أذكر أياما مضت كنا فيها نقيم فى الريف . وكان من أسباب اللهو عندنا أن نركب صغار الحمير . كانت الحمير تقضى اليوم ذاهبة إلى الجسور تحمل الطين لكى يأتى فى مرابط البهائم ، فإذا ألقت حملها عادت فارغة . وكان يسرنا أن نركبها وتجرى بنا قافزة تطقطق بحوافرها الأربعة ، وكنا احيانا ننحرف عنها ، فنقع ، ثم نقوم فننفض الغبار عن ملابسنا ضاحكين سالمين . ومضت تلك الأيام ، فإذا بنا نهبط القاهرة ونرى الترام . وكان عند ذلك لا يزال فى أول عهده ، والناس تخشاه ، وتقتدر بحوادثه . فكنا نحاذر فى ركوبه ، كأننا مقدمون على مخاطرة جريئة . ثم اخترعت السيارات ، وأذكر أول مرة ركبت فيها سيارة عامة من ميدان الأوبرا إلى الأهرام ، ولا أزال أذكر كيف عدنا من الرحلة بقلوب ملؤها الكبرياء . لقد كانت السيارة تسير حرة على الطريق لا تتقيد بشريط حديدي ، ولا تعتمد فى سيرها على القوة الغامضة المخيفة التى تسرى فى الأسلاك المعلقة فوق الرؤوس . وهكذا انتقلت بنا المدنية من حال إلى حال ، حتى آل أمرها أخيرا إلى اختراع الطيارات .
كانت للطيارات دعاية عظيمة عند اختراعها ، وتبارت الشعوب فى قطع المسافات الطويلة على متنها ، فهذا (قدرين) الفرنسي يعرض طائرته التى نجح فى السفر عليها من باريس إلى القاهرة . وهذا فلان ، وهذا فلان ، من أمم مختلفة يباهون بأنهم قطعوا على طائراتهم مئات الأميال . ثم هذا فتحى التركى وزميله يحاولان السفر من استامبول إلى القاهرة ، فيخونهما الحظ ، فتتحطم بهما الطيارة فى فلسطين ، ويهتز العالم كله لنكبتهما ، ويرثيهما شاعر النيل بقصيدة عصماء . أحاطت هذه الدعاية بالطائرات حتى استقر فى عقول الناس جميعا - وأنا واحد منهم - أن ركوب الطائرات عمل
من أعمال البطولة تحيط به المخاطر ، ولا يقدم عليه إلا من امتلأت قلوبهم شجاعة واستهانة بالحياة . ولم يكن هذا عجيبا ، فإن الفكر وحده كفيل بأن يدرك ما فى ركوب الطائرة من مخاطر . فإن وقوف المحرك - وهذا شئ قريب الوقوع - أقول إن وقوف المحرك لسبب من الأسباب كفيل بأن يجعل الطائرة تهوى على أم رأسها ، ويكون مصيرها ومصير كل من فيها إلى رحمة الله .
حقا أن السيارات تقف أحيانا ، ولا ندرى السبب فى وقوفها ، فإن أنبوبة البنزين قد تفسد لسبب من الأسباب ، وقد تقف حركة الكهرباء من البطارية لسبب من الأسباب فلا تحدث الشرارة اللازمة لإحراق البنزين ، وقد وقد وقد، مما يطول شرحه ، وتكون النتيجة دائما وقوف السيارة عن السير ، وتحتاج إلى من يدفعها إلى جانب الطريق من المارة الكرام . ولكن مثل هذا إذا حدث للسيارة لم ينشأ عنه ضرر لأحد سوى أن الركاب يعتريهم شئ من الخجل أحيانا ، إذا رأوا الناس ينظرون إليهم باسمين فى شئ من الشماتة . ولكن الخجل أمر هين ، ولا ينشأ منه أذى ، ولا تنكسر منه الأضلاع ، ولا تتحطم منه الرؤوس . وأما وقوف الطائرة فشئ آخر بغير شك . وقد شهدنا الحرب العالمية الأولى ، وكان يهولنا ما نسمعه من ضحايا الطيران ، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية ، فكان المصاب فيها أعظم ، حتى خيل إلينا أن مخاطرة الموت قد أصبحت غرام الأمم المتمدينة .
