كانت المدافع والبنادق تنطلق وتقذفهم باللهب من كل جهة بين دوى متواصل. وانطلقت من بين الجبال التى قبالتهم قذيفة وطارت فى الفضاء تخترقه بسرعة البرق، ثم هوت على الأرض فكان لسقوطها القوى السريع دوى شديد هز الآفاق هزاً عنيفا. ثم قذيفة أخرى فثالثة فرابعة. . . قذائف لا حصر لها ولا آخر تمر من فوق الرؤوس وتتساقط حولهم. تلك السلسة التى لا تنقطع من نذر الموت والهلاك
لم يكن هؤلاء إلا فصيلة من الجند معها مدفع واحد تصعد به فى سفح جبل شاهق شديد الانحدار، مخيف المنظر. كانت هذه الفصيلة تقتفى أثر ضباطها وسط ركام متراكب من الضباب، مسترشدة ببريق ظبات السيوف فى أيدى الضباط السائرين فى المقدمة
كانوا يتسلقون الجبل القائم أمامهم، بكل ما وسعهم من جهد وبلاء. مستعينين على ذلك بأيديهم وأظفارهم بل وأسنانهم - إذا لم تكفهم فى التسلق أرجلهم. كانوا - وهم يصعدون فى الجبل صخرة صخرة - يؤملون فى فتح الطريق إلى الظفر، إلى النصر المبين. استجمعوا كل قواهم، وشدوا الحبال على أعضادهم، وكونوا من أجسامهم المتراصة المتماسكة كتلة واحدة وتقدموا إلى الأمام صاعدين فى سفح الجبل القائم أمامهم كأنه سد محكم البناء
كان عثمان فى المقدمة. فتلفت حواليه. ورأى هذا المنظر العجيب، ثم شخص ببصره إلى قمة الجبل الذى كانوا لا يزالون يتسلقونه. . . آه. لو وصلنا إلى هذه القمة!. . . لو استطعنا وضع هذا المدفع هنالك!. . .
كان هذا المدفع هو كل شيء لهؤلاء الجنود. كان الأمل الذى تحيا عليه نفوسهم، والجنة التى تحفظ أرواحهم. صرخ عثمان فى رجاله: (أسرعوا!. . .) صوتت الحبال على أعضاد الجند، وخطا المدفع خطوة خفيفة إلى الأمام، كأنه العروس ليلة زفافها تمشى الهوينا من الخفر والحياء
كان عثمان فى المقدمة. يتبع كل خطوة يخطوها إلى الأمام بصيحة من أعماق قلبه قائلا: (أسرعوا!. . .). والآن كانوا يصعدون إلى قمة الجبل وهم يجرون المدفع، منبطحين على الأرض، ملتصقين بالحجارة، يحفرون التراب بأيديهم وأظافرهم، يزحفون تارة ويقعون أخرى، يتأرجحون فى الهواء. قد تقطعت ملابسهم، وتشققت أيديهم، وتقرحت أعضادهم، وتخلعت أظافرهم. ولكنهم سائرون إلى الأمام دائما، لو استطاعوا أن يخطوا عدة خطوات أخرى إلى الأمام لبلغوا قمة الجبل، ولوضعوا المدفع هنالك، وربما كان هذا المدفع إذ ذاك قائد هذه الفرقة الصغيرة من الجند إلى الفوز والظفر!
كان عثمان فى المقدمة، وكان يستطيع الآن أن يشرف على المناظر التى أمامه تماما من مكانه المرتفع. هذه الجبال التى قبالته، وجميع تلك الحصون والمعاقل التى للأعداء. كانت هذه الحصون الصخرية التى تقذفه بالنار واللهب ترى قريبة منه جدا، وكان يخيل لعثمان إنه لو مد يديه لاستطاع أن يقبض على هذه الحصون وتلك المعاقل بيديه القويتين ويضعها إلى صدره القوى المتين، فيسحقها سحقا ويذروها فى الهواء. كان العدو قد بصر بهم وجعلهم هدفه، وصوب نحوهم أفواه مدافعه وأخذ يمطرهم وابلا من الصواعق والنيران، ليقضى القضاء الأخير على هذه الشرذمة من الجند الباسل. نظر عثمان إلى أصحابه وتأمل منظرهم فرأى منظرا عجباً. رآهم وقد رفعوا رؤوسهم جميعا إليه كأنهم يحيونه التحية العسكرية. كانت عيونهم متجهة إلى السماء شاخصة كأنها تقول: (إلى الأمام!) . ومرة أخرى قال: (أسرعوا!) ، وخطا المدفع خطوة أخرى. آه. لو خطوا عدة خطوات أخرى مثل هذه الخطوة لبلغوا قمة الجبل. . . وعلى حين غرة سقطت بينهم إلى جانب المدفع قطعة كبيرة
من السحاب، وبعد لحظة انفجرت هذه السحابة وخرج منها بريق خاطف للأبصار، ومضت فترة لم يستطع عثمان أن يتبين شيئا مما حوله، ثم رأى خلال الظلام المخيم عددا من الجند الساقطين على الأرض. فى هذه اللحظة أدرك الحقيقة المرة. وعلم أن العدو - بعد أن نجح فى إصابتهم ومعرفة موقعهم - لا يلبث أن يدك هذا الموقع دكاً
كان الموقف حرجاً والوقت ضيقاً لا يسمح بإضاعة دقيقة واحدة؛ فصرخ فى أصحابه - وهو يلقى على إخوانه المجدلين على الأرض نظرة كلها حزن وألم ورثاء - قائلا: (أسرعوا!)
