الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

أياصوفيا

Share

بنيت اسطنبول علي سبع رابيات مثل زميلتها روما . وتبدو منازلها المغطاة يجملونات الفرمييد الأحمر تتخللها الجوامع الفخمة ذات المآذن الرفيعة ، والقباب الشامخة التي تظهر بخلالها مرتفعة عن جميع الأبنية . وفي الطرف الشرقى المدينة قصر طوب قابو سرايىSarayi Top kopi الذي كان مقر سلاطين آل عثمان من الفتح إلي عهد السلطان عبد المجيد . وإذا أنعمت النظر وجدت بجانبه جامعا ضخما موطد الدعائم وفي أركانه أربع مآذن غليظة لا تشبه المآذن الأخرى التي تلفت النظر برشاقتها وخفتها . ونري قبة مفرطحة فطساء كأنها انخفضت لتختئ وراء الدعائم السائدة وكأنها خجلة من الظهور أمام القباب الإسلامية المندفعة نحو السماء ، قباب المعمار خير الدين والمعمار محمد أنما والمعمار سنان

الشهيرة التي تعتبر آية الفن البيزنطي ومن معجزات فن العمارة . فإذا أزدت أن تعجب بها وتقدرها حتى قدرها فادخلها وتمتع بجمالها الخاص

بنيت أباصوفيا في النصف الأول من القرن السادس ب.م. في عهد الأمبراطور يوستينيانوس ، فقد شبت في زمانه ثورة كاديت تنزرع تاجه عن رأسه لولا امرأته تيودورا التي كان لها موقف لا يزال التاريخ يذكره ، فإن الأمبراطور قرر المحرب هو ووزاؤه ، فوققت امرأته أمامهم وقالت لهم بصوت ملؤه الحزم والعزم : " خير لنا أن نموت في ثيابنا الإمبراطورية القرمزية من أن تهريب ، ثم هرعت إلي طنف القصر وخطبت في الشعب الثائر فأخمدت الثورة بدهائها وسحر جمالها . فلما ثبت يوستينيانوس على العرش أراد أن يمجد الخالق وأن يشكر الحكمة الآلهيةHogia Sophia ببناء أثر فحم يفوق الآثار التي كانت موجودة في زمانه ، فاستحضر من الأناضول المعماريين الشهيرين "أنتميوس دي ترال "و"إيزودوردي ميليه"Aeithenius deTraiie وIsodore de Milct وهما من الذين درسوا على مبادئ العمارات الشرقية كما قال شارل دبلCh Diche العالم في الآثار البيزنعلية . ويتحقق قوله إذا علمنا أن عمل الأقيية والقبات هو من أساليب العمارات الكلدية والسياسانية والسورية .ونحي ذلك يعتبر الفن البيزنعلى فنا شرقيا ، ويمكننا أن نفاخر بهذين المعماريين كما تفاخر بفنولنا الإسلامية

وقد صمها البناء على تخطيط مربع يبلغ طول ضلعه ٧٧ مترا متحها نحو بيت المقدس بالضلع الذي به الشرقية abaide وهي التي تعادل المحراب في الجوامع . ويعلو البناء قبة من أكبر قباب العالم يبلغ طول قطرها ٣١ مترا ، ومحي محمولة على أربعة عقود نصف دائرية ترتكز أطرافها على أربعة أكتاف مربعة . ويحف بها نصف قبة من

جهتين متقابلتين . وقد استحضرت المواد اللازمة للبناء من جميع أقطار الشرق . فيه ثمانية أعمدة ضخمة كل منها من

كتلة واحدة تقع على الجانبين الأيمن والآيسر ، وهي من البريش اللأخضر العتيق وجلبت من افيزوس الواقعة بجنوبي أزمبر ، وبه ثمانية أعمدة أخري تحت نصفي القبة الصغيرين وهي من البورفير الاحمر ، وجلبت من مصر . والجدران مغشاة بالرخام المختلف الألوان والمرمر الذي بتقابل عروقه المجزعة يتكون منها أشكال زخرفية بديعة ، وفي البناء عدا

ذلك كثير من المواد النفيسة التي يتطلبها الفن البيزنطي .

وقد استغرق بناء أياصوفيا خمس سنين ، واحتفل بافتتاحها في يوم ٢٧ ديسمبر سنة ٥٣٧ ب . م . وكان يوما مشهودا ، إذ دعي فيه الملوك والأمراء من مشارق الأرض ومغاربها ، ورجال الدين والحكام وكبار رجال الدولة . وركب الامبراطور عربة الحفلات تجرها سبعة أزواج من الجياد ، ويتقدم العربة الحرس الامبراطوري ويحف بها من الجانبين رجال البلاط . ولما وصل هذا الركب الفاخر نزل الأمبراطور من العربة ودخل أياصوفيا هو ومن معه من المدعوين ، فذهل الحاضرون من عظمة الكنيسة وفخامة أبنيتها وأعجبوا بجمال زخارفها وزهاء ألوانها الطبيعية التي لا تتغير مدي الأزمان ، فهي من أنواع الرخام الملون وأصناف المرمر المعرق وأشكال الفسيفساء التي تتوهج ألوانها لمعانا وتتلألأ قطعها الذهبية ببريق يخطف الأبصار . ولما اتجهت الأنظار إلي القبة الهائلة المحلقة فوق الرؤوس على ارتفاع يبلغ ٥٦ مترا انبهر الحضور ورفعوا رؤوسهم نحو سمت القبة إعجابا . ولما رأي يوستينيانوس ذلك علم أن أمنيته قد تحققت وأن هذا البناء هو أفخر المعابد في زمانه وأجملها ، فخفق قلبه طربا ولمعت عيناه لمعة الظفر والانتصار ، وهرول نحو وسط الكنيسة تحت القبة ورفع ذراعيه إلي السماء وصرخ بأعلي صوته : " شكرا لك يا إلهي فإنك اصطفيتني لبناء بينك المقدس . ويا سليمان قد تفوقت عليك " يريد بهذا القول أن أياصوفيا فاقت معبد سليمان الذي كان يعتبر أفخم أثر في ذلك الزمان

