لقد عرفنا مما تقدم أين موضعنا من عالم اليوم . وليس أمامنا إلا الاعتراف بهذا الواقع المر الآليم ، وعدم المكابرة فيما آلت إليه حالتنا من سقوط لهيبتا ، واستصغار لشأننا . وإن كان يعز علينا الاعتراف بذلك والمجاهرة به خشية الفضيحة والهوان ، فإن المكابرة لا تغير من الحقائق أو تبدل فيها ، بل تزيدنا هوانا على هواننا وفضيحة تضاف إلى سجل فضائحنا الكثيرة ، لأننا نبدو أمام أعيننا وأعين الناس فاقدي الإحساس والتمييز . وتلك مصيبة كبري لا تبتلي بها إلا الشعوب الميتة .
وعلينا إذا أردنا أن نبعد عن أنفسنا هذه الوصمة ونثبت أننا مازلنا أحياء أن ننظر إلي أمرنا نظرة جادة مخلصة لنا للخلاص من الوحدة التي تردينا فيها والخلاص لا يكون إلا إذا كنا نعيش لفكرة ونحيا من أجلها ونحمل لها ونضحي بكل غال ورخيص في سبيلها - كما هي حياة الأقوياء من حولنا في المشرق والمغرب ؛ وأمامنا فكرة الشيوعية ، وفكرة الديموقراطية الغربية ، وفكرة الإسلام فلننظر إلي أقرب هذه الفكر الثلاث ، وأسهلها متناولا . ثم بعد إمعان النظر فيها نتخذها عقيدة نجاهد دونها بالنفس والنفيس ، ونحميها بالدماء والأرواح ، متساندين متكاتفين ، بحيث لا ندع في صفوفنا ثغرة واحدة يتسلل منها الضعف إلينا . إن كل فكرة من الفكر الثلاث - الشيوعية والديموقراطية والإسلام - لها مقوماتها ونتائجها كعقيدة لا يمكن لجوهرها أن يتجزأ . وليس من الأصالة في الرأي أن تأخذ من كل فكرة جزءا لتقيم لنا بناء وثيقا شامخا ؛ ذلك لأن البناء الشامخ الوثيق لا يقوم على مواد متنافرة ليس من طبيعتها التلاؤم والاندماج . وأي بناء يستقيم بالترقيع والتلفيق والتنافر بين أجزائه ؟ . والعقائد لا تصل إلى القلوب ولا تتغلغل في النفوس إذا لم تنتظم الحياة بكل ألوانها في نظامها وتعاليمها ، لتكون حياة الأفراد والجماعات منسجمة في ظواهرها ومظاهرها ودقائقها وجلائلها .
ونحن إذا نظرنا إلي الشيوعية فلا نجد فيها ما يستهوينا أو يغرينا إلى الميل إليها ذلك ؛ لأن قلوبنا وأرواحنا تنبذها نبذها للعار والاثم . ومع ذلك فإنها كفكرة فهي غير واضحة
لأنها فكرة غير عملية . وقد وقف القائمون على تنفيذ تعاليمها موقف العاجز عن التطبيق ؛ وأمام هذا العجز عدلوا عن كثير من تعاليمها إلي تعاليم اخري . وقد أحدث ذلك تذمرا واستياء بالغين في نفوس المحكومين على الحاكمين . وأصبحت الجنة الموعودة جحيما يحترق فيه المؤمنون بالشيوعية قبل الكافرين في الاتحاد السوفيتي نفسه
أما فكرة الديموقراطية ، فهي على ما فيها من خلابة مغرية فقد صحبناها واختبرناها مدة غير قصيرة ، وقد انصرفت نفوسنا عنها وامتلأت قلوبنا حقدا وموجدة عليها ، لأننا وجدناها منافقة تخفي خلابتها المغرية خداعا قتالا في ضعفها وجبروتا وبطشا عند قوتها ، فهي كاذبة فاجرة داعرة لا ضمير لها ولا عهد ولا ذمة ؛ تدعي حب الإنسانية ، وحب المساواة والعدالة ، ولكنها عند اقتضاء ذلك منها لا تضع الناس في ميزان واحد ، وإنما هي ذات موازين مختلفة ؟ فالجنس الأبيض هو الجنس المفضل في منطقها ، وهو الذي يجب أن يسود وان يتحكم أما الأجناس الملونة فهي لا تستحق الحياة إلا إذا كانت مربوطة في عجلتها كما يربط أي حيوان أعجم في المركبات والمحاريث ، ولا عليها بعد ذلك أن تتهم النازية بهذا الخلق في الوقت الذي تصنع فيه صنيع النازية ؛ وفي جنوب إفريقيا يظهر هذا الخلق في أبين مظاهره وأبشعها ، وزنوج أمريكا وهنودها شهود علي مبلغ ما ينالهم من عدالة هذه الديموقراطية وإنسانيتها ؛ وللمرتادين أوربا من الاجناس الملونة قصص وحكايات تدل على مبلغ ما وصلت إليه الإنسانية الديموقراطية من التدني والانحطاط اللذين يبدوان كمظهر من مظاهر الاعتزاز والاستكبار اللذين تمتلئ بهما قلوب البيض الديموقراطيين .
