الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 283 الرجوع إلى "الثقافة"

أوليس، 1 - في الإلياذة

Share

أوليس أحد أبطال هوميروس . رأيناه للمرة الأولي في الإلياذة على رأس جنده الذين جمعهم من مملكته بجزيرة كورفو ، التي لا تزال الأمواج تلطم صخورها إلي اليوم ، وذلك لكي يساهم مع بلاد اليونان الأخرى في حملتها الشهيرة على طروادة إحدي مدن آسيا الصغري

وكلنا لا ريب يذكر سبب تلك الحرب الضروس ، واصداؤها التي سجلها شاعر اليونان العظيم لا تزال تتردد بجميع الآذان . ومن يستطيع أن ينسى هيلانة ، هيلانة مضرب الأمثال في الجمال ، وإن كانت السبب في تلك المحنة التي آثارت الغريب ضد الشرق عشر سنين متواليات ؟

قالوا : إن باريس أحد أمراء طروادة أتي يوما في تجارة إلي شواطئ البلبيونيزيا ، وإذا بهيلانة زوجة منيلاس ملك إحدى تلك الجهات تلهو على الشاطئ مع رفقة لها ،

فهاله جمالها ؛ وكان الأمير مشرق الطلعة ، فوقع هو أيضاً بقلبها ، وكان ما شاءت الأقدار ، فتواعدا على الهرب سويا ، ونشرا القلاع إلي طروادة .

وعلم زوجها بالخبر ، فأخذته شهامة الرجال ، ونفرت مدن اليونان كافة إلي جوار الزوج الذي تلم شرفه ، وتصدي لقيادتهم أجاممنون أخو منيلاس ، وأعدوا الحملة ،

وأبحرت السفن ، وأرست حيث ضرب الجند حول طروادة الحصار ، وكانت معارك تبيض لهولها النواصي ، إذا صح أنها كانت كلها في قسوة ملاحم السنة العاشرة التي اكتفي هوميروس بأن صور لنا جزءاً منها . وكم من أبطال تميزوا في تلك الميادين الساحقة ! اخيل أشجع من ولدت الأمهات

وأصلب الرجال عزما ؛ وإياس ذو الحول والطول ؛ وهكتور أنبل أهل طروادة وأخلدهم ذكرا ؛ ثم أوليس

وفي الحق ان أوليس لم يحتل مكان الصدارة بين أنداده الخارفين ، ولكنه أعمق دلالة وأمس بالأغريقى العادي رحما من الجميع . أوليس أنموذج للشعب اليوناني ذاته بما فيه من قوة وضعف ؛ هو صورة واقعية للأخلاق اليونانية والملكات اليونانية ، وإلي هذا فطن الإغريق كافة ، فرأي

كل منهم فيه نفسه أو جانبا منها بما نعرفه عنهم من الشجاعة وروح المغامرة وتفتح النفس للمعرفة ، وإقدام على المخاطرات مع القدرة على ملابسة الواقع ، وتدبر الصعوبات ، ثم المرونة في معالجة الناس والأشياء ، مما

يدفعهم أحياناً إلي إسكات صوت الضمير ، والتعلق بالهدف دون نظر إلي نبل الوسائل أو مدى ما فيها من قسوة . وتلك كلها صفات سنراها عند أوليس في تاريخه الطويل على تفاوت في النسب ، وتطور في الاتجاه وفقاً لسير الزمن وتقدم الحضارة .

صادف أوليس إذن هوي الشعب اليوناني الذي أطمأن إليه كما يطمئن المرء إلي نفسه ، وإذا به يصبح رمزه الحي ، وإذا به يتطور بتطوره ؛ فلم تكد عصور البطولة تنقضي ويأخذ الشعب بأسباب الحياة العملية ، وينصرف إلي السيطرة على المادة ، وارتياد بقاع الأرض ، وركوب متن المياه التماساً للعيش ووجاهة المال ، حتى رأينا بطلنا يحتل المكان الأول في الأوديسا ، ملحمة هوميروس الثانية ،

وما هي إلا قصص لمغامرات أوليس أو أوديسيس ، كما كانوا يسمونه ، أثناء عودته إلي وطنه عبر البحار . ونظر الشعب الإغريقي فرأي أنموذجه يسابره في تطور خلقه واتجاهات نفسه فمزاد به تعلقا ؛ حتى كان القرن الخامس قبل الميلاد ، أي بعد ظهور أوليس إلى الوجود بخمسة قرون ، وإذا بسوفكليس المؤلف المسرحي الذائع الصيت يتخذ منه بطلا لروايته الخالدة "فيلو كتبت " philoctete

