الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333الرجوع إلى "الثقافة"

أول الواجبات، رفع مستوى المعيشة بهذه البلاد

Share

- ٢ - وقبل الانتهاء من الصناعات الممكن قيامها وتوسيع إنتاجها بمصر تقرر أنه يمكن إضافة صناعات أخرى بالاستعانة بموارد الطبيعة وبالثروة المعدنية لا تقل قيمتها عن خمسة ملايين وثلث المليون تقريبا . من أهمها صناعة السماد وقيمته سنة ١٩٣٦ نحو ثلاثة ملايين من الجنيهات .

ويلى السماد آلات خفيفة وقطع غيار ومستحضرات طبية وأصباغ وعطور وزجاج وفخار وغيرها ، خصوصا بعد أن أصبحت صناعة تحضير حمض الكبريتيك وغيره من الأحماض ميسرة . ويمكن بالتوسع فيها إعفاؤنا من نفقات جلب هذا الحامض الثمين محضرا من الخارج وهى باهظة . وهنا مجال للعمل فسيح لمن تخصصوا من علمائنا فى الكيمياء والهندسة بفروعها . وإذا وجدنا وسيلة لاستخراج الحديد وصناعة الصلب بغير زيادة كبيرة في كميات الفحم التى نستوردها فى الظروف المعادية ، فان هذا ييسر استحداث صناعات عديدة أخرى تجتذب عددا كبيرا من الصناع والمهندسين وغيرهم ، وتنقص نحو خمسة ملايين من الجنيهات فى قيمة واردات أخرى .

ولن أحاول بطبيعة الحال الحديث عن هذه الوسيلة ، فالحديث عنها للاخصائيين . ولكنى أستطيع القول بأن قوى الكهرباء الحالية بالقاهرة والاسكندرية وغيرهما تتيح الفرصة لادارة كثير من الآلات التى تدار الآن باستخدام الفحم فى أعمال السكة الحديدية والمصانع ، فتوفر جزءا منه وكذلك يمكن استخدام المازوت وغيره من الوقود السائل فاستخرج منه فى مصر الآن وفى المستقبل وما يستخرج

فى البلاد القريبة منا . وبهذا توفر كمية أخرى من واردات الفحم يمكن استخدامها في الصناعات التى لا يغنى فيها غير الفحم من أنواع الوقود

التعريفة الجمركية :

لا نستطيع فى هذا المقام إلا أن نشير بكلمة إلى أهمية تنظيم التعريفة الجمركية ، وقد كثر الكلام عنها فى هذه الأيام في مجلسى البرلمان . ففريق يقول بأنه لابد منها لحماية الصناعة القائمة على أسس سليمة من المنافسة الأجنبية حتى لا تقضى عليها واردات الجماعات عالية الكعب فى الصناعة . وهذا الفريق نفسه يستند إلى نفس الأساس للاستعانة بالتعريفة الجمركية فى حماية ما نستحدث هنا من صناعات لها في البلاد ما يضمن نجاحها وتوطيد أسسها إذا ما أحيطت بالحماية المعقولة وهى فى المهد . ويقول فريق آخر إن هذه السياسة تؤدى إلى رفع نفقات العيشة وتعمل حتما على زيادة أعباء جمهور الأمة فتزداد الحال سوءا .

وعرض المسألة بهذا الوضع لا يعين القارئ على إدراك وجه الصواب في غير عناء . فالمقدرة الكلامية والكتابية قد تسعف صاحبها ، ولكنها كثيرا ما تحول دون إيصال الحقيقة إلى المستمعين والقراء . ولهذا فانى سألجأ كعادتى إلى الأرقام .

ومن المعلوم أننا لم نتحرر من قيود التعريفة الجمر كية آخر يناير سنة ١٩٣٠ . فماذا أفادت صناعتنا وما مقدار الأعباء التي احتملها الفرد .

فى سنة ١٩٢٩ كانت قيمة ما استوردنا من المنسوجات القطنية وحدها ستة ملايين وسبعمائة ألف وأحد عشر ألفا من الجنيهات ، وفى سنة ١٩٣٩ بلغت قيمة وارداتنا منها مليونا وسبعمائة ألف وأربعة وتسعين ألفا من الجنيهات . وكانت قيمة الواردات من الزيوت النباتية أربعمائة وأربعة وثمانى ألف جنيه فى السنة الأولى ومائة وسبعة وثمانين ألف فى

السنة الأخيرة . ولا ريب في أن الصناعة المحلية نشطت فى هذين ، وكان لكثرة الانتاج المحلى أثر في خفض مقدار ما كان يستورد من الخارج . أما مقدار ما احتمله الفرد من سكان مصر فى المتوسط من الرسوم الجمركية فكان بين سنتى ١٩٣١ و ١٩٣٩ كما يأتى مقدرا بالمليم :

