- ٤ - ولا يكفي هذا أول الأمر . بل لا بد أن تراعي في اتفاقنا مع البيوت الصناعية في الخارج ان يصحب الآلات مهندسون وصناع ماهرون يبقون ببلادنا مددا معقولة يمنحون خلالها اجورا حسنة ، يدربون اثناءها مهندسينا وصناعنا على مزاولة كل ما يتعلق بتلك الآلات وبقطع غيارها .
وينبغي أن تتجه بعوثنا العلمية إلي الناحية الصناعية ولا تقتصر على من ترسلهم الحكومة بل تقوم المؤسسات المالية والصناعية بإرسال بعوثها .
بهذه الوسائل وامثالها يمكن ان ينشأ بمصر جيل مزود بسلاح العلم والعمل ، القائم على اسس سليمة فيكون نجاحنا مكفولا .
ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على مكتب البحوث الذي تنشئه الدولة . فقد يكون قيامه بطيئا وعمله عرضة للتعطيل لسبب من الأسباب العديدة الملازمة لما تقوم به الدولة من أعمال . ونحن نتطلع إلى قيام مؤسسات علمية للبحوث الصناعية والمالية تستقبل بمكاتبها الاستشارية كل قاصد ، وتتقاضى عما تشير به اجورا مناسبة ، ويرجع إليها كما يرجع إلي الأطباء والمحامين ، نتطلع إلى هذا ونضع كثيرا من الأمل في جماعة المهندسين واعضاء الجماعات العلمية الأخرى واتحاد خريجي الجامعة . ويمكن ان تكون اللجان التي شكلها مؤتمر المهندسين المجتمع بالاسكندرية منذ عهد قريب نواة لمكاتب البحوث التي أشير بقيامها .
ولست أستطيع ترك هذه النقطة قبل أن أتوجه بدعوة حارة إلى طلبة الجامعة وأساتذتها ليضعوا نصب أعينهم ضرورة تحول بلادهم إلى بلاد نصف صناعية وإلى ان يكون أكبر همهم في حياتهم تحقيق هذه الغاية . فعلى تحقيقها
يتوقف كياننا كأمة تستطيع السير في موكب الأمم الحية . فإذا توجهوا إلى هذه الناحية بمشاعرهم وعقولهم فلن يعجزوا عن إشاعة روح البحث العلمي في مصر . ولن نلبث أن نتوجه بكليتنا إلي العمل على تحقيق هذه الغاية التي لا بد من بلوغها حتى لا نتردي في الهاوية السحيقة في نهاية المنحدر الذي يؤدي إليه توالى هبوط مستوي المعيشة في هذه البلاد .
وإني لأشعر بشيء من الاطمئنان لمجرد تصور تكوين جماعات من خريجي اقسام الميكانيكا والكهرباء والكيمياء والجيولوجيا والمال والاقتصاد وغيرها ، تضع كل منها لنفسها برنامجا محددا تنفذه على مراحل متصلة . فيبحث كل فريق من أعضائها مسألة معينة ويعرض نتائج بحثه على إخوانه ليقروها أو لا يقروها . وإذا ما استوفي الموضوع بحثا وتمحيصا ومراجعة قام بتنفيذه الخريجون انفسهم لمصلحتهم او عرضوه على رجال الاعمال للقيام علي تنفيذه وقبول هؤلاء ، أو رفضهم القيام بتنفيذ ما حضر المتخصصون دليل على دقة البحث وسلامة الاتجاه ، او برهان على عدم الدقة وخطأ الاتجاه
وإذا ما اتجهت الدولة إلى إنشاء مكتب للأبحاث واعتبرته ضرورة كما تعتبر إنشاء البنك الصناعي ضرورة . وإذا استثمر العالم فيما يتصل بالصناعة علمه باعتباره شيئا ذا قيمة مادية ، يطلب كما يطلب ما عند الطبيب وما عند المحامي ويؤجره من يحصل عليه ، وإذا اتجه خريجو اقسام الجامعة بمشاعرهم وعقولهم إلى التحول الاقتصادي الذي لا بد منه - إذا تم هذا - فان نجاحنا في هذا التحول لا بد ان يكون تاما لتوافر جميع أركان النجاح
الانتاج الزراعي :
طبيعي ، وبلادنا زراعية ، ألا نتراخي في العمل علي الاكثار من الانتاج الزراعي بنفس العناية التي نبذلها في سبيل الصناعة ؛ فالغرض الأول من النهوض بالصناعة
رفع مستوي العيش . وقد قلنا إننا لا نطمع في أكثر من إنتاج مصنوعات يستهلكها سكان مصر . ولن تجد المشتري إلا إذا كانت موارد المشتغلين بالزراعة تكفي لشراء ما تنتج الصناعة .