وقد عمل الزمن فيه عمله ، فأصبح الماكر الذي لا يتورع عن شيء في سبيل الوصول إلي ما يريد . ومن عجب أن يسير رجلنا من بطولة الإلياذة إلي دهاء الأوديا ، ثم ينتهي بخبث "فيلو كتبت" وان تجد في كل مرحلة بدور المرحلة التالية ، حتى لتحسب أنه كان يمتلك كل تلك الصفات كامنة ، وإنما هو محك الزمن أظهرها فيه ، كما أظهرها عند الشعب اليوناني كله يوم سار من صلابة البداوة إلى مزاولة الحياة ، ففساد المدنية

فلنتبع إذن بطلنا نلتمس فيه صورة الشعب اليوناني بأكمله خلال مراحله التاريخية ، وليكن حديثنا اليوم قاصرا علي أوليس الإلياذة ، ففيه حقيقة نفسه في ذلك الحين ، وأشباح ما سيصير إليه فيما بعد .

وكان يوما مشهودا يوم راينا أوليس لأول مرة ، قلمنا ما تحلي به من شجاعة وحزم ومعرفة بحقائق  النفوس .

وذلك أن أخيل العافي النفس - غضب من أجاممنون رئيس الحملة ، إذ سلبه قسرا أسيرة جميلة كانت من بين أسلابه ، فتخلى عن القتال ؛ وكل من يذكر شجاعة أخيل التي لا مثيل لها يستطيع أن يتصور ما استهدف له الإغريق إذ ذاك من أخطار وخصومهم رجال ذوو بأس .

وهذا ما كان ، فقد أنهزم الإغريق وانسحبوا إلي الشاطيء يمدون سيفهم للإقلاع ، وكادوا يعودون إدراجهم خائبين ، لولا أن تداركت الأمر "بالأس" ربة الذكاء وحامية الأغريق

" فانطلقت من أعلي الأولب بأجنحة حثيثة إلي حيث ترسو السفن . وهنالك وجدت أوليس ، أوليس الحكيم حكمة ريس وجدته جامدا في مكانه لا يمس قلاعه . وقد نفذ الألم إلي أعماق قلبه إلي جانب البطل وفقت الإلهة . وخاطبته قائلة : يابن لا يرث ! أيها الإلهي ! أي أوليس الحكيم ! أتنطوون بصدور وطنكم وتتركون ليربام

وأهل طروادة بثمناً لنصرهم هيلانة الإغريقية ؟! وببلاد الأغريق ولدت ، ومن أجلها هلك كل من استشهد من إغريق حول طروادة بعيدين عن وطنهم ؟! هيا ! بلا مهل ! إلي صفوف الجند ! بقولك المقنع أمسكهم عن الهرب ، لا تسمح لسفنهم أن تشق أمواج البحر" .

ونظر أوليس فإذا بها بالإس التي تتجه إليه بالحديث . وهو الإغريقى الصميم الذي يعرف كيف يجل إلهة الذكاء  وبين احصانها مما ، وبإشعاع منها مت إلي المجد بسبب وهاله الموقف وقد هلعت قلوب الرجال ، فلاذوا بأعقاب

النجاة ، وما إن يحل بالنفوس اليأس من الحياة حتي تطير العقول حرصا عليها . فكيف له أن يقف بمفرده أمام جيش بأكمله وقد ذهب الخوف باب الهاربين ! وهبه فعل ، أو لا تري أنه هالك لا محالة ؟ ! قد تستطيع شجاعة حقاء أن تجازف بحياة صاحبها في يوم كهذا دون أن تصل إلي شئ . وأما أوليس فقد كان أحكم من الحمق ، وأشجع

من الإحجام ؛ كان ذا قلب بفكر ، ولذا أقدم في حزم المستنير ، فألق بمعطفه وأخذ من أجاممنون صولجان الملك ليكون له الحق في مخاطبة الجند ، ثم التأثير فيهم بما يحمل في بدء من رمز الولاية . ولعله كان يدرك بفطرته السليمة ما يستطيع الصولجان من شق نفوس سامعيه

فحديثه ، على نحو ما كانت ألفاظه تستطيعه بدون تلك العصا السحرية أو غيرها من المظاهر التي تفعل في جماهير الناس بلى وخاصتهم فعلها المجيب ثم سار ، " وكلما لقى أحد الملوك أو القادة أوقفه بقوله المسئول : أيها البطل الشهير !

أمتلك برجف خوفا ؟ ! اثبت وثبت جندك وأما إذا لقي جنديا مقموراً يبحث رفاقه على الهرب ، فانه يضربه بصولجانه  وبعنفه بأمر القول أيها الشقي ! قف واستمع إلي أمر قادتك ، أيها الجندي الحائز القوي ، المنحل العزم . يا من لا اعتبار له في صفوف قتال ولا مجلس مشورة " ! وهكذا تهيئ الحكمة للشجاعة سبل النجاة والفوز

ألا تراه كيف أخذ كل نفس بما تستحق من لين أو عنف ، وقد عرف كيف يمتلكها جميعا ، إما بتحريك معاني القوة والكبرياء في القلوب التي تستشعرها ، أو الخوف والخضوع عند من ألقوهما . وهذه أدلة الذكاء الذي ينفذ إلي حقائق النفوس ويلابس الواقع ، وهو بعد ذكاء لا يعوق الإقدام على ينير خطواته .

وانتهي به المسير إلي موضع الجمعية التي انعقدت للتشاور في الأمر ، وإذا بترسيت يخطب الجند ليحملهم بقوله النادر الخداع على الاعتقاد بأنه من الخير ان يعودوا إلي بلادهم . وكان ترسبت هذا ثرثارا مسرفا ، خصب النفس في الوقاحة والجرأة ومجابهة كل خزي ؛ كان يحذق تجريح الملوك يثير به ضحك الجماهير وسخريتها ، وهو أخس المحاربين . رجل أعمش أعرج ضيقت كتفاء المقوستان من صدره ، وعلى رأسه المدبب كانت تتأرجح بضع شعرات شتيتة وفطن أوليس لساعته أنه لابد له من تغيير الجو السيطر لتهدأ النفوس من توترها ، وتعود عن الاتجاه الذي انصرفت إليه . فأسرع إلي ترسيت وضربه بالصولجان ضربة تركت بظهره سناما كسنام النوق ، فخر باكيا معولا  بعد أن كان يصول ويجول منذ هنيهة كأسد الغابة . وكان الجند يعرفون فيه الجبن والفهاهة ، فعلت أصواتهم بالضحك وهذا ما قصد إليه أوليس الذي كسب المعركة ،

إذ تبدل الجو وسكنت القلوب . وهنا علا المنصة وما زال بالهاربين يقنعهم بضروره البقاء ليستولوا على طروادة ،

حتى استمعوا له وانقادوا إلي رأيه ، وذلك لأنه عرف كيف يخاطبهم ، وهم الرجال الفطريون الذين يحركهم الكبرياء ، كما يقودهم الجشع المادي والطمع في الأسلاب ،

ثم هم قوم يؤمنون بإرادة الآلهة ، وقد قضت تلك الإرادة أن يحاربوا وأن ينتصروا . فقيم التراجع ؟! والخطيب من التفاؤل والثقة بما يقول بحيث لم تلبث الجماعة كلها أن

هتفت له مؤيدة متحمسة

وكان هذا من أجمل ما نعرف في حياة أوليس من مواقف ! وفيه تجلت صفاته النفسية : إقدام في حكمة ، وخبرة بدخائل النفوس ، وذكاء نافذ ، وثقة بالنفس .

وعاد الإغريق إلي أسوار تروادة يشددون عليها  الحصار ، ويرد لهم أبطال المدينة يدفعونهم عنها وأما الشيوخ فكنت تراهم يثرثرون بأعلى الأسيجة حيث أخذوا أما كنهم ليشهدوا القتال " كتلك العصافير التي تزقزق فوق الأغصان ، بينما الحصاد يعملون متاجلهم في حقول الغلال" ؛ وتمر بهم هيلانة فيروقهم جمالها ،

ويذكرون أن امرأة كهذه تستحق أن يقتتل من أجلها الرجال . وثارت ببريام رغبة الاستطلاع ، فأوقف الفتاة يسألها : " حدثينى يا بنيني العزيزة عن هذا البطل ، هذا الذي يقصر عن أجاممنون بمدي رأسه ، وإن يكن صدره وكتفاء أعرض منه ؛ وسلاحه راقد إلى الأرض الخصبة !

وأما هو فيسير بن جنده كما يسير الكبش غني الجزة بين تعاجه البضة " . وأجابته هيلانة : " هذا ابن لا يرث أوليس الحكيم . غذائه أرض أبنا كا التي تمرقها الصخور الجدباء بطل واسع الحيل حكيم المشورة " .

هذا هو الرجل : أتي كالكبش ، حكيم كزيى ، وكم كانت له في الإلياذة من بطولة . ومن العدل أن أن نذكر سيره في ظلام الليل مع ديموميد ليتعرف على مواقع العدو ، وما كانت لهما من مخاطرات جنونية . وفي اختيار ديموميد له أكبر دليل على أنه كان معروفا بالشجاعة المتدفقة إلي جانب أصالة الرأي ولقد جرح ديموميد في تلك الليلة القائمة وأحاط به العدو ، ولكن أوليس لم يتركه وحيداً ، بل ضمد جروحه وعاد به .

ولم تكن شجاعة أوليس جسارة قلب فحسب ، بل شجاعة حقيقية ؛ فهو قوي الجسم قصير صلب متين ألا

تري كيف أنه لم يخش إياس نفسه ، بل نازله في السباق ، وانتصر عليه يوم أن أقام أخيل المسابقات الرياضية الرائعة احتفالا بدفن صديقه العزيز بتروكل !!

