الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40 الرجوع إلى "الثقافة"

أول ما عبست

Share

كنت في الثالثة من عمرك يا عمر ، أيام جئت هذا البيت الذي تسكنه الآن ، وكنت مرحا تتدفق حيوية كما  أنت ، وكما أدعو الله أن تظل أبدا ، وفي يوم جئت عندك فإذا أنت تلقاني وفي يدك طفلة صغيرة تكبرك . ولكنك كعادتك تأبي أن تعترف لطفل بأي امتياز ، فلا يجمعك والأطفال اجتماع إلا كنت الزعيم المسيطر عليهم سيطرة الضعيف على القوي . لذلك كنت تسحب هذه الطفلة من يدها كأنما اعتمادها كله عليك .

وقلت لك : من هذه ؟ فقلت : " خضراء خضراء ، ألا تعرفينها "   وفي سذاجة الأطفال توهمت أن كل ما تعرفه أنت معروف عند كل الناس ، وأن عالمك المليء باللعب هو العالم الذي يعيش فيه الناس أجمعون . لم تكن تتصور أن هناك عوائم أخري غير هذا العالم الجميل البريء الذي نسبح فيه . ولما قلت لك إنى لا اعرفها نظرت إلي نظرة المستخف بي لجهلي ، وقلت : " هي بنت عم شيم " تريد بذلك " سليما " بستاني حديقتك .

ولقد أصبح " عم شيم " كما كنت تسميه علما عند الأسرة بفضلك ، بل لقد أصبح بطلا للأحاديث ، لأنك جعلت منه بطلا لدنياك الصغيرة . وكان حبك له وإعجابك به معروفين لدى كل من عرفك . ولكم ضحكنا ، ولكم استعدناك حينما كنت تقص علينا الأخبار السياسية التي كنت تستقيها من عم سليم . وكم سمعنا منك العجب عن أنباء حرب الحبشة ؛ فموسليني بطل عظيم لا تكاد تقول إنه عمل شيئا إلا قلت وأنا مثله " أنا كمان موشينى " وأصبحت حرب الحبشة بفضل بستانيك جزءا هاما في حياتك . ما لعبت والأطفال إلا كانوا جميعا هيلاسلاسي

وكنت أنت وحدك موسليني . كل ما كان يقال لك باطل إلا ما قاله عم سليم . وكل إنسان سخط عليه عم سليم فهو أحقر الخلق ، وكل إنسان أحبه فهو سيد الدنيا . وكانت أخبار بستانيك تنال هذا الأثر منك ، لأنها كانت مدعمة بصور " آخر ساعة " و " روز اليوسف " فكانت تبهرك الألوان ، وتدهشك المبالغات والضحكات .

وكان بستانيك مثلك يحب السيطرة على من حوله ويظهر مظهر المحرك لأمور الخدم ، لاخدم المنزل فقط وإنما خدم الحي كله . وكانت قوته الجثمانية أكبر مساعد له على ما ادعي لنفسه من سلطان . وانسجمت أنت وهذا البستاني انسجاما لم يفلح فيه ترغيب ولا تهديد واضطرت أمك أن تعترف بهذه الصلة واكتفت بأن تراقبها وتحد منها ما استطاعت .

وهذه خضراء بنت بطلك الذي تعجب به ، تنال من حبك وعطفك عليها ما كانت تصبو إليه .

كم دخلت على أمك لاهثا تطلب حلوي أو قرشا ، فإذا سئلت : لم ؟ قلت : " لبنت عم شيم " فإذا قيل لك : مالك وما لها ؟ استعطفت عليها قلوب من حولك بوسائلك الكثيرة الناجحة أبدا حتى يذعنوا لك .

وإني لا ذكر يوما فاجأتني فيه بقولك : إن العيون الخضراء جميلة جدا : فسألتك : ولم ؟ قلت : عم سليم عينه خضراء وكذلك أبنته . هكذا كان أثرهما عليك وعلي عالمك الصغير .

ومرت أشهر وكنت أقضي عندك يوما . وأخبرتني أختي أنك تبرم لأنك لا تجد من تلعب معه ، فأخوتك في مدرستهم و عم سليم في بيته منذ أمس لأن ابنته مريضة . فجلست الأعبك وكان يوما من أجمل لأيام الشتاء في مصر . ونعمت معك بساعات غرقت فيها في عالمك الساذج الظريف . كم بنينا من بيوت وضحكنا لهدمها ، وكم جرينا وراء الكرة وصرخنا في سباقنا إليها . وكم أردت أن أكون

هيلاسلاسي وتكون أنت موسليني لتهزمني ، وكنت أجري أمامك فإذا أنت تنادينى : أن قفى ، فوقفت فقلت ؛ ابعدي من هنا . قلت : " لماذا ؟ " قلت : لأنك تدوسين فوقي " للي " قلت لك : كيف ؟ فقلت لي إن كلبتك " للى " صدمتها السيارة فماتت ودفنتها أنت وعم سليم هنا. وأشرت إلي المكان . قلت لك : ومن أين عرفته ؟ فتحيرت ثم قلت : إنه هنا وكأنما أردت أن تقول : " ولا تعارضيني " . ونظرت إلي وجهك جيدا فلم يكن فيه حزن ولا فرح . كنت تقول ما تقول كأنه شيء عادي . وإن كان أي شعور قد خالجك فهو شعورك بالزهو لأنك لازلت تذكر حادثة مر عليها ثلاثة أيام أو أكثر .

