتست ، فهو عندما خطبني أقسم لي وهو راكع عند قدمي أنه لم يحب فتاة غيري وكنت فتاة آنذاك ولهذا لم أصدقه ولا أرى داعيا لذكر السبب " . وهو يقول علي لسان شبابهم الذاعر : " إن السهمة الحميدة هي إحدي المتاعب التي لم أعن بها . . ويقول ايضا عن أحدهم عندما سئل : لماذا لا يزوج ؟ " لا أريد الزواج الآن لأني لم اتعب بعد . ولو أنني متيقن بأنني لن أجد فيمن أعرف من الفتيات من تصلح أن تسمى فتاة بالحقيقة ؟ .
إذا فهذا هو المجتمع الإنجليزى يكشفه لما هذا الكاتب الإيرلندى العبقري ، فاذا هو مجتمع فساد وانحطاط في الأخلاق . ولقد تأثر برنارد شو بأوسكار وايلد في كتابته ، فأتخذ من النكتة وسيلة في التعبير عما يريد . ولكن الفرق بينهما أن برنارد هو كان جادا غاية الجد ، أما أوسكار وايلد فلم يقصد إلا أن يضحك الناس من ذلك المجتمع . .
وأوسكار وايلد لم يهتم بالكتابة باديء الأمر ، وإنما كان يعتمد على مكانته في المجتمع التى هيأتها له ذلاقته وبديهته فقد كان يدعي كما قلنا إلى الحفلات والولائم مع ذوي النفوذ . ثم دعي للسفر إلى أمريكا لإلغاء سلسلة محاضرات عن علم الجمال ، ولقد لقي منظم حفلانه عناء كبيرا منه . واعتمد أوسكار وايلد في رحلته هذه على الدعاية لنفسه بمختلف الوسائل ، فطار صيتة ، وكانت المجلات والصحف الأمريكية تتبع أخباره
بلهفة ، وكان لهذه النكتة البارعة أثر كبير في الدعاية له . فإنه عندما ساله موظفو الجمارك عما يملك أجابهم : " لاشئ سوي عبقريتي . . وقد أبرق إليه أهالي بلدة جرجزقيل طالبين منه إلقاء محاضرة عن الذوق فأبرق إليهم قائلا : " غيروا اسم مدينتكم أولا . . ثم دعته جامعة هارفارد لإلقاء محاضرة فيها ، وقد أراد مجلس الجامعة أن يجامل الضيف الكبير ، فليس ستون طالبا الملابس الملونة الزاهية التى كان يلبسها وايلد وجلسوا في القاعد الأمامية وقد ضجت القاعة بالضحك حين ظهر أوسكار وايلد بملابس السهرة الكاملة متعمدا ، ولم يكتف بهذا بل قال كلته المشهورة مشيرا إلي الطلاب " إن التقليد هو تحية العوالم العبقرية . . "
وكان يحلو له أحيانا أن يدخل في مساجلات حول الفن مع بعض الكتاب ، ولكنه لم يكن يقسو على معارضيه . وقد اسكت ناقدا كبيرا كان يدعي دائما أنه يعرف كل شئ . إذ قال له وايلد في وليمة عشاء : " لا تقل إنني أعرف عن الفن وإنني أعرف عن الجمال . فإن هذه أشياء ليس لك فيها نصيب . وإنما قل إننى أعرف ان آكل لأن هذا هو الشئ الوحيد الذي تعرفه . .
