الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 143الرجوع إلى "الثقافة"

أوضاع اقتصادية

Share

مسألة القطن اليوم مسألة شائكة ، فالثمن كما يقولون قليل ، ومصاريف زرعه وخدمته زادت بنسبة الزيادة العامة فى الأثمان ، والبلد ينتظر المورد من القطن حتى يستطيع أن يتعامل ، يأخذ ويعطى ، ويجئ ويروح ، ويزداد نشاطه الاجتماعى ، فتدب فيه الحياة بعد ركود والحركة بعد جمود ، ويزمعون الآن لحل مشكلة القطن أن يزيدوا ثمنه بطريقة مفتعلة ، يسطون على بعض الجيوب ليعمروا قليلا أو كثيرا بعض الجيوب الأخرى ، يأخذون من زيد ليعطوا عمرا ؛ وهذا فى نفسه شىء مشروع ، فكل ما فى جيب جماعة من الناس تسرب إليها من جيب جماعة أخرى ، ذلك لأن الحياة الاجتماعية عبارة عن تداول السلع والنقود والآراء .

ولكن ما نريد أن نعرفه على وجه التحقيق - وما فشلنا فى معرفته للآن - هو شخصية عمرو هذا الذى سيزاد ثمن القطن مرضاة له ورأفة به ، هذا ما لم يشرحه لنا أحد بطريقة جدية واضحة لا لبس فيها ولا إبهام ، نريد أن نعرف من سيأخذ الريالين اللذين سيزيدونهما على ثمن القطن . لقد عرفنا المورد الذى سنلجأ إليه فى شأنهما ، ولكننا لم نعرف مصيرهما . نريد أن نعرف من يملك القطن الآن ، وكيف يعود شىء من فرق الثمن على الفلاح ، وما مركز هذا الفلاح الاقتصادى ، هل هو الفلاح الأجير ، أم الفلاح الذى يملك فدانا من الأرض ، أو أقل من الفدان ، أم هو الفلاح السمين الملىء بالشحم المكتظ باللحم ؟ وكم فردا يقيدون من هذه الزيادة ؟ وما مقدار الفائدة التى تعود على كل فرد ؟ حقا لقد سمعنا كلاما كثيرا فى شأن القطن ، فقد تحدثوا عن الحكومة

الانكليزية ، وعن المحالفة ، وعن الحرب ، وعن النقل البحرى والبرى ، وعن الحكومة وعن البرلمان ، وعن الانتخابات ؛ سمعنا بكل هذا وقرأنا الشىء الكثير فيه ، فقد أطال فيه المتكلمون فى داخل البرلمان وفى خارجه . أما عن توزيع الريالين ، ومن سيصيبه شىء منهما ، ومن لا يصيبه شىء ، وما مقدار ما يعود على الفلاح بالقرش والمليم ، ومن يقصدون بالفلاح ، هل هو هذه الملايين الكثيرة من الناس الجياع ، أم يقصدون بالفلاح بعض مئات معينة من الناس - أما فى هذا فلم نسمع كلاما يحسن السكوت عليه .

الحق أن البحث فى المسائل الاقتصادية شائك ، لأنها تتصل بمعايش الناس ، والناس حريصون إلى درجة الموت على ما يمس حياتهم الاقتصادية ؛ ولكن الباحث الاجتماعى لا يملك إلا أن يصطدم بها فى كل ما يتناول من بحوث وما يبغى من إصلاح ؛ ففى كل منفرج فى الطريق يعثر بعقبة اقتصادية تكاد تجعل بحثه خياليا غير منتج ؛ ولذلك فهو مضطر فى جميع الحالات أن يعيرها الكثير من تفكيره وبحثه ؛ فتفكير الناس وعاداتهم ومثلهم العليا وآمالهم وأمانيهم مرتبطة أشد الارتباط بما يأكلون ويشربون ، أو بعبارة أخرى مرتبطة بطرق معايشهم وكسبهم .

