الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 181 الرجوع إلى "الثقافة"

أول ثورة على التربية، في مصر

Share

قلت للمكتبى الذي اعتدت أن أمر عليه حينا بعد حين

- هل عندك من جديد ؟ - نعم عندي تاريخ اليمن لعمارة اليمنى طبع أوربا ، وتمنه مائة وخمسون قرشا

- وماذا غيره ؟ - وعندي رحلة ابن جبير طبع أوربا ايضا ، وثمنها مائة وعشرون قرشا

- ثم ماذا ؟ وعندي كتاب قيم جدا لم يقع في يدي إلا مرة

واحدة منذ احترفت بيع الكتب ، وسيعجبك جدا . - هل هو مما طبع في أوربا أيضا - لا لا، هو أثمن من ذلك ، قد طبع في مصر ،

ولكنه نادر جدا ، وأثمن من كل ما طبع في أوربا . - وما اسمه وما موضوعه ؟ لا أخبرك باسمه ولا بموضوعه حتى تراه

ولا اريكه حتى تنتهي  في هذين الكتابين ونشرب القهوة .

وشربت القهوة ، وشريت الكتابين ، واستنجزته وعده ، فأحضر الكتاب وهو يضحك ، وفتح صفحة من الكتاب ، فإذا فيها " ألف باء " إلي آخر حروف الهجاء ، بالثلث !

شاركته في الضحك ، واستظرفت مزحته ، وآليت أن اثقل مزاحه جدا ، فأجعل من الكتاب موضوعا . فقلت : ما ثمنه ؟

قال : هو أتفه من أن يكون له ثمن وأخذت الكتب وانصرفت

لم يجذبني إلي القراءة تاريخ اليمن ولا رحلة ابن جبير كما استرعي نظري كتاب " ألف باء " .

رأيت في الصفحة الأولى منه : ) " كتاب طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية " بالعناية الخديوية الإسماعيلية أعزها الله ، ومهمة سعادة علي مبارك باشا مدير المدارس الملكية ، والاشغال العمومية ، وسكك الحديد المصرية ، والقناطر الخيرية - للتعليم على مقتضاه في المكاتب الأولية المصرية ( . ثم قريبا من الذيل حديث شريف : " أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم " وفي آخر الصفحة " الطبعة الأولى بمطبعة وادي النيل في القاهرة سنة ١٢٨٥ "

رأيت في أول الكتاب مقدمة بديعة حقا ، مفيدة حقا ، تعد ثورة علي طرق التربية القديمة ، ورسما لخطة جديدة ، كتب في أولها إنها " مقدمة تشتمل على بعض تعريفات تتعلق بأصول طريقة التعليم التي يقتضي أن تجري عليها العمل " وإنها " خطاب من إدارة عموم المدارس المصرية الللكية إلى حضرات الخواجات ) ولعله يريد الخوجات ( ، والمؤديين بالمكاتب الأهلية وسائر المندوبين للتربية الأولية " . وكتب في آخرها " حررها على مبارك باشا " .

هي ثورة تعليمية حدثت من نحو ثمانين عاما ، فقد كتبت كما أسلفت سنة ١٢٨٥ هـ - ١٨٦٨ م .

كانت نظم التعليم قبل ذلك في الكاتب تجري علي انماط القرون الوسطى ، فالطفل يذهب إلى الكتاب ، فيسلم له " سيدنا " او " العريف " لوحا من الصفيح كتب فيه بالحبر : اب ت ث الخ ، ويحفظه : " ١ " لاشي

عليها ، ب واحدة من تحتها ، ت اثنان من فوقها ، ث ثلاثة من فوقها الخ فيكررها الطفل كما يقول " سيدنا " أو " العريف " وهو كاره لذلك كل الكره ، غير فاهم لما يقول ، فإذا لم يحفظ فالعصا على ظهره ، فإذا لم ينجح فرجلاء في " الفلقة " فإذا انتهى من ذلك بعد عناء ، انتقل " سيدنا " إلي خطوة أخري ، فكتب له في اللوح : " أ ألف " ونطقها ألف ألف لام فاء ، " يا " با ألف ، " بو " يا واو الخ