ثم اشتغل وايلد محررا في مجلة " دنيا المرأة " وكان بلذ له أن يتعدد في كرسيه مظهرا العظمة ، ويتلذذ أحيانا من توسلات الكتاب لنشر ما يكتبون . ولكن ميله إلي الكسل وعدم رغبته في التقيد جعله يفشل في الصحافة ، ثم اشتغل في " بال مال جازيت " فأخفق أيضا . ثم اضطر أخيرا ان يكتب ويؤلف ليضمن موردا للعيش أولا ، ثم لتهيئة بيت لزواجه ، فقد تعرف بفتاة جميلة ، وكانت " كونستانس " فتزوجها . وكان يقول : " إنني تزوجتها لأنها لا تنبس ببنت شفة ، والواقع أنها كانت قليلة الكلام تحب زوجها و تجلس له . ومن الغريب أنها كانت متدينة بينما أحاطت بسلوكه الظنون . ولهذا قال : " إن سوء التفاهم المتبادل هو أساس السعادة الزوجية ، وقد رزق منها بولدين جميلين أحبهما غاية الحب ، وكان يروي لهما حكايات وقصصا لطيفة ، اعتبرت من أروع حكايات الأطفال المشوقة ، ثم اشتغل بالتأليف ليضمن له ولعائلته موردا منظما ، فكتب " مروحة الليدي وتدرمير " . ثم نشر " صورة دوربان جراي " تباعا . ثم جمعها وأصدرها في كتاب ، ثم كتب
أيضا " أهمية أن تكون أرتست " و " دوقة بادوا " و " قبرا أو الفوضوية " وكتب أيضا " سالومي " و " الزوج الكامل " . ونشر بعض القصائد الشعرية ومقالات عديدة عن الفن والجمال أما " امرأة لا اهمية لها " فهي مسرحية ألفها فمثلت في أكثر من عاصمة ومدينة ولاقت نجاحا كبيرا ضمنها بصراحة آراءه في المجتمع الإنجليزي . وهذا يعني ما يقول فيها على لسان أبطال المسرحية : " النساء الجميلات وقتهن ثمين . إنهن معنيات بأزواج النساء الأخريات " العمل الوحيد الذي يعرفه أفراد الطبقة الارستقراطية . . هو ألا يعملوا شيئا . " ثم يقول : " الإنسان يحمل في هذه الأيام علي كل شئ ما عدا السمعة الحميدة وهذه إحدي نساء المسرحية تقول : " إن الرجال يريدون دائما أن يكونوا أول حبيب للمرأة وهذا سر غبائهم ، أما نحن النساء قلنا دهاؤنا المعروف ، ونحن نريد من الرجل أن نكون آخر غرام له " .
هذه وغيرها من آراء كشف بها أوسكار وايلد بصراحة عن أخلاق المجتمع الانجليزي . ويخيل إلى أن أكثر اللذعات والفكاهات التي تتناقلها المجلات ، أخذت عن هذا الكاتب العبقري ، ويقال إن ما يباع من كتبه سنويا يفوق أى مؤلف آخر ، اللهم إلا شكسبير
ولقد تعرض أوسكار وايلد في أواخر أيامه إلي ازمة شديدة . إذ ظنت بعلاقته بالفرد ذوغلاس الظنون ، أما الفرد دوغلاس هذا فهو فني جميل الصورة تعلق بأوسكار وايلد وصار يلازمه فمنعه والده عنه فلم يمتنع ، وطلب والده من وايلد أن يمنع ولده عن صحبته فاغضبه فاصر الوالد اللورد دوغلاس على أن يرفع الأمر إلى القضاء ، ولكن أحد أصدقاء الطرفين تدخلوا فيما بينهما فتنازل اللورد دوغلاس ، ولكن أوسكار وايلد أصر على الالتجاء إلى القضاء ليعيد اعتباره . فكانت ورطة كبيرة إذ كانت نتيجة المحاكمة أن حكم عليه بعامين ، وقد عاني كثيرا من سجنه فأثر في صحته وأظهر الندم ، وسار يمنى نفسه بحياة معتدلة بعد خروجه من السجن ، ولكنه ما إن خرج منه حتى عاد إلى حياة العربدة والمرح التى اعتادها
وتوفي أوسكار وايلد عام ١٩٠٠ بعد أن بلغ من الشهرة ما يصبو إليه .