وانقضي اليوم على أحسن ما تحب ودنت ساعة الغروب ، وبدأ شيء من البرودة يسري في الجو . وقلت لك : هيا ياعمر تدخل المنزل ، فأبيت . قلت لك : ألا تخاف من البرد ؟ قلت : ولا يهمني . وكنا نهددك دائما إذا لم تطع امرا بأننا سوف نبيعك إلي اليهودي ونشتري بدلا منك طفلا آخر أجمل وأكثر أدبا . وكنت لازلت تصدق هذا الكلام ، وكثيرا ما كنت تتساءل ساهما : وماذا يفعل بي اليهودي ، فكما نقول لك : يعلمك الطاعة وتصبح عنده واحدا من مئات فلا يلتفت إليك ولا يهتم بك ، وإنما يطعمك أسوأ طعام ويكسوك أخشن كسوة ويجردك من كل ما تنعم به الآن ، لأن هذا لا يكون إلا للأطفال اللذين يطيعون من هم أكبر منهم . فقلت لك : سأنتظرك فان لم تصعد إلي بعد قليل كلمت اليهودي في " التليفون " ليحضر لنا الطفل الآخر ، فنظرت إلي ولم تعبأ .

وأطلت من الشرفة أغريك على الصعود إلي ، وظلت تلعب في الحديقة وتناديني . ثم رضيت أخيرا أن تصعد بشرط أن نلعب الكرة في غرفتك ، فذهبت ألقاك على السلم .

وهناك وجدت أمك تحدث البستاني ، وفي صوتها

رنة الألم والشفقة ، قلت لهما : " ماذا ؟ " قالت : " خضراء مات " . فوجمت وإذا بك تندفع اندفاعك القوى صاعدا الدرج بأسرع ما تستطيع ، ولكنك تقف قبيل نهايته لانك رأيت بستانيك نازلا وحيتته بصوتك العالي الطرب الذي كان صرخة الحياة وسط هذا الجمود الواجم . وحياك في هدوء غير معهود ، فقلت له : " مالك يا عم شيم " . فقال لك وهو حابس بكاءه : " خضراء ماتت " .

إن أنس فلن أنسي يا عمر نظرتك تلك ، وقد كان   الدرج مظلما قليلا ، إلا أن وجهك كان واضحا فيه .    لقد بهت ووقفت وعيناك الزرقاوان حائرتان في ألم وحزن ، ثم سألت في صوت ضعيف كأنه صدي آت من بعيد : ودفتها في التراب زي " للي " ؟ كأنها كنت تستنكر أن يكون الإنسان كالحيوان في الموت ، فقال لك : " ودفناها " وهنا عبست لأول مرة في حياتك عبسة الألم النفساني . ووقفت برهة صامتا وقفة لم تقفها في حياتك من قبل ، برهة خاطفة لم أدر ما كان يدور برأسك الصغير فيها ، ولكنها كم حزت في نفسي . لقد رأيت سحابة قاتمة كأنها الظل الكثيف ، تمر بهذا الوجه الباسم المشرق فكسته لونا باهتا وغيرت من ملامحه . وكنت أناديك لألهيك عما تفكر فيه ، وقد نسيت أنك طفل ، وقد نسيت أنك عمر من بين الأطفال أجمعين . وإذا أنت تقول في سذاجة الأطفال ، وقد بدأ صوتك يعلو ، وبدأ مرحك يطفو فوق هذا الجو الحزين الذي أثقل المكان : " ما تزعلش يا عم شيم ، بكرة تشتري لك بنت تانية من عند اليهودي " .

ومضت أيام قليلة ، فإذا أنت لا تذكر خضراء ، ولا تسأل عنها . وسرعان ما اعتدت أن تكون غير موجودة في لعبك . وجاءك عم سليم يقول لك إنه رزق ولدا ، وإنه أستأذن أمك في أن يسميه عمر ، ففرحت

وطربت ، ولما قابلتني كان أول ما قلت لي : " عم شيم بقى عنده عمر اسمه زي اسمي " . وانتظرت منك أن تذكر خضراء بهذه المناسبة ، فإذا أنت تجري لتلعب ، ولا تذكر شيئا .

لقد كنت تنعم بنعيم طالما ارتفعت بطلبه الدعوات حارة نحو السماء . لقد كنت تنعم بنعيم النسيان .

اشترك في نشرتنا البريدية