انبطحوا على الأرض وجروا المدفع. ولكن يد عثمان استرخت وشعر فوق عضده بشيء بارد. فالتفت بسرعة وحل الحبل عن عضده المجروح وتمنطق به، ثم صرخ فى أصحابه يشجعهم ويستحثهم وبذلوا كل ما كان فى طاقتهم أن يبذلوه. وتعلقوا بالأرض وتشبثوا بها. إلا أن عثمان فى هذه المرة سقط على الأرض وصك أذنيه صوت يقول: (انقطع الحبل!. . .)
فهب واقفا. ورأى وهو لا يصدق عينيه المدفع يتدحرج على سفح الجبل بعد أن أفلت من الحبال التى كانت تمسكه كان ذهاب هذا المدفع من أيديهم معناه انقضاء كل شىء بالنسبة إليهم ونذير القضاء عليهم قضاء أخيراً
شفى هذه اللحظة الحرجة ألقى عثمان نفسه على المدفع الذى كان يتدحرج على الصخور وينحدر إلى أسفل الوادي. وتعلق به ولكنه لم يستطع أن يصده ويحول بينه وبين الانحدار فقد كان المدفع ثقيلاً، وكان ثقل المدفع يدفع بجسمه الضعيف أمامه ويجره إلى الوادى العميق المخيف الذى تحته جراً عنيفاً قوياً. فهو تارة فوق المدفع، وتارة تحته، وفى الحالتين ينحدر إلى أسفل الوادى مضطرباً بين الصخور. يجره المدفع إلى حيث الهلاك والدمار. كان عثمان فاقد الوعي، لا يرى شيئا، ولا يعرف شيئا. إلا إنه وهو ينحدر إلى أسفل الوادى بشكل قوى لا مجال لمقاومته - كان يفكر فى شيء واحد: ألا يترك المدفع يفلت
من بين يديه. . . كان شاخص البصر يحدق تارة فى هذه الغيوم التى تكونت من دخان البارود وتلبدت حتى حجبت وجه السماء عن العيون. وتارة أخرى فى منظر هذا الوادى العميق المخيف المحفوف بالأهوال. ومرت فترة وهو كذلك، ثم لم ير شيئاً ولم يسمع شيئاً. فقد سكت كل شيء وانمحى من لوح تفكيره. فلم يعد يشعر بتلك الجبال المشتعلة ناراً ولا يفرق العدو التى كانت تمطره وأصحابه وابلاً من الرصاص. لا شىء. لم يكن يشعر بشيء مما حوله أبداً
أراد أن يتحرك. أراد أن ينفض عن جسمه ونفسه ما استولى عليهما من الاضمحلال والانحلال. أراد أن يمزق هذا الكابوس الجاثم فوق صدره ليتخلص من هذا الضيق. ولكنه لم يستطع الحركة. كان يحس بضيق أنفاسه. ويشعر بأن غمامة سوداء قاتمة تخنقه وتحبس أنفاسه فى صدره. أراد يصرخ فلم يتمكن أيضاً شعر بالوحدة والعدم يستوليان عليه، وأحس كأن نفسه تذوب بين جنبيه. وتفنى وسط هذا العدم اللانهائى الشامل.
ولما أدركه أصحابه وجدوه فى شعب ضيق من شعاب الوادى محصورا بين صخرتين قابضا بكلتا يديه على شيء أمامه. فحاولوا فتح يديه. ولكنهما لم تفتحا وأخيراً استطاع أن يفتح عينيه، فنادوه: (عثمان إنك جريح) فأراد بصره فى أصحابه. وكأنه لا يفهم شيئا مما حوله، ثم نطق - وهو شاخص البصر إلى قمة ذلك الجبل الذى حاول تسلقه فقال: (أين المدفع؟) لم يملك أصحابه حينئذ أنفسهم فتحدرت من عيونهم قطرات الدمع السخينة إن المدفع كان بين يدى عثمان، وكان لا يزال يقبض عليه بكلتا يديه!