ومما لا ريب فيه ان ماعدا الصحراء من مساحة مصر رقعة ضيقة بالنسبة لعدد السكان . ولكن مما لاريب فيه كذلك اننا للآن لم نحسن الانتفاع بهذه الرقعة الضيقة طبقا للطرق الفنية وعلى أساس اقتصادي . ولن اتعرض هنا للمشروعات التى ترددت كثيرا حول الانتفاع بمياه النيل التي تذهب في البحر ضياعا ، ومنها مشروع وادي الريان وغيره . فقد افاض القوم في هذا وإن كان العمل لا يصحب القول . وأ كتفي هنا بتوجيه النظر إلى نقطتين
فأما الأولى فهي اننا نجد مزارع تأتي بربح وفير إلي جانب ارض ، من نفس التربة ، تكاد تكون جرداء . والفرق بين الحالتين عناية ومقدرة مالية من جهة ، وجهل وعجز مالي من الناحية الأخرى ، وبعض الزراع يطبقون طرق الزراعة الحديثة ويراعون قوانين الاقتصاد في الاستثمار . وإن المرء ليدهش إذ بري مزارع جنا كليس اليانعة المثمرة بابي المطامير وإلى جانبها اراض لغيره تظهر كأنها موات ، والمعدن واحد . ومثل هذا غير قليل
وإذا كانت الغالبية العظمي من الزراع المصريين من طبقة الفقراء ، والجهال ، فإن هناك فريقا كبيرا من كبار الملاك يستطيعون أن يحذوا حذو جنا كليس وأمثاله القليلين . أما صغار الملاك فيمكن ، عن طريق إنشاء جمعيات التعاون وإنشاء اتحادات بها الفنيون الاكفاء ، بهذا وذاك - يمكن الجميع استثمار ارضهم بإتباع الطرق الفنية . ولا تزال حركة التعاون بطيئة محدودة النشاط . والطريق إلى بعث الحياة فيها ، بعد ان عدل قانون التعاون واصبح ملائما ، أن تتخذ إجراءات إدارية لتوسيع نطاقه . ومن الطرق الفعالة أن يتقرر عدم قيام بنك
التسليف الزراعي بصرف شئ من الأسمدة أو البذور أو القروض الزراعية لأي مشتغل بالزراعة إلا إذا كان عضوا في جمعية تعاون زراعية وعن طريقها . لقد قامت الصناعة إلي جانب الزراعة في اراضي جنا كليس . ويمكن ان تقوم في غيرها بالاراضي الرملية المترامية الأطراف في مركز أبي المطامير وغيره .
وأما النقطة الثانية فهي الانتفاع بأراضي الصحراء الشاسعة في زرع انواع من النبات لها قيمة اقتصادية كبيرة ولا تحتاج إلي الماء . ومن أمثلة هذا نبات السيسل ، وخير ما اقدمه للقارئ اقتطاف بعض ما جاء بالتقرير القيم الذي وضعته لجنة التجارة والصناعة سنة ١٩١٧ برياسة صدقي باشا ، جاء في أحد ملاحق التقرير عن السيسل .
- " انه ينمو في البلاد الحارة بلا حاجة إلى معونة الإنسان ومن غير سقي ولاسماد ، مكتفيا باستمداد الرطوبة اللازمة من انداء الصباح ومن غيث السماء في خلال الفصول المطرة ، وهو يزرع على هذه الصفة في جميع انحاء المكسيك ، حيث ينمو في ارض قاحلة مجدبة ولكنها تخرج ٧٥ % من مجموع محصول العالم " .
وبلغ مجموع ما انتجته المكسيك حينذاك مائة وثمانين ألف طن
٢ - " يمكن استخدام اليافه في صناعة خيوط تفضل سائر أنواع الخيوط لعمل أنواع المفارش الخشنة وأمراس المراكب والحبال والدوبارة الخ " .
٣ - " احرز المشتغلون بزراعته بالمكسيك أرباحا طائلة وكانت تلك الزراعة السبب في الرخاء المستفيض الذي نالته بعض ولابات المكسيك التى كانت لا تنتظر غير الشقاء المر والفقر المدقع " .
٤ - " ومع أن زراعته في حد ذاتها تدر أرباحا عظيمة فإنها تتضاعف على وفرتها ، باستغلال فضلاته في استخراج كحول نقي بدرجة ٩٠ . وعملت تجارب كيمياوية تبعث على
الارتياح وتحقق الرجاء بإمكان الانتفاع بفضلات التكرير أي فضلات الفضلات ، لعمل نوع جيد للغاية من رب الورق .
