الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 692الرجوع إلى "الثقافة"

إبادة الجنس وهيئة الأمم المتحدة

Share

إبادة الجنس Oenocide  عبارة وضعها الدكتور رافيل لمكين Dr.Raphael Lemkin- كي تعبر عن نوع من الجرائم البشرية الخطيرة التي بها يقضي على جماعة بأي وسيلة من الوسائل قضاء مبرما من أية ناحية من النواحي الطبيعية أو البيولوجية أو الثقافية ؛ والمنشأ المباشر لهذه الجريمة الحديدة التي عرفتها الأمم منذ القدم حتى احتضتها هيئة الأمم المتحدة حديثا هو أحداث ألمانيا النازية قبل الحرب العالمية الثانية وفي أثنائها ، حيث حاول النازيون بطرقهم المرسومة القضاء على عنصر اليهود ، لأن وجوده يتنافى مع وجود الجنس الآرى ، جنس التأسيس والسيادة في ألمانيا !

ولن أتعرض لمسألة اضطهاد النازية لليهود في ألمانيا . تلك المسألة التي اعتبرت المنشأ المباشر للاهتمام بإبادة الجنس كجريمة معترف بها في الجو الدولي ومعاقب عليها بأقسى العقوبات ؛ ولكني أقول : إنه لما انتهت الحرب العالية الثانية وقعت في أغسطس سنة ١٩٤٥ معاهدة في لندن لمحاكمة كبار مجرمي الحرب ، وقد تحددت المادة السادسة من اللائحة المرففة بالمعاهدة المذكورة أنواع الجرائم التي سيقع مرتكبوها تحت طائلة العقاب من المحكمة العسكرية الدولية المشكلة طبقا لنصوص هذه المعاهدة ، فذكرت هذه المادة ثلاثة أنواع : هي الجرائم التي ترتكب ضد السلام ، والتي ترتكب

ضد الحرب ، وأخيرا تلك التي ترتكب ضد الإنسانية . وقد بينت المادة المذكورة أن الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية هي جرائم القتل والإبادة والنفي والاستبعاد ، بل كل فعل برتكب ضد الأهالي المدنيين المسالمين قبل الحرب أو في أثنائها ، وكذلك أعمال الاضطهاد التي تقع من أجل أسباب سياسية أو عنصرية أو دواع دينية ، ويكون في ارتكاب هذه الأعمال تنفيذ للجرائم التي مختص المحكمة السالفة الذكر بالعقاب عليها ، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الأعمال مخالفة للقوانين الداخلية في البلاد التي وقعت فيها أو غير مخالفة .

وبقيام هئة الأمم المتحدة ، قررت الجمعية العامة لها مطالبة الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط مجرمي الحرب وإرسالهم للمحاكمة في البلاد التي ارتكبوا جرائمهم فيها ، وان تتخذ كافة الإجراءات اللازمة للقبض على من يوجد من هؤلاء المجرمين في بلادهم . وإرسالهم إلى البلاد التي فيها ارتكبوا جرائمهم كي يحاكموا فيها وفق ما تقضي قوانينها . وقد صدر هذا القرار من الجمعية العامة عملاً بتصريح موسكو الصادر في أول نوفمبر سنة ١٩٤٣ الذي وضعه الرئيس روزفلت والمارشال استالين والمستر تشرشل  خاصاً بالفظائع المرتكبة من العدو في الحرب ، والتصريح الذي

أدلت به بعض الحكومات المتحدة في ١٣ يناير و ١٨ ديسمبر سنة ١٩٤٢ لنفس الغرض ، ومع اعتبار قوانين وعادات الحرب المنصوص عليها في اتفاقية لاهاي سنة ١٩٠٧ .

واعتبار تعريف جرائم الحرب والجرائم ضد السلام والخرائم ضد الإنسانية الذي يحتوى عليه ميثاق المحكمة الدولية العسكرية في ٨ أغسطس سنة ١٩٤٥ .

وفي ٢٠ نوفمبر سنة ١٩٤٧ وافقت اللجنة السادسة للجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة على مشروع قرار ، بمقتضاه يعهد إلى لجنة القانون الدولي بمهمة استخلاص مبادئ نورمبرج وتدوينها ، وكذلك بتكليفها فضلا عن ذلك بوضع تقنين عام عن الجرائم التي ترتكب ضد السلام والطمأنينة التى يجب أن تسود العالم .

