الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 456الرجوع إلى "الرسالة"

أين علقمة وعبيد بين شعراء الجاهليين

Share

أراد الأستاذ عبد المتعال الصعيدي في مقال له عن الشعر  الجاهلي   (بالعدد ٤٥٤ من الرسالة) ، أن يدحض آراء بعض  أدبائنا المعاصرين ممن يشكُّون في نسبة هذا الشعر إلى أصحابه؛ ويزعمون أن بلوغه هذا الحد من الكمال والإتقان مما يخالف  سنّة النشوء والارتقاء

وقد رأى - في صدد ذلك - أن يثبت وجود نوع من  الشعر السقيم المختل الأوزان، يعتدُّه الخطوة أو الخطوات الأولى  التي مهدت السبيل إلى ظهور هذا الشعر القوي الناضج الذي  انتهى إلينا من أدب الجاهليين. ووقع اختياره على عبيد بن الأبرص

كنموذج للشعراء المتخلفين، أو أصحاب الفطر السقيمة  ممن سبقوا بوجودهم أرباب الشعر الرصين، وضرب المثل  في ذلك ببائيته المشهورة - أقفر من أهله ملْحوبُ -  فأورد عدةً من أبياتها ثم قال:   (والحق عندي أن هذه

القصيدة تمثل أولية الشعر العربي خير تمثيل. . . وأن عبيداً  في هذا يمثل بين شعراء عصره حال الشاعر المتخلف، لأنه  لم يتهيأ له من أسباب النهوض ما تهيأ لهم. . .)

وعجيبٌ حقاً أن نهبط بابن الأبرص إلى هذا الدرك الأسفل  من منازل الشعراء، وهو أحد العشرة الذين وقع الإجماع قديماً  على تفضيلهم؛ ولا تعد بائيته هذه عاشرة القصائد المأثورة فحسب؛

بل يضعها بعض النقاَّد بين السبعة الأولى منها، وهي المعروفة  بالمعلقات. ومن هؤلاء ابن قتيبة صاحب كتاب   (الشعر والشعراء) وينفي تهمة التخلف عن عبيد أن جميع شعره - عدا هذه  القصيدة - يجري على الأوزان المعروفة في قوة وجزالة تنهضان به  إلى مصافّ كبار الشعراء من معاصريه؛ فهو القائل في الافتخار  بمكارم خلُقه:

لعمُرك ما يخشى الجليس تفحَّشي ... عليه ولا أنأى على المتودِّد

ولا أبتغي ودَّ امرئ قل خيرهُ ... ولا أنا عن وصْلِ الصديق بأحْيَد

وقد سجل له صاحب   (البيان والتبيين)  قصيدة كريمة اللفظ والمعنى يقول في مطلعها: تلك عِرسي غضبي تريد زِيالي ... ألبَيْنٍ تريد أم لدلال؟ إن يكن طبّك الفراق فلا أح ... فِل أن تعطفي صدور الجِمال ومما أورده له صاحب الأمالي قوله من قصيدة: يا من لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبه ... في عارضٍ كمضيء الصبح لمّاح دان مسفٍّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح وأورد الخطيب التبريزي في كتابه   (شرح القصائد العشرة)

- عند تعرضه لذكر عبيد - أن سعيد بن العاص سأل الحطيئة:  من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: أَفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالضعفِ وقد يخدع الأريب! .  . . فشاعر هذا شأنه، وتلك منزلته عند النقاد والشعراء،  لا ينبغي أن يوصف بالتخلف، أو ينسب إلى الجهل بإقامة الأوزان  على نهجها الصحيح. وإنما الأقرب إلى الصواب - وذلك رأي

خاص نتقدم به - أن تكون هذه البائية إنما جاءت على وزن  أو أوزان هجرتها العرب في أواخر جاهليتها. والأوزان كانت  - وما تزال - في تطور مستمر؛ ونحن لا نستسيغ منها  إلا ما ألفناه وأكثر الشعراء من القول فيه. وإلا فمن منا يستسيغ  هذا الوزن مثلاً، وهي لابن تقي من وشاحي الأندلس:

يا ويح صبٍّ إلى البرقِ له نظرُ ... وفي البكاء مع الورْق له وظرُ أو من منا يستسيغ قول   (المهر بن الفرس)  وهو من شعراء  الموشحات في غرناطة:

لله ما كان من يوم بهيجٍ ... بنهر حْمص على تلك المروج ثم انعطفنا على فم الخليج ... نفض مسك الختام. . . ونعود فنقول: إنه لو كانت بائية عبيد نموذجاً للاختلال كما  وصفت، لكان للقدماء عن اختيارها مندوحة. وفي أشعار عبيد  مما استقام وصحت طريقته ما يغنى عنها ويجزيء، وجميع شعره من  هذا النوع كما ذكرنا. والبيت الوحيد الذي أورده الأستاذ  - من غير القصيدة البائية - وجعله دليلاً جديداً على قصور

الشاعر، هو بيت صحيح الوزن كما سجلته كتب الأدب. وإنما  أخل الأستاذ بوزنه حين حذف   (التفعيلية)  الأولى منه:   (وقالوا)   - ولعل ذلك سهو منه غير مقصود. وصحة البيت نقلاً عن حياة الحيوان للدميري   (باب الذئب) :

(وقالوا) هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعدة هذا عن عبيد. . . أما علقمة الفحل فلا يقل عن صاحبه شأناً؛

وما احتججنا به للأول نحتج به للثاني، ثم نزيد عليه أن قصة  تلقيب علقمة بالفحل - وهي مشهورة متداولة في كتب الأدب -  تعدُّ الدليل الأقوى على تبريزه في الشعر؛ حيث يشيرون فيها إلى  أنه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته   (أم جندب)  وأنشدها

كل منهما لنفسه شعراً، فحكمت لعلقمة على زوجها. حتى قال  امرؤ القيس: ما علقمة بأشعر مني ولكنك له وامق. ثم طلقها  فخلفه عليها علقمة؛ وسمي بذلك   (الفحل) إلى هنا أقف الحديث. . . ولعل الأستاذ الفاضل يهتدي إلى    (الحلقة المفقودة)  من الشعر الجاهلي، في أقوال شعراء آخرين  غير عبيد وعلقمة؛ والله أسأل أن يوفقنا وإياه

" جرجا "

اشترك في نشرتنا البريدية