فتصور با سيدى القارئ حالى وأنا ممتلئ بكل هذه المعانى إذا عرض على بعض أصحابى أن أركب الطائرة فى رحلة قصيرة . نعم قصيرة لمدة لا تزيد على ثلاث ساعات .
ثارت عند ذلك كل الصور التى انطبعت فى ذهني على مدى نيف وثلاثين عاما . وعادت إلى كل ذكريات المخاطر التى قرأت أخبارها ، وسعمت وصف هولها . أأركب الطيارة اليوم ، وقد قضيت كل عمرى على الأرض الصلبة أطمئن إذ أشعر أننى إن وقعت كان وقوعي على سطحها ؟
ومالى والتماس الموت بهذه الطريقة اذا كان ولا بد من الموت ؟ . إن الموت فى ذاته رهيب ، ولكنه حادث لا مفر منه ، وهو حادث فى يوم من الأيام . ولكن شتان بين الموت الذى يأتى كما اعتاد الناس أن يستقبلوه ، وبين ذلك الموت الذى ينحدر إليه الإنسان من فوق السحاب . وماذا يكون لو سقطت الطيارة على جبل ، فتناثرت قطعا بمن فيها ، حتى لا يقف لهم أحد على أثر ؟ لقد كان أجدادنا قدماء المصريين أحكم الحكماء عندما حنطوا أجساد موتاهم ليحفظوها من البلى ، فإن هذا يذهب بشيء كثير من رهبة الموت . أما هذا الموت ( المودرن ) ، فإنه بغير شك فظيع ، يجعل الإنسان يرتعد من فكرة الفناء .
هكذا فكرت فى نفسي ، ولم أتردد فى أن أرفض ما عرضه الأصدقاء ، وامتنعت امتناعا باتا من كل إغراء . قالوا : إننا نصل إلى البلد الذى نقصده فى ساعات . فقلت : إن السفر لذيذ فى ذاته ، فلم نحرم أنفسنا من التمتع مناظر الأرض والبحار ، وتفسير فيها هونا خطوة خطرة ، نتملى بجمال المنظر ، ونستجم فى مدة السفر من عناء التفكير المسقم ؟ وتغلبت فى النهاية . فسافر أصحابى معى على البر والبحر ، فوق سطح الكرة الأرضية القديمة العزيزة ، وتبين لى من خلال رضائهم بالسفر معى أنهم كانوا فى شك وتردد خفى فى قلوبهم . ولكن حدث بعد ذلك ما لم يكن فى الحسبان . فإن أحد الأصدقاء أبى إلا أن يكون خبيثا . فلما أردنا العودة إلى مصر ، وكلنا إليه تدبير السفر ، ولكنا لم نحدد له الطريق ، واكتفينا بأننا قد تناقشنا فى الأمر مناقشة طويلة قبل الذهاب ، فلم نجد محلا لإعادة الكرة بمناقشة مثلها عند العودة . وعاد الصديق فى آخر النهار باسما ، فقال لنا : لقد قضى الأمر ، ولا فرصة لنا فى العودة إلا عن طريق الهواء .
فصحت فى شك من قوله : الهواء ! وحسبت أنه يريد أن يمزح . ولكنه أبرز فى يده أوراقا وهزها قائلا : وهذه هى تذاكر السفر الميمون .
وهكذا رأيت نفسي أمام أمر قد تم ولا محل للمناقشة فيه . أأعدل عن السفر مع أصحابى وأسافر وحدى ؟ أأظهر نفسى أشد الجميع خوفا على حياتى ؟ لئن كنت حريصا على الحياة فانهم جميعا مثلى ، ولا يجعل بى أن أقدر نفسى قدرا أجل من أقدارهم . وأحسست فجأة اننى راض عن قسمتى وأجبت بعد لحظة صممت قصيرة ! : حسنا فعلت يا صديقي .