٧٤٢-٦٩١ -٦٨٣-٧١٣-٨٢١ - ٨٠٤-٨٥٤-٨٣٩-٧٩٠

من هذا يتبين أن أثر الحماية المعقولة لا يمكن أن يكون مرهنا للمستهلك . فإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة التى تدهمها الأرقام ، النتيجة الحتمية لانتشار الصناعة ، وهى ارتفاع أجر الصانع ، نسبيا ، وبالتالى ارتفاع مستوى معيشة الصناع وغيرهم من المتصلين بالصناعة وزيادة مقدرتهم - الشرائية وأثر هذا فى زيادة استهلاك ما ينتجه غيرهم ورواجه وأثر هذا في المنتجين وعمال الانتاج - إذا أضفنا هذا - ثبت أن المخاوف من الحماية المعتدلة مبالغ فيها .

ومع هذا فتنظيم التعريفة الجمركية لا يعنى زيادتها على الوارد وخفضها أو إلغاءها عن الصادر فقط ، بل قد يكون العكس لازما لتنشيط بعض الصناعات المحلية .

فالصوف الخام ومخلفات الحيوان من جلود وعظام وقرون ودم وشحم تصدر إلى الخارج بكميات وافرة وتعود إلينا واردات مصنوعة . فهذه فى رأى يجب أن  تحول التعريفة الجمركية بين خروجها من البلاد بعد أن تمد وسائل تحويلها إلى سلم مصنوعة . ومن أمثلة ما نصدره ونحن في حاجة إليه بذر القطن ، فالمصدرون يجدون من مصلحتهم تصديره ويجدون من يشتريه بأسعار نزيد على ما يعرضه أصحاب معاصر زيت هذا البذر ، فتكون النتيجة أن هؤلاء لا يجدون كفايتهم منه لعاصرهم طول السنة فيضطرون إلى الاشتغال بعض العام لا كله . ولهذا نضطر إلى استيراد مقادير من الزيت اللازم لصناعة الصابون

ولغيرها من الصناعات . فاستخدام التعريفة الجمركية فى تنظيم ما يصدر منها يمكن أن يساعد الصناعة المحلية .

هذا الإجراء يثير بطبيعة الحال بعض الناس . لكنه يحقق مصلحة عامة بزيادة عدد الصناع ورفع مستوي عيش عدد من المصريين ، ويؤدي ، مع الزمن ، إلى تقوية أسس صناعات تمتد حتى تستهلك كل الناتج من بذر القطن ، فلا تكون هناك شكوى جدية من منتج بذر القطن أو ممن يتجر به ومما يحسن خفض رسم استيراده ، القطن الرخيص ، مع أننا ننتج القطن بكميات لا نستهلك منها إلا أقلها . فقد تعرضت صناعة النسيج فى مصر لمنافسة حادة بسبب رخص واردات بعض المنسوجات القطنية . ومع أن هذه المنافسة تجد عضدا من الدول المنافسة بمنح إعانات بقصد القضاء على صناعة بلاد أخرى ، فإن رخص القطن الذى تستخدمه من أقوى أسلحتها . وتمكين صناعة نسج القطن بمصر من استيراد القطن الرخيص ، في حدود ترسم بدقة ، يقويها لحد ما على الصمود للمنافسة . ومنها أيضا خفض رسم استيراد بعض الزيوت اللازمة لصناعة الصابون . فزيت بذر القطن وحده لا يكفى لصناعة الصابون الجيد . وإلى أن نستطيع زيادة ما نزرع من شجر الزيتون ، تري أن من صالح الصناعة المحلية تشجيع استيراد مثل هذه الزيوت .

وجملة القول فى تنظيم التعريفة الجمركية أنه عامل عام فى تنشيط الانتاج المحلى ، وأن الحماية المعتدلة لا تضايق المستهلكين بل تساعد على زيادة المقدرة الشرائية بوجه عام ، وهي قد تستلزم تشجيع الاستيراد في حالات كما قد تستلزم تقليل الصادرات في حالات أخرى ، ولابد من مراعاة منتهى الدقة والحذر في وضع التعريفة . ولهذا الأمر رجاله وكل ما يمكن ذكره هنا هو أن الصناعة الجديرة بالحماية هى التى تتوافر لها شروط ثلاثة : الأول أن تكون كل أو جل خاماتها متوفرة فى مصر ، الثانى أن يكون تصريفها

محليا مكفولا . الثالث أن يكون العامل القادر ميسورا . وقد رأينا مما تقدم صناعات كثيرة تتوافر لها هذه الشروط ، وقد يكون هناك ما هو أهم منها يمكن أن يدركه رجال الأعمال

التنافس المتوقع :

