الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153الرجوع إلى "الثقافة"

أول مجلة مصرية .

Share

كانت ساعات ممتعة تلك التى قضيتها وأمامى ثمانية مجلدات من أول مجلة عربية علمية أدبية مصرية (١) ، أتصفحها وأقرأ بعض مقالاتها ، وأقارن بين أعدادها .

فمنذ إحدى وسبعين سنة ، فى عهد الخديو إسماعيل كان على باشا مبارك "مدير ديوان عموم المدارس" ، وهذا كان اللقب الذى حل محله فيما بعد ناظر المدارس فناظر المعارف فوزير المعارف .

وكان "رفاعة بك رافع الطهطاوى" ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس" ، وقبل ذلك بسنوات كانت قد نشطت حركة المدارس والمكاتب وفتحها ، وأقبل عليها المتعلمون ، فرأى القائمون بالأمر أن تصدر إدارة المدارس " مجلة " تشد أزر هذه الحركة ، وتعمل على نشر التعليم ! فأنشئوا مجلة أسموها "روضة المدارس المصرية" وقد صدر أول عدد منها يوم السبت ١٥ محرم سنة ١٢٨٧ هجرية ، الموافقة سنة ١٨٧٠ ميلادية ، واختاروا لها رمزا جملة كتب عليها دواة غمست فيها ريشة تستملى منها ، وحولها قوسان من غصون الشجر ، وطبع محت الأسم هذان البيتان فى كل عدد :

تعلم العلم واقرأ         تحز فخار النبوه

فالله قال ليحى          خذ الكتاب بقوه

وتحتمها أنها " تحت نظارة رفاعة بك " أى كما نعبر نحن اليوم "مدير المجلة" وأن " مباشر تحريرها " على فهمى بك ابن رفاعة بك ، أى أنه رئيس تحريرها ؟ وكان على فهمى هذا مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن ،

وجعلوها تظهر كل أسبوعين ، وكانت تخرج فى ١٦ صفحة من حجم الكتاب المتوسط - وجعلوا اشتراكها  ٦ ٧٧ قرشا ، ولعلهم اختاروا هذا الرقم لأنه يساوى " البنتو " وهى عملة مشهورة كانت فى ذلك العصر ؛ ولم يسموا هذا "اشتراكا" كما نسميه نحن ، بل قالوا " ثمن ترتيبها" كذا ، وطبعوها بمطبعة " جرنال وادى النيل " بباب الشعرية .

وافتتحوها بمقال يبين الغرض منها ، فقالوا : " إن جل مرغوب ديوان المدارس المصرية ، اعتمادا على مساعدة العناية الخديوية ، تعميم العلوم وتتميم المعارف ، وانتشار الفنون وإكثار اللطائف ، ومداولتها بين جميع أبناء الوطن ، وتسويتهم فى الورود على مستعذب هذا المشرع الحسن . . بحيث تكون فيها الفوائد متنوعة ، والمسائل المتأصلة والمتفرعة ، أقرب تناولا المطلع المستفيد ، وأسهل مأخذا لمن يعانيها من قريب الفهم والبعيد ، بقلم سهل العبارة ، واضح الاشارة ، وألفاظ فصيحة غير حوشية ولا متجشمة لصعب التراكيب ، ومعان رجيحة تنخرط فى سلك مستحسن الأساليب " .

وقد ذكرت أنها لا تتعرض للسياسة ولا للادارة ، وانه مما سيعينها على أداء غرضها ما أنشئ من دار الكتب بجانبها "تقتطف الأزاهر عن مكانها ، وتلتقط الجواهر من معادنها " - وأن سعادة مدير المدارس (وهو على باشا مبارك) " جعلها ملحوظة بنظر نظارته ، لايندرج فيها شئ إلا باشارنه ، ومنحها الرئاسة التشريفية والادارة العملية " .

ثم قدر القائمون عليها أن ستكون لها أبواب مختلفة ، فجعلوا على كل باب مشرفا يحرر فيه ويراقب ما يأتى منه .

فعلى باشا مبارك عليه وصف البحار العمومية ، وذكر متعلقاتها وأحوالها الكلية والجزئية .

وعبد الله بك فكرى العلوم العربية والفنون الأدبية ، وذكر أساليب العرب فى النظم والنثر .

ومسيو " بروكش " ناظر مدرسة اللسان المصرى القديم عليه مسائل التاريخ القديم والحديث  .

وإسماعيل بك الفلكى الفلكيات .    ومحمد أفندي قدرى ( وهو الذي صار بعد محمد باشا قدرى مؤلف كتب الفقه المشهورة ) فيه الحغرافية والأخلاق والعوائد والمعاملات والاعتقادات .

ومحمد أفندى بدر علم الأبدان .     ومحمد أفندى ندا النبات .     والشيخ عثمان مدوخ ( وكان سورى الأصل ) عليه غرائب النوادر والفكاهات والمضحكات والألغار .

وعلى فهمى رفاعة رئيس التحرير عليه الكلام فى تخطيط مصر القاهرة ومقارنة جديدها بقديمها .

وعلى خوجات المدارس جميعها المشاركة فى تحرير باب العلوم الرياضية .

وخرج العدد الأول كنموذج ، ففيه مقال لعلى باشا مبارك فى إنشاء دار الكتب الخديوية ، فخير عن إيفاد بعثة من عشرة من نجباء التلامذة إلى إيطاليا " لتعلم الإدارة الملكية " ، وذكر أسمائهم ، ثم فائدة جليلة عن سكان أقسام الدنيا ، فقصيدتان فى تهنئة الخديو إسماعيل بالعام الجديد ، إحداهما لصالح مجدى بك ، والأخرى للتلميذ اللبيب أحمد أفندى نظمى ، ثم ملحتان إحداهما فى السريرة الحسنة والسريرة السيئة ، والأخرى فى صاحب هرة ، وبذلك انتهى العدد .