وجاء اليوم الموعود وذهبنا إلى المطار ، وكانت الطيارة أمامنا كانها الجرادة الكبيرة . هى جرادة بغير شك وإن كانت ستحملنا فى جوفها الواسع . وركبناها وأقفلت أبوابها وشعرنا بها تصعد إلى الهواء .
ما لقلبى لا يخفق خوفا ؟ ونظرت تحتى فرأيت الأرض تبعد عنى شيئا فشيئا . ورأيت المدينة تبعد رويدا رويدا .
ولكن قلبى كان ثابتا ، فلم يختلج فى صدرى ، ولم أشعر بقطرة واحدة من العرق تبلل جبينى . وسألت نفسى : ما يكون لو هبطت هذه الجرادة فجأة من هذا العلو الشاهق ؟ وكانت الأرض تبدو من تحتنا بعيدة ، والأشياء تلوح لنا صغيرة ضئيلة . ونظرت حولى فأحسست أن الجرادة تطير واثقة كل الوثوق بنفسها . ونظرت إلى الجناح وكان إلى يمينى فرأيته يبدو صلبا لا خراعة فيه . فبدأت أنظر إلى الأرض البعيدة وأتملى بمنظرها . وكانت الجبال والرمال تنداح تحت عينى كأنها خريطة كبيرة ، وكان ظل الطائرة يدرج فوقها كأنه نملة بطيئة . هناك فوق الأرض يعيش الناس وينظرون إلى الطائرة تجرى من فوقهم عالية شامخة تقطع السماء أمام أعينهم وتبعد عنهم فى لحظات . هناك هؤلاء المساكين الذين يسيرون فوق الأرض وتغوص أقدامهم فى الرمال ، ويمضى اليوم عليهم فلا يبلغون من السير إلا بضعة أميال . ذلك الجمال المسكين الذى يحدو بعيره ليساعده على قطع القفار فيمر عليه اليوم ويأتى إليه الليل فيقضى فى السفر أسابيع طويلة يعانى فيها
المشقة القاطعة فى سفر كان لا ينبغى له أن يستغرق منه إلا ساعات معدودة .
ألا ما أعظم الإنسان ! لقد استطاع أن يسيطر على الأرض فيضغطها ويقص أبعادها ، ويجعل حياته عليها عريضة . إنه استطاع أن يجعل عمره أضعاف اعمار الأجداد ، لأنه مكن لنفسه أن يتم فى ساعة ما كان يتمه الأوائل فى اسابيع . ونسيت الخطر فلم أفكر فيه ، ونسيت العلو الشاهق الذى يفصل بينى وبين الأرض ، ونسيت كل من حولى وانصرفت إلى تلك الرقعة الممتدة تحت نظرى كأنها الخريطة الواسعة ، وظل الطيارة يدرج عليها بطيئا كاملة .
هناك فى ذلك الركن من شاطئ البحر يمكن أن تقوم مدينة جميلة . ما أبدع ذلك الموضع إذا أقيم فيه مصيف يطل على البحر الصافى الهادئ وتمتد فيه الشواطئ الرملية الصفراء إلى غير نهاية . وهناك فى ذلك الوادى يمكن أن يقام سد لحجز مياه السيول للانتفاع بها فى الرى ؛ وهناك فى تلك البقعة الخضراء مياه قريبة تحت سطح الأرض بغير شك . ألا يكون هناك أمل كبير فى الحياة لو حفرت فى تلك البقعة آبار لاستخراج الماء ؟ إن الذى يركب الطائرة يستطيع بغير شك أن يحسن تخطيط سطح الأرض ، وما اجهل الناس الذين يريدون أن يديروا أمورهم على الأرض وهم واقفون على سطحها !