وهي ألغاز لم أفهمها إلا وأنا في سن العشرين ، وتفسيرها أن كلمة ألف تتركب من ألف ولام وفاء ، وكلمه " باء " تتكون من باء وألف ، و "بو" تتكون من باء وواو الخ . وهو نمط عجيب في التعليم ، فإذا انتهى من ذلك كتبت الحروف مشكولة ، و " سيدنا " ينطق والطفل ينطق وراءه كالببغاء

فإذا تم ذلك كله بعد مشقة وعناء تدوم أشهرا ، كتب له سيدنا في اللوح سورة الفاتحة فسورة الناس الخ والطفل يقرأ اللوح ويحفظه ويسمعه ؛ وهكذا يسير في حفظ القران إلي ان يتم حفظه او ينقطع ومن حين إلي حين يعلمه " سيدنا " أن يكتب اللوح بنفسه ، ثم لا التفات إلي شئ من العلوم ، ولا إلي شئ من السلوك ، ولا مراعاة لعقلية الطفل

جاء " علي مبارك " فأراد في هذه المقدمة أن يغير هذا كله ويقرر مبادئ في التربية جديدة يأخذ بها المعلمين ، أجملها في خمس عشرة فقرة .

فقرر أن خير مناهج التربية ما أوصل إلى الغاية من أقرب طريق ، من غير أن يمل الطفل أو يتعبه مع مراعاة قواه العقلية

وأن تكون التربية مؤسسة على استخدام الطفل جميع حواسه ما امكن ، ولذلك يجب ان تقترن كتابته بقراءته .

ويجب تأخير استعمال الحبر والورق في التعليم ، والبدء باستعمال الطباشير والألواح السوداء ، فذلك أوفر وانظف . وأن تكتب أولا الحروف المفردة بالخط الثلث التخين

في لوحات سوداء بالطباشير ويكررها المعلم على التلاميذ فمن تقدم منهم في معرفة ذلك جعلوا عرفاء ثم يوزع المعلم التلاميذ الضعفاء على العرفاء ليعلموهم على اللوحات المختلفة نطق الحروف ثم كتابتها تحت إشراف المعلم ، ولا ينتقل من درس إلي درس حتي يتصوروا الدرس القديم ويتقنوه ويعرفوا نطقه وكتابته .

وبعد ذلك يعلمهم الحروف متصلة بحروف العلة ، فيكتب الياء مع الألف هكذا " يا " وينطق بها " يا " ممدودة وكفي من غير الفلسفة القديمة في النهجية ، ثم يعلمهم الحروف بالعلامات كذلك

فإذا عرفوا الحروف الهجائية انتقلوا إلي الكلمات الصغيرة من حرفين فثلاثة الخ ، ثم الجمل ، ولا يعطي المعلم لهم جملة من غير ان يفهمها لهم .

وقد وضع منهجا لمدة الدراسة وهي ثلاث سنوات : ففي السنة الاولى يتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية واللغة التركية ( وهذا عجيب )، ويحفظ بعض نوادر ونصائح وأمثال وحكم وأعداد الحساب .

وفي الثانية والثالثة يتعلمون قواعد النحو والصرف مع الاستمرار على المطالعة في الكتب ، وحفظ بعض نوادر تركية ، ومواد تاريخية وجغرافية ، وتكميل العمليات الحسابية ، ورسم جميع الأشكال الهندسية ، وفهم بعض خواصها وتعريفاتها .

هذا من حيث التعليم ، أما من حيث التربية ، فوضع لها خططا محكمة ، وجه المعلمين إلي العناية بحسن سلوك التلاميذ ، ومراعاة صحتهم ، فالمعلمون يجب أن يلاحظوا سلوك التلاميذ ونظافتهم ، ويضعوا لذلك (نمراً) كل يوم ، تجمع مع ( نمر) العلوم ، ويرتب التلاميذ بحسبها جميعا ،

ويوضع على كل فصل لوحة كل ستة شهور بأسماء التلاميذ مرتبة حسب متوسط درجاتهم العلمية والخلقية والنظافة

ويجب أن يكون المأمور ( كناظر المدرسة ) ابا رحيما مثالا لحسن السلوك والفضائل والشرف ، للتلاميذ والمعلمين ، وان يفهم " انه القائم في وظيفته مقام الحكومة في تأدية ما يلزم من الواجبات ، والنائب من طرف الأهالي في الرأفة بأولادهم ، ومزاولة احكامهم ، والتحفظ على صحتهم ، فهو مسئول عن هؤلاء الأطفال بين يدي الخالق والخلق "