وكانت مسألة " إبادة الجنس " ثامن مسألة بحثتها هذه اللجنة السادسة ، ووافقت بالإجماع على مشروع قرار أقرته الجمعية العمومية في ١١ ديسمبر سنة ١٩٤٦ جاء فيه :

" إنه طالما اضطهدت جماعات من البشر ، بقصد إبادتها إبادة تامة أو جزئية لأسباب سياسية أو دينية أو جنسية ، وإن إبادة الجنس (أي إنكار حق الوجود بالنسبة لجماعات إنسانية بأسرها) جريمة في نظر القانون الدولى ، تستتبع إنزال الجزاء بمرتكبيها من فاعلين أصليين وشركا ، أفراداً كانوا أو موظفين أو رجال دولة ، بصرف النظر هي البواعث التي تدفعهم إلى ارتكاب الجرائم " .

وقد عهد إلى السكرتارية العامة لهيئة الأمم بمهمة إعداد مشروع اتفاق دولي بشأن جريمة إبادة الجنس لتقديمه للمجلس الاقتصادي والاجتماعي . ولقد استعانت السكرتارية العامة في القيام بمهمتها بآراء ثلاثة من فقهاء القانون الدولى والجنائي ، منهم : الأستاذ دونديو دوقابر.

وقد رئى أن يتوسع في مدلول هذه الجريمة ، حتى تشمل أعمال الاستئصال الثقافي كالتدابير التي تتعمد الحكومات القيام بها للقضاء على ثقافة إحدي الأقليات المتوطنة في أراضيا ، هذا فضلا عن أنها تشمل أعمال الاستئصال المادي والحيوي بوسائل العنف والشدة ، وكذلك رئى أن يتوسع في معني الأقليات التي يهدف الاتفاق إلى حمايتها ، حتى يشمل الأقليات السياسية كما يتناول الأقليات الدينية والجنسية .

وقد تم الاتفاق على إحالة بحث الموضوع على المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، وتعين عليه أن يعد مشروع الاتفاق قبل أول سبتمبر سنة ١٩٤٨ .

ولقد وضع اتفاق " إبادة الجنس " وجاء في دباجته أنه بالنظر في التصريح الذي وضعته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في قرارها المؤرخ بتاريخ ١١ ديسمبر سنة ١٩٤٦ ، يتبين أنها اعتبرت "إبادة الجنس"  جريمة في القانون الدولي مخالفة لروح الأمم المتحدة وأهدافها ، وتقع تحت طائلة العقاب من العالم المتمدن .

ومن حيث إنه تبين أن إبادة الجنسي قد أوقعت خسائر فادحة بالبشرية في جميع فترات التاريخ ، فلكي نخلص الجنس البشري من هذه المحنة الممقوتة المنتشرة في أنحاء الأرض وفقا لما يتطلبه التعاون الدولى ، وبالاقتناع بضرورة هذا التخليص والتحرير ، قررت الأمم المتحدة أنه من الوقت الذي أعلن فيه هذا الاتفاق تخضع جريمة " إبادة الجنس " للأحكام التالية :

وقد وردت هذه الأحكام في تسع عشرة مادة ، جاء في أولاها أن الوفود المجتمعة تؤكد أن " إبادة الجنس " - سواء ارتكبت وقت السلم أو في الحرب - جريمة في القانون الدولي الذي يتعهد بمنعها والعقاب عليها ، وفي الثانية أن إبادة الجنس تعني في هذا الاتفاق أياً من الأفعال الآتية التي ترتكب بنية إفناء جماعة وطنية أو جنسية أو عنصرية أو دينية - سواء أكان الإفناء كليا أم جزئيا ، وتتلخص هذه الأفعال في : قتل أعضاء الجماعة ، وإحداث ضرر جسمى أو فكري جسيم بأعضاء الجماعة ، والتحايل لإحداث الإبادة الطبيعية - كليا أو جزئيا - عن طريق الإضرار بأحوال الجماعة المعيشية ، ووضع القيود بقصد منع التناسل بين أعضاء الجماعة ، وتحويل أو نقل أطفال الجماعة بالقوة إلى جماعة اخرى . وقالت المادة الثانية : إنه يعاقب علي إبادة الجنس والتآمر لارتكاب إبادة الجنس ، والتحريض العام والمباشر لارتكاب إبادة الجنس ، والاشتراك في إبادة الجنس . وقالت الرابعة : إن الأشخاص الذين يرتكبون إبادة الجنس أو أياً من الأفعال المنصوص عليها في المادة الثالثة يعاقبون ، مهما كانوا من الناحية الدستورية معتبرين حكاما مسئولين أو موظفين عموميين أو أفرادا عاديين .