وليست هذه الأعمال أعمالا فردية يقوم بها الأفراد فيسيئون بها إلى سمعة الديموقراطية ، ولكن الديموقراطية تشرع هذه الأعمال في أنظمتها وقوانينها . وهي مطمئنة القلب مرتاحة الضمير ، مقتنعة الشعور بأن ما تأتيه عمل فاضل لا غبار عليه من نقص أو نقيصة ، فالقانون يعاقب الرجل الابيض إذا عامل الهندي معاملة المثل بالمثل ، وقاتل الهندى
الأحمر والزنجي الأسود في أمريكا لا يقع تحت طالة القانون ؛ ولا أبين من إباحة الديموقراطية اغتيال الشعوب ، فإن ذلك لا يحتاج إلى تدليل أو برهان ، بل هو حقيقة ماثلة أمام أعيننا بأبشع ما تمثل به الحقائق الكريهة للعيان ، فلا أظن أن نفوسنا بعد هذا تقبل على فكرة الديموقراطية الغربية راضية مختارة ، وإنا أرغمناها على قبولها فإنما نكون ذنبا في جسم موبوء . وما هي الدواعي أو المغريات التى تحملنا على أن نختار مكان الذنب ونضع أنفسنا فيه مرغمين ؟ .
لقد كنا رءوسا وأقمنا حضارة ، وإن لنا تراثا ، وليس في طبعنا استعداء أو تواكل ولاينقصنا الفهم وحسن التقدير ولا نشكو من قلة في العدد ، أو جدب في الأرض أو ضيق في المساحة ، وكل ما تحتاجه الأمم لبناء دولتها موفور بصورة لم تتوفر بمثل ما توفرت لنا .
والديموقراطية كفكرة مجافية لطبائعنا ، لأنها فكرة مادية بحتة لا مجال فيها لروحانية التعرق . فليس فيها تسامح عند القدرة . وليس عندها صفة عند الغنيمة ، وليس لها وفاء بالعهد ، بل ربا تعد كل ذلك من تجديد المحرفين ، وأوهام الجائعين التي تنافي مقتضيات الحياة على وجه الأرض ، وقد نجد الفكرة المادية مجالا أو مرتعا خصيبا تنمو فيه وتثمر إذا كانت في الغرب ؛ ولكنها لا تجد مثل ذلك المجال في الشرق ، لأن الشرق ألف تربية الأديان السياوية وتهذيبها ، ولم يسبق له
في تاريخه الطويل أن بني حياته على الفكر الفلسفية المجردة ، ولم يكن للشرق كيان أو شخصية إلا بالدين ؛ ومن ألف تربية الأديان من العسير عليه أن يتحول إلى تربية لا تلائم طبائع الأشياء فيه ؛ وحينما أنزل إلى كتابه وبعث نبيه لم يغفل تذكير العرب بأن ما يدعوهم إليه إنما هو ملة أبيهم (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل).
فلم يكن الإسلام شيئا جديدا عليهم لم تعرفه آباؤهم وأجدادهم ، وإنما هو شيء عرفه أسلافهم ونادوا به . وقد اتخذ أسلافنا الإسلام عقيدة جاهدوا في سبيلها وعاشوا لها فنجحوا في حياتهم نجاحا باهرا .
لكل ذلك فإن فكرة الإسلام والعودة إليها هي الفكرة الوحيدة التي لا يمكن أن تنقبض نفوسنا منها أو نري في طبعنا جشقا عنها ، وهي فكرة واضحة لأنها عملية قد حققها المخلصون لها وجعلوها شيئا ملموسا فترة طويلة من الزمان .
فهي جديرة منا بنظرة فاحصة وفطنة متعمقة . وأقول نظرة فاحصة وفكرة متعمقة لان الإسلام منى بأناس باعدوا بين الناس وبين ما فيه من إشراق وسماحة . وهو الآن تحت ركام من الأغراض الدنيئة والأفهام السقيمة يجب أن ينفذ منها ليبين واضحا جليا للعقول والأنظار .
(يتبع)