ثم ذكر أن من أهم ما يجب على المعلمين ، تربية حواس التلاميذ ، فيجب أن يمرنوا حاسة البصر ، بأن يؤتى بالطفل ويؤمر بالوقوف عند شباك مفتوح وينظر ما امامه ،ثم يؤمر بالتحول ، ويكلف وصف ما رأي بالتفصيل ، ومقدار بعده وارتفاعه الخ ، وان تمرن اذنه ، فيعود الطفل - وعيناه مربوطتان - أن يعرف الناس بمجرد سماع أصواتهم ولو غيروها ، وعلى معرفة الأشياء بما ينشأ عنها من رنين وحركات ، وهكذا وضع خطة لتمرين كل حاسة

ونصح بعدم التضييق علي الاطفال ، لميلهم الطبيعي إلي اللعب والحركة ، فينبغي انتهاز فرصة ميلهم الطبيعي وتوجيهه إلي توسيع دائرة معلوماتهم وتحسين سلوكهم .

هذا مجمل الخطة التي اختطها في تقريره ، وسميتها ثورة لبعد الفرق بين ما كان وما أراد ( على مبارك ) ان يكون .

ثم أراد أن يخرج الفكرة إلي العمل ، فوضع أول كتاب فيما أعلم لتعليم القراءة والكتابة والمطالعة على النمط الحديث ؛ فالجزء الأول هو الحروف الهجائية في الخطوط المختلفة ، ثلث وفارسي ونسخ وتوقيع ورقعة ، ثم الحروف متصلة بحروف العلة ، ثم الحروف مضبوطة بالحركات ، ثم كلمات مركبة من حرفين فثلاثة الخ ، ثم كلمات في جسم الانسان ومراحل عمره ، ثم جمل صغيرة ، ثم امثال ومواعظ ونوادر تاريخية ، ثم اشكال

الحرف الكوفي ، وبذلك تم هذا الجزء .

ولم يشأ أن يجعله حروف مطبعة لصعوبتها على التلاميذ ، فعهد إلي أكبر خطاط في مصر ، وهو(مؤنس أفندي) فكتب هذا كله ونوعه بخطه الجميل ، وطبعه على مطبعة الحجر ، وتدرج بذلك من كلمات مشكولة إلى كلمات مشكولة بعض الشكل إلي كلمات غير مشكولة ؛ فإذا جئنا إلي الجزء الثاني رأيناه مجموعا من الحروف ومطبوعا كذلك ، وقد قسمه إلي جملة مجموعات ، سمي كل فصل مسامرة ؛ فالمجموعة الأولى تاريخية اجتماعية ، والثانية في الكون وأجزائه من إنسان وحيوان ونبات ومعادن وهواء ونور ونار وزلازل وماء وبخار وندي وسحاب ومطر وشمس وقمر وكسوف وخسوف . والثالثة في الدين وقواعده وأركانه ، والرابعة في قوانين الصحة . والخامسة في النصائح والمواعظ والأخلاق الإسلامية ، وبهذا يتم الكتاب .

ويذكر في أول الجزء الثاني أنه استعان في أداء هذه الخدمة بقلم السيد صالح مجدي أفندي . والكتاب بجزئيه بصور عقلية القائمين بأمر التعليم في هذا العصر ، ويصور أسلوب الكتاب ومنهج تعبيرهم وتفكيرهم ، والمثل الذي ينشدونه لأبنائهم ، ومقدار ذوقهم في تخير ما يعرضونه على اطفالهم ، وفيه موضع لدراسة دقيقة وافية لمدي تقدمنا الآن ومراحل سيرنا ، وهل هي تساوي ثمانين عاما أو لا تساوي ، وفيه موضع عبرة كيف يتوفر وزير المعارف بجلالة قدره - مع ما عهد إليه من إدارة الأشغال والسكك الحديدية والقناطر الخيرية ، يعاونه اشهر الكتاب في ذلك العصر السيد صالح مجدي - لوضع كتاب في ألف باء للأطفال بعدا في النظر وشعورا بعظم الواجب . فهل تري يا صديقي " المكتبي " أن هذا كله لا يساوي شيئا غير الاستهزاء به والضحك منه ؟

اشترك في نشرتنا البريدية