في سنة ١٩٣٨ كانت قيم أهم الواردات لنا علي الترتيب الآتى منسوبة للألف من قيمة مجموع وارداتنا : بريطانيا ٢٣٠ فألمانيا ١٠٢ فايطاليا ٨١ فالولايات المتحدة ٦ فبلجيكا ولوكسمبرج ٥٦ ثم فرنسا ٥٣ وسيمضى وقت طويل قبل أن يسترد ما عدا بريطانيا والولايات المتحدة قدرته على الإصدار . فتبقى هاتان الدولتان من أهم عملائنا وسيكون التنافس بينهما بلا ريب ، شديدا لتدعم كل منهما تجارتها مع بلاد الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة ، وأن يحول ما بينهما من روابط الصداقة دون هذه المنافسة . فواجب كل منهما أن تسمى لمصلحتها بالطرق المشروعة . ومن واجبنا نحن أن نرعي مصلحتنا أولا وقبل كل شئ غير مقيدين بأى اعتبار . ومن المحقق انهما أمتان رسخت أقدامهما فى الصناعة . ويجب ألا يكون في حرصنا على دوام صداقتهما ما يسوقنا إلى مجاملة من أى نوع تكون نتيجتها تضحية مصالحنا فى سبيل مصلحة غيرنا . وخير ما نصنعه أن تتوخى الصراحة فى المؤتمرات الدولية وفى الانفاقات الخاصة على السواء . ومن حسن الحظ وأمارات التوفيق أن يكون أولو الأمر فينا متنبهين إلى هذا كل التنبه . وما تشكيل وفد مصر إلى مؤتمر سانفرانسكو إلا دليل من عدة أدلة على اليقظة والاستعداد .

ولست أجد عبارة تبرز مقصدى واضحا جليا خيرا من اقتباس ما نشرته جريدة الأهرام فى يوم ٧ مارس الحالى لخبير أمريكى ولآخر بريطانى ، فيهما إشارة إلى علاقتهما التجارية بنا في المستقبل .

قال مستر جيمس لاندس : (( إن بريطانيا العظمى

والولايات المتحدة قد عملنا على سد النقص الذى حدث فى تجارة منطقة الشرق الأدنى بسبب اختفاء مصادر الواردات سالفة الذكر (يعنى ألمانيا وإيطاليا واليابان وفرنسا) . ونحن فى الوقت الحاضر نمد تلك المنطقة بكميات من البضائع مساوية لما نمدها به بريطانيا العظمى إن لم تكن أكثر منها فى بعض الأحيان . ولكن صادراتنا الآن إلى الشرق الأوسط لا يمكن أن تعد مقياسا لما يمكن أن نصدره إليه (( على شريطة أن لا تقام الحواجز أمام صادراتنا )) .

إلى أن قال :

ويسعى الشرق الأوسط إلى الأخذ بأسباب الصناعة بعد الحرب . فالأقطاب المصريون مثلا ، يدركون أنه لن يتسنى لمصر أن ترفع مستوى معيشتها إذا ظلت معتمدة على الزراعة وحدها . فمن واجبها ان تتحول إلى اقتصاد نصف صناعى . فإذا نجحوا في تحقيق هذه الغاية . فإنهم يزيدون (( بذلك القدرة الشرائية للرجل المتوسط ويضاعفون بذلك

طاقة السوق المصرية )) وفيما عدا الاشراف النقدى لا شىء يمنع التجارة الأمريكية من الوصول إلى سوق الشرق الأوسط . وإذا أردنا أن ننتهز الفرص المتاحة لنا فمن الواجب أن نصطنع سياسة اقتصادية حازمة .

على أن مثل هذه السياسة لا تزال تحتاج إلى مزيد من روح التعاون بين رجال الأعمال والحكومة فى أمريكا . فرجال الأعمال فى البلاد الأخرى (( يتمتعون بتأييد حكوماتهم)) .

وأما الخبير الانجليزى فهو مستر شوماكر ، ويصفونه بأنه خبير عالمى معروف . وما نقلته الأهرام عنه هو بصدد الكلام عن أرصدة الاسترلينى .

ومما قالوا عنه  (( آويؤكد المستر شوماكر أن استيعاب مصر لهذا الفائض ليس فى ذاته كافيا لتصفية مركز بريطانيا

بوصفها دولة مدينة ، وإن كان بعد وسيلة من وسائل توفية الدين . وإن استيعاب الفائض من وارداتنا قد يقترن أولا يقترن بحركة إصدار من مصر إلينا . (( ولكن من المحقق أن أى نهضة عامة في مصر للتقدم الصناعى أو نحوه قد يزيد فى إخلال التوازن أكثر مما يخفف

منه ، وهو الاختلال الذى أحدثته ديون بريطانيا غير المألوفة ، إلا إذا تدبرنا هذه المشكلة وحاولنا علاجها)) .

هذا ما أردت اقتباسه من قولى خبيرين لدولتين صديقتين وهو فى غنى عن كل تعليق . ولكنه جدير بأن نتدبره وننعم فيه النظر ونستحضره دائماً فى تفكيرنا وأقوالنا وأفعالنا .

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية