- ٣ -
أثمن ما تحتاج إليه في مستهل النهضة الصناعية
إن الخبير الأمريكي يعبر في وضوح عن النظرية السليمة عندما يقول إن زيادة القدرة الشرائية للرجل المتوسط في مصر يضاعف طاقة السوق المصرية . وقوله هذا معارضة للنظرية الأخرى السقيمة العتيقة ، وهي الحيلولة بين العميل الضعيف وبين النهوض ليظل دواما معتمدا على عميله القوى . فما هي اولي حاجات مصر لتكون نصف صناعية ولتضاعف طاقة سوقها ؟
لا شك في أن أول ما تحتاج إليه الآلات لتزيد في قدرة إنتاج مصانعها الحالية ولتنشيء صناعات اخرى مما تتوافر خاماتها او جل خاماتها بهذه البلاد مما يستهلك محليا ، ولصنع قطع غيار لهذه الآلات ، فقد كنا نستورد قبيل الحرب من العدد والآلات ما بلغت قيمته في السنة الواحدة مليونين وتسعة وثلاثين الفا من الجنيهات ، عدا ما استوردنا من الحديد ومصنوعاته بمبلغ مليونين وستمائة ألف وستة وعشرين ألفا من الجنيهات ، وهذا وذاك عدا قطع غيار السيارات .
ولدينا الآن مصانع موطدة الاركان للغزل والنساجة ويمكن مضاعفة قدرتها على الانتاج بزيادة الآلات . وتنتشر هذه الصناعة بجميع انحاء البلاد بقوة الإنسان ، وهي بطيئة عظيمة النفقة ، ومن الضروري إحلال قوة الآلات محل القوة البشرية واستخدام الأيدى العاملة التي يقتصدها بهذه الوسيلة لخدمة الآلات فيزيد عمال الغزل والنساجة ولا ينقص
ولدينا مصانع للبلاط وللفخار والطوب الرملى
والاسمنت والجبس والزجاج والورق ، وكلها قابلة للتوسع وتحتاج إلي مزيد من الآلات .
وتستطيع البلاد إنتاج كثير من الفواكه والخضر فرق ما تنتجه الان ويمكن قيام صناعة رابحة من الخضر والفاكهة المحفوظة والمجففة وهذا وغيره بتطلب عددا وآلات إلي أن نتمكن من إنتاج هذه العدد والآلات بإنشاء صناعات استخراج وصنع الحديد والصلب باستخدام ما لدينا من معادن . وهذا كله قد يكون قليلا إلي جانب ما سوف تستورده مصر من الآلات اللازمة لانتشار استخدام الكهرباء كقوة محركة بدلا من البخار وما ينتظر أن يتطلبه مركزها الملائم كل الملاءمة لمحطات الطيران . ولابد من قيام صناعة بها لمد البلاد بقطع الغيار اللازمة وللاصلاح .
وهكذا تري أن قيام الصناعة بمصر يزيد في قدرتها على امتصاص واردات عملائها فتزيد قيمة ما تستورد ، وإذا وفقنا إلى تحويل مصر إلي بلاد نصف صناعية فسوف بعم الرخاء كل الطبقات وتزيد المقدرة الشرائية ويزيد معها طلب ما لا نستطيع صنعه ، وهو كثير ، من هؤلاء العملاء .
ولا بد أن أذكر هنا نوعا من الواردات أغفلناه للآن مع شدة حاجتنا إليه ، واعني به سفن النقل . ويمكن إدراك أهمية سفن النقل إذا علمنا ان مجموع ما افرغته السفن في الموانيء المصرية كان في سنة ١٩٣٨ ستة ملايين وثلاثمائة ألف ومائتين وخمسة وعشرين الف طن ، وبلغ ماشحنته من هذه الموانيء ثلاثة ملايين ومائة ألف و ٥٤ الف طن . وكان عدد القادمين سبعة وتسعين ألفا وثمانمائة وتسعة وسبعين شخصا ، والراحلين مائة ألف وستمائة وتسعة وعشرين شخصا . ولا تملك مصر من هذه السفن إلا نسبة قليلة جدا ومن السهل إدراك ما تجنيه البلاد من ارباح إذا ما استوردت سفن النقل ، فالربح عاجل مكفول لان حركة النقل قائمة بالفعل ، وامتلاك مصر لسفن النقل يجتذب عددا
من المصريين عمالا وبحارة ، ويرتفع تبعا لذلك مستوي العيش لعدد لا بأس به من أهل هذه البلاد .
ولا نعرف الآن على وجه التحقيق هل نقصت أم زادت حمولة السفن في العالم بسبب ما اغرق أو تلف في هذه الحرب القائمة . ولكني اظن ان حركة نقل الجنود والعمال والعتاد الحربي الهائل اقتضت الدول المتحاربة بذل مجهود عظيم في توفير سفن النقل ، وان النشاط التجاري الذي يعقب انهاء الحرب قد يترك لامثالنا ما يشتريه من سفن النقل بعد انهاء الحرب مباشرة .
وسواء صح هذا أو ذاك فلا بد لنا من شراء كفايتنا من سفن النقل على كل حال . فمركز بلادنا وحركة الصادر والوارد يحتمان هذا .
هذا من جهة . ومن جهة اخري فانا نستطيع ، بتنظيم حركة الشحن ، ان نستورد الفحم مثلا بأجور مخفضة أو عائدة إلينا ، فننشيء الصناعات التي لاغني عن استخدام الفحم في صنعها
وهذا النوع من الواردات ينشط حركة التبادل بيننا بين عملائنا من الإنجليز والأميركان . ولكن كيف ندبر المال اللازم لإستيراد كل هذا ؟
مسألة رصيد الأسترلينى
قلنا إن مجموع الأموال الاحتياطية لبعضن ، لا كل . الشركات المساهمة في مصر زاد على ثلاثين مليونا من الجنيهات في سنة ١٩٤٢ ، وهذا عدا ما رحلته من أرباحها وعدا ما في صناديق الادخار بالبريد وبالمصارف ، وهي كثر من مجموع ما تقدم ، وعدا ودائع اثريائنا وبعضها تجاوز المليون في هذه الآيام . لكن ارتباط نقدنا بالاسترليني يحملنا على حصر التبادل لحد كبير جدا مع بلاد كتلة الاسترليني إذا لم يطرأ تبدل علي نظام النقد الحالي أو لم تصل إلي حل يلائم مصلحتنا في مسألة أرصدة الاسترليني
ولا ريب في ان حصر التعامل مع جهة معينة يحد من
حرية الاختبار الملائم لحالنا فيما يتعلق بنوع السلع او جودتها او رخص ثمنها أو شروط الدفع او غير ذلك . فلا بد من حل مسألة الأرصدة التي وصلت من قبل إلي ثلاثمائة مليون من الجنيهات والتي قد تصل إلي خمسمائة مليون عندما تنتهي الحرب كما قيل
وقد لوحظ أن هذه المسألة تثار بتحفظ هنا . ولم ينشر عنها بيان شاف من عهد ان أثارها بهي الدين بركات باشا لأول مرة في مجلس الشيوخ ، وقيل عنها ماقيل عندما آثار مندوبو مصر مسألة تحويل بعض هذه الارصدة في مؤتمر مالي عقد بأمريكا
ويمكن أن يكون فيما أذاعته الأهرام في ٦ و ٧ مارس عن مستر شوما كر الخبير الاقتصادي الشهير كما وصفوه ، ما يدل على اتجاه اصدقائنا الانجليز في هذه المسألة الخطيرة وقد اشرنا من قبل إلي رأيه فيما اقتبسناه عن اهرام ٧ مارس ونشير الآن إلي ما نشر عنه في اليوم السابق .
يري الخبير الاقتصادي العالمي ان الثلاثمائة مليون جنيه استرلينى التي لمصر تعادل قيمة وارداتها من جميع البلاد في ست سنين ، ولكن واردات بريطانيا إليها في خمس وعشرين سنة ، على اعتبار ان اثمان هذه الواردات قد ارتفعت بنسبة خمسين في المائة . ولو استغل ثلثا هذا المبلغ في بريطانيا علي أن يستهلك في خمسة وعشرين سنة - وترك الثلث الباقي رصيدا عاديا - لحصلت مصر علي اثني عشر مليون جنيه ، بحساب الفائدة ثلاثا في المائة
وبإضافة هذا إلى الاقتباس السابق ، وإلى ما نشر من قبل رأيا لأحد كبار الاقتصاديين ، وهو موظف بريطاني في خدمة الحكومة المصرية ، يمكن استنتاج ما يأتي :
أن مبلغ الثلاثمائة مليون جنيه وما يزيد عليها إلي أن تنتهي الحرب الحالية لا تستطيع بريطانيا توفيته بضائع في مدة تتفق مع صالح مصر ، هذا إذا استطاعت تلك البلاد توريد شئ بذكر . فهي مضطرة إلي التوريد للبلاد التي
تستطيع أن تحصل منها على الثمن نقدا لتتمكن من شراء ما تحتاج إليه . وقد قيل إن ما قد تستورده من مصر ربما يضاف ثمنه إلي الأرصدة المذكورة ، وبعبارة وجيزة لن نستورد منها إلا فائض ما تصدر بريطانيا لغير دائنيها امثالنا ولن نستوفي ثمن كل ما تستورده من بلادنا ، وذلك بسبب ما عليها من ديون غير مألوفة
فإذا صح هذا فإن علينا ان نفكر ، من جانبنا ، في معالجة الحالة لاجتناب العراقيل التي تقوم في سبيل نهوضنا الاقتصادي ومن رأيي عدم التورط في اتفاق خاص لان وجهة النظر البريطانية قد ظهرت في مناسبات سابقة غير ما اشرنا إليه . والمسألة تتعلق بحرية التبادل العالمي بلا عائق ، وهو مما يجب أن تبحثه المؤتمرات الدولية
فنحن لا نستطيع العيش بغير قيام صناعات عدة في مصر تتوافر لها الشروط التي ذكرناها . وان تقوم نهضتنا الصناعية التي لابد لنا منها إذا اقتصر تعاملنا مع بريطانيا في الحدود التي المعنا إليها ، ولا تتيسر لنا حرية التجارة مع البلاد الأخرى واموالنا محبوسة في صورة ديون لنا على بريطانيا لا تستطيع هي سدادها بالسرعة التي لابد منها ولا غني عنها للنهوض الصناعي المنشود .