ما أجدر الساسة أن يركبوا الطائرات ويفتحوا عيونهم على الأرض من فوق السحاب !
وهلت علينا أرض مصر بعد حين من بعيد بمروجها الواسعة . إنها تلمع فى ضوء الشمس بألوانها المختلفة بين صفراء وسوداء وخضراء ودكناء . وها هى ذى قناة السويس التى تمتد فى خط مستقيم ضئيل يشبه أن يكون جدولا صغيرا . أهذه القناة الضيقة هى التى قضى الإنسان نحو قرن من الزمان يتحدث عنها ويتطاحن على حراستها ؟ الا ليت شعرى كيف ينظر لملائكة
إلى الإنسان من أطباق السماء ؟ ألا ما أحقر الإنسان ! إن الإنسان عظيم حين اخترع هذه الطائرة التى تعلو به إلى الفضاء لتعلمه أنه صغير حقير ! .
وسرنا فوق سهول الدلتا البديعة ، والقرى تبدو عليها كأنها بقع داكنة فى بساط من قطيفة خضراء موشاة بالنقوش . أين الإنسان فى هذه السهول الفيحاء ؟ شتان بين بهاء الحقول اليانعة وبين هذه اللطخات الكاحلة التى يقيم فيها من يزرعون هذا النبت الأنيق . أين الإنسان هناك ؟ ما أعلى ما يمكن ان يبلغه البشر من السمو ! وما أسفل ما يمكن أن ينحدر إليه من التفاهة والانحطاط ! وخيل إلى وأنا أنظر إلى تلك الحقول أننى أرى جموعا تموج فى السهول الخضراء ، وأننى أرى بين هذه الجموع أفرادا من العماليق يسوقونهم أمامهم بالسياط لكى يزرعوا وهم مكبلون بالأصفاد ، حتى إذا ما انتهى اليوم إلى مقربه ساقوهم بالسياط إلى تلك الحظائر القذرة ليقضوا فيها الليل البهيم ، وخيل إللى كذلك أن هؤلاء العماليق الذين يسوقون الناس بالسياط يقلبون أعينهم فى جموعهم المزدحمة ، فإذا رأوا فى يد أحدهم ثمرة التقطها من الأرض ورفعها إلى فمه ليذوقها ، انهالوا عليه بالسياط فمزقوا جلده ونزعوا الثمرة من يده ، ودسوها فى جيوبهم .
ثم لاحت بعد حين لأعينا أهرام الجيزة الشهباء . تلك الصروح التى عاشرت الدهن منذ بدأ الإنسان الحياة . لشد ما تغير الإنسان منذ ذلك الوقت الذى كان يقيم فيه تلك الأكياس الهائلة ! ولكن الأهرام باقية قائمة شامخة تشرف على الوادى الذى كان يعج بالبناة . وعدنا بعد تلك اللمحة إلى القاهرة فحلقنا حينا فوقها . هذه هى العاصمة التى نمت على شاطئ النهر العظيم عصرا بعد عصر ، وها هى ذى تقوم فى القرن العشرين كما كانت تقوم في القرن الأول ، عاصمة أجنبية عن الأرض التى تمتد حولها . كانت من قبل مخارن يوسف يؤتى إليها بأمراء البلاد الجائعة لكى تكدس
فيها ، وهى اليوم فى القرن العشرين تشمخ بالعمارات الشاهقة ، وتزخر بالحركة الدائمة ، وتشع بالأضواء الباهرة ، وحولها أرض بهم عليها شعب مسكين يأوى فى بيوت من الطين ، ويخيم عليه ظلام دامس من ظلمة اليأس والجهل .
ألا ما أعظم الإنسان ! ألا ما أصغر الإنسان !
لقد عدت من رحلتى وكأننى قد ولدت مرة أخرى . ولئن قدر لى أن أسافر فى يوم من الأيام ان تكون معايتى سوى هذه الطائرة التى كنت من قبل أفزع من اسمها .