وصدرت تباعا تجرى فيها أقلام الكتاب والعلماء من مصريين ، وأجانب تترجم مقالاتهم إلى اللغة العربية .

وفى العدد الثالث تنبهوا إلى ضرورة فهرس فى أول

العدد يبين المقالات وأصحابها ، وابتكروا طريقة نشر كتب تنشر بالمجلة تباعا ، فيلحق بها ملزمة أو أكثر من كتاب أو أكثر . وكان من المساهمين فى تحريرها بعض علماء الأزهر كالشيخ حسونة النواوى ، والشيخ سليم القلعاوى ، والشيخ حسين المرصفى ؛ ومشهورو الأدباء كصالح بك مجدى وعبدالله بك فكرى وبعض التلاميذ . وتنشر فيها الخطب التى تقال فى حفلات الامتحانات العمومية ، وتقارير إصلاح التعليم ، ومقالات خوجات المدارس فى العلوم الرياضية والطبيعية والكيمياوية الخ .

ومن العدد الثالث زادت صفحاتها إلى ٢٠ ثم ٢٢ ثم ٢٤ .

وحدث فى العام الثانى من حياة المجلة أن قررت وزارة المعارف إعطاء دروس للثقافة العامة تلقى من مشهورى العلماء فى دار العلوم ، يحضرها كل من أراد ، وكانت دار العلوم إذ ذاك فى درب الجماميز .

فالشيخ حسين المرصفى يلقى محاضرتين كل أسبوع فى علوم الأدب ، وإسماعيل بك الفلكى فى علم الفلك ، ومسيو وبدال فن السكك الحديدية باللغة الفرنسية ، وفرانس بك فن الأبنية ، ومسيو بروكش للتاريخ العام ، الخ .

فكان هذا المشروع الجليل مادة صالحة جليلة لتغذية المجلة ، فكان ينشر فيها خلاصة بعض هذه الدروس .

وفى السنة الرابعة من المجلة يخرج العدد السابع فى ١٥ ربيع الثانى سنة ١٢٩٠ لا يحمل اسم رفاعة بك ، إذ كان قد توفاه الله ، فنشرت المجلة ما رثته به الوقائع المصرية ، ويكتفى بذكر " مباشر التحرير " على فهمى رفاعة ، ثم يتحول النص إلى أنها " بحث إدارة ناظر الروضة ومطبوعات المعارف على بك فهمى نجل رفاعة بك " وتضعف بعض الشئ فى عهد الابن ، إذ لم يكن له من

الشخصية العلمية ما للأب ، فيقل ما يرد من الأفلام المشهورة ، ولكن تستمر وتستمر إلى السنة الثامنة ، فيخرج العدد السادس عشر فى آخر شعبان سنة ١٢٩٤ وليس فيه إلا خطب افتتاحية وختامية قبلت فى المدارس والمكاتب الأهلية ؛ ولما بلغت من الضعف إلى هذا الحد أسلمت روحها لخالقها

لقد كانت هذه المجلدات الثمانية معرضا جميلا يمثل للناظر كيف كانت الأقلام تجرى فى هذا العصر ، وبأى أسلوب تكتب ، وبأى عقلية تفكر ، وإلى أى حد بلغ مجهود النوم ونشاطهم العلمى والأدبى ، وما الموضوعات التى كانوا يحبوبها ويتذوقونها ، وكيف كان عقلاء مصر أمثال على مبارك ورفاعة وعبد الله فكرى وصالح مجدى ومحمد قدرى وأمثالهم حركة دائبة لا تعرف الكلل فى تنظيم المدارس والمكاتب وتغذيتها بالكتب تؤلف وتترجم ، وبالحفلات تقام وبالمجدين النابغين بشجمون ويكافئون ، وبالمحاضرات العامة تلقى على الجمهور ، وبهذه المجلة تسجل النشاط وتبعث الشوق

وهى من ناحية أخرى صورة لحالة النظم والنثر فى ذلك العصر يبعث من مرقده ، فيتعلم السير ويتعثر بالسجع وبالاستعارة المتكلفة ، ثم يحاول أن يتحرر من قيوده ، فيقطع فى ذلك شوطا لا بأس به .

والقوم يواجهون المصطلحات العلمية فى العلوم على اختلافها ، ويكلفون ترجمة الكتب الأجنبية والمحاضرات التى يلقيها الأساتذة الأوربيون ، فيجدون فى وضع الكلمات العربية التى تقابلها ، أو يستعملون الكلمات الأجنبية مصوغة صوغا يستسيغه اللسان العربى .

ثم هى تقوم بنشر ما يهم المدارس من الأخبار ، فتنشر أسماء النابغين ، وتنشر التقارير الواردة عن طلبة البعثة ، فتنشر أن "عثمان غالب" مثلا من تلاميذ

مونبلييه " أخذ فى أول السنة الأخيرة درجة المسرورية " ، و محمد علوى " محصل فى أول امتحان آخر السنة على درجة مسرورية جيدة زائدة وهو نبيه " .

وتنشر أسماء من تفوقوا واستحقوا مكافآت ونوعها ، وتقتبس من تقارير التعليم والمكتبات فى الممالك الأجنبية ، الخ .

ثم نرى ألفاظا كثيرة فى طور التكون ، كما رأينا فى " درجة المسرورية " و" ثمن ترتيبها " بدل " قيمة اشترا كها " ؛ ومثل ذلك فى مصطلحات العلوم ، وبعض هذه الألفاظ أقر وبعضها عدل .

وعلى الجملة فهذا وأكثر منه موضع لدراسات قيمة فى نواح متعددة .

اشترك في نشرتنا البريدية