هذا مثل لا يمكن زراعته في الأراضي الجافة الصحراوية بمصر . ويمكن تصور مدى ماتنتجه من زراعة هذا النبات سهل الزرع ، قليل النفقة ، مضمون التصريف ، بغض النظر عن مسألة الانتفاع اقتصاديا بالفضلات وفضلات الفضلات ، ومن الغريب حقا ألا نتوسع في زراعته وعندنا الأرض ولدينا العمال والجو حار يلائمه . لكن هكذا نحن : أرضنا غنية بمواردها ونحن عن استثمارها قاعدون ننظر جزعين إلى الهوة التي نراها في نهاية المنحدر الذي نسير فيه بهبوط مستوي العيش المستمر
ولم أقصد بالإطالة هنا إلا ضرب مثل للتوسع في الزراعة بلا حاجة إلى مشروعات ري او صرف . وهي زراعة تعود بالفائدة المحققة على الزراع والصناع وتفتح بابا للرزق في مصر كما فتحته بالمكسيك .
التجارة :
إن مركز مصر يحتم على أهلها أن يكونوا تجارا . فمن التناقض أن يكون اهلها أبعد من جيرانهم عن الاتجار وجني ارباحه . ولا سبب يمنع اهلها من العمل في التجارة إلا حبس الأموال في العقار وضعف الهمة وضعف الثقة وشيوع الجهل وسبق الأجانب إلي هذا الميدان ، وهم من نعرف من نشاط وتجربة وثروة عقلية والأن وقد ادركنا الخطر ورأيناه فقد آن لنا ان نعمل . قد تثقف عدد لا بأس به من أبنائنا وأصبحوا ملمين بعلوم التجارة والمال ولا ينقصهم إلا الممارسة . وقد نزل بعض ابنائنا إلي الميدان فنجحوا نجاحا يجب ان يكون دافعا للمترددين الخائفين . لم يعد المال عزيزا ولا العلم . فلدينا من هذين ما يكفي للبدء . والذي ينقصنا إنما هو الأقدام ثم الصبر والمثابرة . فإذا بدأنا وصبرنا وثابرنا فلن نلبث حتى نكتسح الميدان إن أرباح تجارة الصادر والوارد والوساطة والمبادلات الداخلية جلها في أيدي الأجانب ، احتكروها بتفوقهم
ويتغلب النفوذ الأجنبي فيما مضي من أيام . أقول هذا لاحقدا عليهم ولاحسدا لهم ، ولكني اقوله لأتساءل : إلى متى نرضي بفتات العيش وهذا الرضا يهوي بنا إلى الحضيض ؟ لا محل للرضا به وقد أصبح أمرنا بيدنا . إن من علامات الحيوية الطموح . والرضا بهذه الحال جمود نهايته الهلاك ، فإذا لم تكن رغبة الإثراء والتمتع بحياة أكرم وعيش أرغد تكفي لدفعنا إلى العمل ، فلنذكر جميعا ان الامر جد وان الدفاع عن كياننا كافة بوجب علينا المبادرة إلى خوض غمار معركة هي لنا معركه حياة أو موت . ولا حياة إلا للعاملين ،
فلنعمل في الزراعة والصناعة والتجارة ولتكن صيحة الميدان : الانتاج . ثم الانتاج . ثم الإنتاج ! ! .
المستقبل المشرق
لا أتردد في إعلان ما أحسه وهو أن المستقبل لنا وهو مشرق . فالذي أوحي إلي بكتابة هذه الكلمة هو الذي أوحي بعقد مؤتمر المهندسين بالاسكندرية وأوحي بمناظرة في الجامعة عن المال والعلم والصناعة اشترك فيها رحال المال والصناعة والعلم . فهذا كله في وقت واحد باعث على التفاؤل . وها إن كثيرا من شركات الاحتكار سيتعاقب قريبا ، انتهاء آجال عقود احتكارها فتؤول إلى الدولة ، وفي هذا ثروة محققة تنتظرنا إذا ما أحسنا الاستعداد لها . وها قد بدأنا نطبق مبادئ توزيع الثروة عن طريق الضرائب ، وبدأنا نفكر في التأمين الاجتماعي . ولا ينقصنا إلا الخطو خطوة أوسع ، لا ريب انها ستكون ، مع ازدياد الثروة العامة ، عاملا له خطره في رفع مستوي العيش ، وهو الغرض الذي نهدف إليه .
فلنعمل لهذا كله حتى نكون امة جديرة بمركز مصر وتاريخها ، وحتى لانتخلف في موكب الحياة . والتطور العالمي المرتقب يوجب العمل السريع على من يريد البقاء والعيش الكريم .
) تم البحث (