وعندما فتح الاتراك مدينة القسطنطينية سنة ١٤٥٣ دخل السلطان محمد الفائح أباصوفيا ، وكان عمره خمسا وعشرين سنة فنطق بالشهادتين وأمر الحفاظ بقراءة القران الكريم ، فكان لترتيلهم تحت هذه القبة العتيقة ما جعل في النفوس رهبة وخشوعا . ثم صلى بالناس فاعتبرت

أباصوفيا من ذلك اليوم جامعا تقام فيه الشعائر . وقد كان عمله هذا من الحكمة والعقل بمكان . إذ كان سيا في تقديس هذا الآثر ومتع الأيدي من تخريبه . وقد حافظ عليه الأتراك ورمموه عدة مرات حتى بني كما كان إلي يومنا هذا . وقد بني السلطان محمد الفائح مئذنة . وبني السلطان بايزيد الثاني مئذنة اخري . وبني السلطان سليم الثاني مئذنتين سنة ١٥٦٩ . فا كسبت هذه المآذن الأربع الكنيسة

البيزنطية شيئا كثيرا من الرشاقة ، كما قال ديوجين مايار في كتابه " اثينا " وقد اضاف الفن الاسلامي المحراب والمنبر والدكة والشرفة المغطاة بالقفص وهي على يسار المحراب ، وتسمى " هنكار محفلي " أي المكان الذي يصلي فيه السلطان يوم الجمعة وله مدخل من وراء الجامع . وقد علق في صدر الكان في الاركان الأربعة فوق إلاكتاف ست لوحات مستديرة كتب على الأولى منها لفظ الجلالة : " الله " وعلي الثانية اسم النبي " محمد " ثم كتبت على

اللوحات الأربع الآخر أسماء الخلفاء الراشدين : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي . وهذه اللوحات من عمل الخطاط " تكتحي زاده إبراهيم افندي " وقد اتبعت هذه الطريقة في جميع جوامع اسطنبول ، ولكنا نجد الكتابات فيها على الجدران وقد جعلت لها اطارات من نفس المباني ، وقد حجبت الصور الفسيفسائية المسيحية باباصوفيا بطبقة من الجير لمخالفتها للدين الإسلامي

وقد أرادت الحكومة التركية بالاتفاق مع لجنة الآثار إظهار ما بابا صوفيا من الصور الدينية القديمة ، ويدي في العمل منذ أربع سنوات ، وظهر منها إلى الآن صور غاية في الجمال والبهاء . وبذلك زالت صفة الجامع الإسلامية ، وصارت أباصوفيا اثرا من الآثار التي يزورها السياح ورجال الفن . وقد رفعت الأبسطة التي كان المسجد مفروشا بها فظهر جزء، مستطيل الشكل يبلغ طوله نحو ثلاثة امتار

وعرضه مترين تقريبا ، وهو بالقرب من المنبر، مبلط بقطع على اشكال هندسية من أنواع الرخام المختلف الألوان الذي استعمل في الأعمدة وفي كسوة الجدران . ويقال إن الامبراطور جلس على عرشه في هذا المكان يوم الاحتفال بافتاح الكميسة . وقد انزلت اللوحات المستديرة ولم يمكن إخراجها من الأبواب لأن قطر كل منها يبلغ ثمانية أمتار ، وستوضع في متحف خاص مع القطع الاخري التي نزعت

من المسجد ، وقد يتساءل الناس : هل في نية لجنة الآثار هدم المأذن وإزالة الأبنية التي اضافها الاتراك حتى يعود الأثر كما كان ؟ ولكن الحوادث أثبتت خلاف ذلك . فالزلزال الذي حدث منذ سنتين باسطنبول هدم النصف العلوي من المئذنة الجنوبية ، وقد رأيت في صيف هذا العام أنه قد أعيد بناؤها وصارت على حالتها الأصلية . وسألت عن الأعمال التي ستجري في داخل اياصوفيا فتيقنت ان كل

شئ سيبقي على حاله كالمنبر والمحراب وغير ذلك وكنت خشي إزالة الكتابة الجميلة التي في سمت القبة على شكل دائري ، وهي تعتبر من احسن الخطوط وتعد مفخرة من مفاخر فن الخط عند الأتراك ، وهي عبارة عن اية النور الشريفة التي أولها : " الله نور السموات والأرض " . ولكنها ولله الحمد باقية ، وتجد هذه الاية مكتوبة في سمت كثير من قباب الجوامع باسطنبول

فما تقدم تعلم ما وصل إليه فن العمارة البيزنطية ، وكان من نتائجه إلهام معماريي الأتراك بعد الفتح ، فاستنبطوا بعض قواعده وابدعوا فنا جديدا يخالف الفن السلجوفي ، صارت له شخصية بارزة في الفن الإسلامي ، وقد تخلفت منه آثار في جوامع اسطنبول وادرته ، لا تزال إلي اليوم شاهدة علي مجد الفن الإسلامي بفخامتها وجمالها .

اشترك في نشرتنا البريدية