ولكنها بعد شجاعة تتميز هما سواها فهو يخضع في الأغلب وثباتها لحكمته ، وحكمته إحساس صادق بالممكن ، وقسط واعتدال ، ثم غزيزة تدفعه إلي المماراة  والدهاء ، ولهذا اختبر على رأس وقد ذهب إلي أخيل ليثنيه عن عناده ؛ وهنالك وجه إلي البطل خطبة تكاد تطير بأجنحة خفيفة ، خطبة مؤثرة فاقدة قوية ، ولكنه أمام عناد أخيل لا يلح بل يتركه بابتسامة حزينة .

ومن ثم نراه رغم شجاعته لا يحجم عن الهرب إذا قضت الضرورة . أو لم يرفض أن يعود إلي القتال مع أخيل بعد موت بتروكل ! " أحيل ! يا ابن الآلهة ! إني أعرف شجاعتك ، ولكن الجند جياع ، فلا تثرهم الآن إلي القتال ليطاردوا العدو إلي مدينته مر الجند يتغذون  بالقمح ويطفئون ظمأهم بالنبيد فتتجدد قواهم وما يستطيع القائل إذا حرم الطعام أن يصمد من الفجر إلي غروب  الشمس ، فلابد - مهما كانت حرارة قلبه . أن يثقل التعب قليلا قليلا جسمه النهك ؛ يهاجمه الجوع والعطشي فتنقصف أرجله وسط القتال

وأما أخيل فما يريد أن يستمع لقول ، وكيف يتحدث عن ولائم وراحة وقد مات صديقه بتروكل وما يزال دمه يطلب الانتقام ، وقد جلل الأسى قلوب  الرجال . ولكن أوليس يرد عليه في شئ من التهكم بل المرارة : " يا ابن بيليه ! أيها البطل الذي لا يقهر الست أشك أنك تفوقني قوة إذا أخذت بسلاحك ، ولكني اعتقد أننى افوقك حكمة ، فمى فوق سنك لقد توفرت في السنين فأخذت عنها خبرة تنير لي الطريق . لتدع إذن مشورتي تطامن من حدة نفسك لقد مل الجند المذابح بعد

أن غطت السيوف منبسط الريف بالقش وضعف المحصول وقد مال زيس - فيصل الحرب - بالميزان ، وما بالجوع يجل الجند موتاهم ، وفي كل يوم تتساقط الأبطال وفيرة العدد ، فمتى يضع حدا لآلامنا ؟ ! لتؤد واجب التحبة لموتانا ، ولتستجمع عزمنا لنسكب الدمع يوماً على قبور من فقدنا ، ولتشبع جوعنا ، ولنروى عطشنا نحن الذين  أفلتنا من الموت حتى نستطيع إذا ارتدينا دروعنا الآبية أن تقاتل العدو بقلوب جديدة العزم "

هذا هو أوليس الشجاع إلي حد الهوس عندما يترك الهوس مجالا للنصر ، والحكيم المنزوى عندما تحدثه خبرته بنفوس الجند ومدى قدرتهم على احتمال شدائد الحرب بوجوب التريث وتجديد القوى . هذا هو أوليس الحريص على كرامته يدفع عنها تعالى أخبل نفسه ، وإن كان من قوة الخلق بحيث يعترف للغير بفضله ، ويقر له بالسبق في الميادين التي لا يستطيع أن يثبت فيها

وثمة مواقف أخري تدل على أنه وإن يكن مادي النزعة ، إلا أنه قد عرف دائما كيف يضع صالح الوطن فوق نفعه الخاص ، بل فوق كبريائه . وهو بعد ورع تقى يخشي . الآلهة ويحترمها ، ولكنه لا يحجم عن الصمود لهما إن أضرت به ، وذلك فيما عدا " بالأس " إلمهة الذكاء فهو يخضع لها خضوعاً تاما ؛ وذكاؤها صاف وحكمتها عملية يعتمد على الحظ ، ولكنه لا يسقط من حسابه كل ما يمكن أن يتوقع من نكبات يعد لها آلاف الحيل . وهو في هذا أصدق تمثيلا لأصدق الصفات اليونانية من أي بطل آخر من أبطال الإلياذة ، بل من بطلها الأول أخيل نفسه السرف الكبرياء ، الغشوم الشجاعة . ولكن الزمن سار سيرته ، فأخذت الحكمة تطفي شيئا فشيئا على نفس أوليس ، وتتراجع الشجاعة ، وهو في ذلك يمثل تطور الشعب اليوناني كله كما سنراه في أوليس " الأوديسا " بالمقال  الآتي

اشترك في نشرتنا البريدية