وذهبت المادة الخامسة إلى أن الوفود المجتمعة تتعهد بأن تضع - على حسب ما تقضي به دساتيرهم المعمول بها - التشريع اللازم لإكساب تقريرات هذا الاتفاق القوة اللازمة ، ولوضع العقوبات الفعالة لمرتكبي إبادة الجنس أو أي من الأفعال التى وردت تحت حصر المادة الثالثة .

ونصت المادة السادسة على أن الأشخاص المتهمين بإبادة الجنس أو بأي عمل من الأعمال المنصوص عليها في المادة ٣ سيحاكمون في محكمة مختصة في الدولة التي وقع في إقليمها الفعل المرتكب أو بواسطة محكمة عقوبات دولية .

وقد نص في المادة العاشرة على أن هذا الاتفاق سيحمل تاريخ ٩ ديسمبر سنة ١٩٤٨ ، وقد خصصت باقي النصوص للإجراءات الشكلية الخاصة بالاتفاق المذكور .

ولقد جاء هذا الاتفاق محققا لرأي الغالبية من الدول ، حيث كانت كلها تنتظر بفارغ الصبر الانتهاء منه والعقاب على جريمته الخطيرة في النطاق الدولي ؛ وليس أدل على ذلك من كلمة  Begum Ikramullahمندوب الباكستان حيث قال : إن إبادة الجنس ارتكبت في خلال الماضي بينما كانت تصدم دائما ضمير الجنس البشري ، ولكن لم حدث شئ للعقاب على هذه الجريمة ، على أن كشوف العلم قد وضعت أسلحة في يد من يرتكبون هذه الجريمة حتى امكن لها أن تكون على درجة كبيرة من الشناعة والقسوة ؛ لذلك فهذا الاتفاقي ضروري والموافقة عليه يقمن ألا تتأخر طويلاً!

وقد أخذ مندوب الصين Dr. Tsien Thl على الاتفاق في مسألة الإبادة من الناحية الثقافية وقال : إن إبادة الجنس من الناحية الثقافية تركت جانباً ، ولكن هذا النوع من إبادة الجنس ربما يكون أسوأ من إبادة الجنس من الناحتين البيولوجية والطبيعية ، فإبادة ثقافة الجنس أقل وضوحاً وجوراً ، بيد أنها أعمق وأعظم امتدادا وأكثر كمونا ؛ وإبادة ثقافة الجنس تذهب إلى أن تفصل شعبا بأسره بكل الوسائل عن ثقافته ، بل تبعد أكثر من ذلك إلى حد جعله بنسي تاريخه وعقيدته بل حتى لغته .

ولكن المادة الثانية نصت على أن (إحداث ضرر جسمى أو فكري جسيم بأعضاء الجماعة) يدخل في الأفعال التي تعنيها "إبادة الجنس" في هذا الاتفاق مما يدخل إبادة

ثقافة الجنس إلي جانب إبادة الجنس المادية والبيولوجية . وقد أبدت مصر نشاطا ملحوظا في اللجنة السادسة حتى ثم اتفاق إبادة الجنس ؛ ويهمنا أن نعرض هنا ما قاله الدكتور وحيد فكري رأفت بك مندوب مصر ، حيث قال :

لقد فعلنا في اللجنة السادسة ما في وسعنا لنبدي إلي الوجود هذا الاختصاص الجنائي الدولي ، بيد أن الغالبية لم تكن تشاركنا وجهة نظرنا لأسباب عدة ؛ ومهما يكن الأمي ، فقد كانت لنا وجهة مؤداها أن هذه المسألة لم تقرر تماماً ، فقد أرجئت لأن واحدا من الحلين اللذين صاحبا الاتفاق الموضوع - كما يعرف الجميع - دعا لجنة القانون الدولي التي انتخب أعضاءها بواسطة الجمعية . لينظروا بعين الاعتبار إلي هذا الحكم الدولي ، وقد تابعنا شعورنا مع عدد من المندوبين الآخرين ؛ بأنه لكي تكون لعقوبة إبادة الجنس الفاعلية والتأثير والقوة اللازمة ، من الضروري لأشد الجناة خطرا أن يقتنع قبل كل شئ بأنه حتى لو استطاع الهرب من محاكة المحكمة الدولية ، فإنه لن يستطيع الهرب من محاكمة أية محكمة دولية تكون عادلة .

اشترك في نشرتنا البريدية