وإذا قيل إن ما لوح به مستر شوما كر وغيره لا يعبر عن اتجاه الحكومة الانجليزية ، وهو فرض بعيد الاحتمال فان ما قيل رسميا من الجانب البريطانى بمناسبة اتفاق تسهيل الاستيراد يدل علي هذا الإتجاه . نعم إن وزير المالية المصرية سجل في مذكرته المؤرخة في ٣ يناير الماضي إلي السفارة البريطانية ان مدة سريان هذا الاتفاق مقصورة على سنة ١٩٤٥ وانه لا يؤثر في حرية الحكومة المصرية في العمل في المستقبل ، كما ان هذا الاتفاق لا يؤثر في حق الحكومة المصرية في الانضمام إلي الاتفاقات الدولية . لكن الجانب البريطاني قال إنه يرجو ويتوقع أن تعاون مصر باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة للقصد في الانفاق خارج الكتلة الاسترلينية .
وقد اشارت اللجنة الفرعية المشكلة من الطرفين ،
ضمنا ، إلى تفضيل الاستيراد من البلاد ذات العملة السهلة ، وهي هنا كتلة الاسترليني ، مادامت لا تزيد عن اسعار البلاد ذات العملة الصعبة بأ كثر من عشرة في المائة . ولما ذكرت المنسوجات ضمن ما يشتري من البلاد ذات العملة الصعبة استثنيت المنسوجات القطنية .
نعم هذا كله حصل لمناسبة عقد اتفاق قاصر على سنة ١٩٤٥ . بيد أنه يدل على الاتجاه العام إلي حد كبير .
العلم والتنظيم
بعد هذا الاستعراض ، نظن أن حاجاتنا ومركزنا وواجبنا قد وضحت . ولكن لا بد من القول بأن النجاح يتوقف على الدراسة العلمية وتنظيم الجهود
المال عصب الصناعة كما يقولون . بيد أن المال يذهب ضياعا إذا لم يكن العلم أساس العمل . فالطريق القويم لا يستبين بغير هدى العلم . ونحن لا نحسن استغلال ما في بلادنا من ثروة ، ولا نوفق إلى تحويل اقتصادنا إلى نصف صناعي إذا توافر المال ولم يسعفنا العلم . فالإتجاه إلى العمل المثمر يقتضي علما . والمضي فيه كما ينبغى يقتضي علما . وإدارة الأعمال وربطها بعضها ببعض لحصول التناسق ومنع التصادم يقتضي علما . وقد كان الارتجال في الماضي الطابع الغالب لتصرفاتنا ، ولهذا تعرضنا لألم الخيبة مرات . فلا بد من الدرس ومن الاسترشاد بالعلم في دراستنا
ومكتب للبحوث لا بد منه للتوجيه والارشاد وتقديم العون الفني لمن يطلبه ولا حاجة بي إلي القول بأن الروتين " الحكومي الذي سرنا عليه للآن لا يغني ، فأعضاء المكتب ينبغي أن يكونوا من العلماء ، نتوخي في اختيارهم صفاتهم الذاتية غير متأثرين بأي اعتبار اخر ، يجب ان يكون الكيميائيون والمهندسون المتخصصون في شتى الفروع ، وعلماء النبات والحيوان ، وعلماء الاقتصاد وغيرهم المكونون لمكتب البحوث نخبة ممتازة بغير نظر إلي جنسيتهم وان تعد لهم وسائل البحث والتجربة بعيدين عن شتى المؤثرات مزودين بما يكفيهم من كل الوجوه .
) للبحث بقية (