ومسألة القطن ليست مسألة قائمة بذاتها منفصلة عن غيرها ، وإنما هى جزء من كل وفرع من أصل ، والأصل فيها هو النظام الاقتصادى المصرى ، مقدار الانتاج وأنواعه وكفايته وطرق توزيعه ، والسرعة فى هذا التوزيع : هل يكفى إنتاجنا لسد جميع حاجاتنا ، وهل يوزع هذا الانتاج بحيث يحصل الناس على ما يحتاجون ؟ هذا على ما نظن هو لب المسألة الاقتصادية ، وما عداها عوارض قد تظهر وقد تزول تبعا للأحوال والظروف .

بزعم مريت بطرس غالى بك فى كتابه القيم - ولا أذكر

عنوانه الآن - أن المشكلة فى بلادنا مشكلة الانتاج ، وليست مشكلة التوزيع ، وأن تحسين حال طبقات الشعب لا تتوقف على إعادة توزيع الثروات أو السلع المنتجة ؛ هذا حق وصواب إلى حد كبير ، ولكن ليس معنى هذا الكلام فى رأينا أن التوزيع بلغ عندنا درجة كبيرة من العدل والكمال .

يقوم التكسب في كل أمة من الأمم على إحدى طريقتين : فاما أن يكون التكسب من الانتاج ، أو يكون عن سبيل الخدمة ، وبعبارة أخرى : ينقسم الشعب فى أى أمة إلى طائفتين : طائفة تنتج السلع ، تصنع الأشياء ، وتزرع النبات وتحيله إلى مأكل وملبس ومسكن ، وتتناول المعادن فتحيلها إلى آلات تساعد على تيسير الانتاج وتكثيره ، وتعين الانسان على الحياة بضروب شتى من الخدمات التى تؤديها له فى المنزل وفى الشارع ، فى أوقات العمل وأوقات الراحة ؛ من هذه الطبقة العمال والصناع والفلاحون والميكانيكيون ، وعلى هؤلاء يتوقف مركز البلد الاقتصادى ومقدرته الشرائية ، وبمجهودهم تكثر السلع التى يتداولها الناس فى حياتهم العادية ويستبدلونها بالنقود التى هى وحدات التعامل المصطلع عليها فى النظام الاقتصادى المالى .

والطبقة الأخرى تقوم على خدمة الشعب دون أن يكون لها دخل مباشر فى الانتاج ودون أن تزيد فى مقدرة الأمة على الشراء إلا بطريق غير مباشر . لا ننكر أن هذه الطبقة تيسر الحياة للطبقات الاخرى ، تزيد فى راحتها وفى استمتاعها وفى جعل الحياة هينة لينة إلى حد كبير ؛ ولكن مركزها فى النظام الاقتصادى هو مركز المستهلك الذى لا ينتج ، مركز من يستنفد الثروة وليس من يزيد عليها أو ينميها ؛ من هذه الطبقة الموظفون والأطباء والأساتذة والتجار والباعة الجوالون بكافة أنواعهم ، وخدمة المنازل والمكاتب ، وسائقو العربات والسيارات والقطارات ، وأمثال هؤلاء كثير .

ليس من ينكر أن وجود هذه الطبقة ضرورى للحياة من جميع الوجوه ، وأنه يساعد الطبقة الأخرى على الانتاج بطرق شتى ؛ ولكنها طبقة لا يصح بحال أن تطغى فى العدد أو فى المركز على الطبقة الأخرى ، إذ يجب أن يكون هنالك توازن بينهما ، وإلا كانت حياة الشعب الاقتصادية غير سليمة بحال من الأحوال . فأمة تروج حال الخدام فيها وتسوء حال المنتجين ، أمة مريضة ، يشتد فيها الداء ويستعصى بنسبة ميل الميزان لصالح الطبقة القائمة بالخدمة .

هذه الظاهرة الأخيرة هى الشئ الغالب فى مصر ، وهي الداء الدفين الذى أعيانا علاجه . نحن أمة موظفين وكتبة وخدام ، ولسنا أمة إنتاج زراعى أو صناعى . نحن أمة يهرب فيها الأفراد من التكسب عن طريق الانتاج إلى التكسب عن طريق الخدمة ؛ وذلك لأن هذا السبيل الأخير أهون علينا أولا ، وأعود علينا من الوجهة الاقتصادية ثانيا . وثروتنا مقسمة إلى شطرين : الشطر الأكبر منها يذهب إلى جيوب الخدام ، والشطر الضئيل القليل يذهب إلى جيوب المنتجين .

ولهذا الداء نتائج كثيرة تترتب عليه : منها ازدحام المدن ، وإقفار الريف ؛ ذلك لأن المدن هى مراكز الخدمة وفيها دواوين الحكومة والبنوك والبيوت التجارية ؛ ووسائل الانتقال لهؤلاء الموظفين كثيرة متباينة ، وفيها المطابع والمدارس ، وجميع هذه المنشآت تحتاج إلى خدمة وموظفين ، فهرع الشعب إلى هذه المراكز ، عله يخدم أحدا فيأكل ويشرب ؛ ثم أقبل الناس على هذا السبيل من التكسب إقبالا شديدا ، ولا لوم عليهم فى ذلك على الإطلاق ؛ فالفرد منا يسعى فى الحياة ليأكل ويشرب ، لا ليجوع ويضحى ، فالتضحية للأبطال الأفذاذ ، ولسنا أمة أبطال ، ولن توجد فى العالم أمة أبطال .

أقبل الناس على هذا الضرب من التكسب أيما إقبال ،

وتفننوا فيه واستنبطوا أنواعا جديدة من الخدمات لا يكاد المرء يحصيها ؛ فمنهم ماسح الأحذية وبائع الجرائد وأوراق المراهنات بجميع أنواعها ؛ وقد رأيت رجلا يبيع حمارا صغيرا على ناصية عماد الدين وفؤاد الأول ، وغيره يبيع الكلاب ، وآخر يجوب الشوارع بقرد ومعزى ، حتى أصبحت الشوارع تفيض بهؤلاء ، إلى أن طغوا على بقية الأفراد ، ناهيك بمن يفتح لك باب سيارتك ويغلقها ، ومن يقف لك حين تدخل منزلك ويقف لك حين تخرج . تدخل إلى دكان المزين فيقص لك شعرك ، وإذا غلام يطرد عن وجهك الذباب ويروح عنك بمروحته ، وعندما يفرغ المزين من عمله تقبل عليك طائفة من الغلمان ، هذا ينفض الغبار عن السترة ، وذاك يناولك الجريدة ، وآخر يتناول منك الأجر ، حتى لتكاد تشعر أن العالم وقف على خدمتك .

اعتدت أن أجلس إلى مقهى لأقرأ أو أكتب ، وكان بالمقهى خادم واحد لطائفة محدودة من المناضد ، فكان يحضر لى القهوة وأقداح الماء كلما طلبتها ؛ وما كان على إلا أن أصفق بيدى حتى يحضر هذا الخادم ويجيبنى إلى ما أطلب ، وكنت أهبه بعض النقود فى نظير هذه الخدمة ؛ ثم ذهبت يوما ما إلى هذا المقهى ، وإذا بخادم آخر انضم إلى الخادم السابق ، كان الأول يلبس البذلة الأفرنجية ، وأما هذا فيلبس القفطان الأبيض ويتمنطق بحزام أخضر عريض ؛ وتبين من معاملتى لهؤلاء أن هذا الشخص الجديد عبارة عن خادم للخادم الأول ، يحضر لى ما أشاء من أقداح المياه ، ولكنه يترك قبض الثمن للخادم الأول ، إلا أنه مع ذلك يظل يحوم حولى عند دفع الثمن والبقشيش . ويظل يحدق فى ، ويرتب فى المنضدة التى لا تحتاج إلى ترتيب بحال من الأحوال ، ولا يفارقنى إلا إذا نال نصيبه من الهبة أو أيقن أنى لا أقصد أن أدفع ، ثم مرت الأيام ، وإذا بخادم ثالث

يضاف إليهما ، وعلمت من تصرفاته أنه خادم لخادم الخادم ، وهو منوط به استدعاء الباعة وإحضار الجرائد للزبائن ، ولا أعلم مركز الخادم الرابع متى حضر ، وأظن أنهم سوف يجدون له عملا متى حان الوقت .

هنالك ضروب من الكسب تجعل الانسان منا يعجب للحياة كيف يقضيها هؤلاء الناس ، فقد رأيت رجلا أمامه أربع برتقالات لا غير ، يقلب فيها وينضدها تارة بشكل وتارة بشكل آخر ، وهو جالس على قارعة الطريق ، وآخر يجوب المقاهى يحمل قلما واحدا لا غير من الرصاص ، ويريد أن يبيعه للجمهور ، وهكذا إلى آخر هذه المشاهد التى تجعل الانسان يحزن ويكتئب لهذه الحال !

لقد قيل الشئ الكثير فى حياتنا الاقتصادية ؛ ولكنا نظن أن المسألة كلها تتوقف على سؤال واحد ، متى استطعنا أن نجيب عليه أمكننا أن نحل الكثير من المشاكل ؛ هذا السؤال هو : هل فى الإمكان زيادة وسائل الانتاج فى هذا البلد ، أم ليس هذا الامكان ؟ وإن كان الجواب على هذا السؤال بالإيجاب يحضرنا سؤال آخر : هل يمكن أن يسد إنتاجنا حاجات الشعب كلها بحيث تصبح ملائمة لحياة الأدميين ، أم أن لزيادة الانتاج حدا محدودا لا نستطيع بحكم الحالة الطبيعية لبلدنا أن نتعداه ؟ وما هى السلع التى نستطيع إنتاجها فى هذا البلد ؟ وهل نستطيع أن نحمل الشعب على الاقبال على إنتاج هذه السلع ؟

لقد سمعنا الشئ الكثير عن مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان ، ومقدار السماد الذى ينتج عن هذه الكهربة ، وأنواع الحديد الذى نستطيع استغلاله منه ؛ سمعنا بكل هذا وبكلام كثير مثله ، ولكننا لم نسمع على التحقيق كم قنطارا من السماد يمكن إنتاجه ، وكم من الأدوات نستطيع أن ننتج من هذا الحديد ؟ وكم عاملا وصانعا يستطيعون أن يشتغلوا فيها لو تم هذا المشروع ؟

وماذا يصنعون : هل يقومون بخدمة أو ينتجون ؟ وكم يكون أجر العامل ؟ وما هي أنواع المنتجات التى يستطاع إنتاجها ؟ وكم هى الميزانية السنوية لهذا المشروع ؟ وما مقدار إيراده بالقرش والجنيه ؟ وماذا سيدخل إلى جيوب الشعب من هذا الايراد ؟ وكم منه يدخل للشركة التى ستضطلع به ؟ وما مقدار دخل الحكومة منه ؟ كل هذه أسئلة تخطر ببال الانسان ، ولكنه لا يجد لها جوابا معقولا ، وإنما كل ما يسمعه عن هذا المشروع كلام عائم لا ضابط له ؛ فهم يقولون لك إنه سوف ينتج كذا وسوف يعمل ذاك ، وسوف يرفع مستوى المعيشة درجات .

أما إذا كان من غير المستطاع إكثار الإنتاج فى هذا البلد بدرجة تكفى سكانه ، فقد أصبحت مشاكلنا الاقتصادية مشاكل لا يرجى حلها ، وأصبح الحديث فى الاصلاح الاجتماعى لغوا لا يعتد به .

ماذا يستطيع هذا البلد أن ينتج ؟ وما مقدار هذا الانتاج بالجنيه والقرش ؟

اشترك في نشرتنا البريدية