مما يؤاخذ به فريق من ادباء الجيل الصاعد ، زرايتهم بأدبنا القديم ، ونفرتهم من تذوقه وبحثه من خزائن الإغفال والنسيان ، لما يكلفهم من جهد في البحث وإتقان للبيان غير أن العزاء والرجاء في فريق آخر تضلعوا من ادب العرب وأخذوا باللباب من ثقافة الغرب ، وقد عزت عليهم تلك المزراة على ميراثنا العالي ، فهبوا إلي بسطه وجلاته ، ولم يدعو نهزة لرفع الحيف عنه ، وعرض ما اشتمل عليه من طرف باهرة وخواطر ملهمة ، من هؤلاء الشباب الجامعين بين روعة النليه وجدة الحديث ، اديب دمشقي هو الأستاذ صلاح الدين المنجد الذي شغف بالمطالب في آفاق بني العباس ، وشاقه التحدث إلي الناس فيما كان لديهم من أفراح ومباهج فانتزع منها صورا جميلة ، وعرضها عرضا انيقا على طريقة الحوار في فن التمثيل . وقد جمع هذه الصور في باكورة اثاره وسماها " ابليس يغني " ولا تثريب عليه في هذا الاسم ؛ فإبليس زعيم المغنيين وصاحب المعازف والصنوح ؟ وقد غني أبو المفاتن في كتاب المنجد فأعجب وأطرب ، وكان من غناء موضوعان بارعان ، ويظهر في أحدهما إبراهيم الموصلي مبتدع اللحون في حوار له هذب رشيق
مع شيخ يصبو للغناء ، فيفتيه إبراهيم حتى يستنقد مجهوده ، ثم يأخذ الشيخ بالغناء فيشقشق سوته صداحا أخاذا يذهب سامعه الذي كان يهتز طربا وعجبا ؛ ثم يصيران بعد هنيهة إلي جدل عنيف حول الفنون واللحون ، وإذا بالشيخ يختفي فيبحث عنه أهل الدار فلا يقفون له على أثر ، وإذا هو إبليس يغني . . وهكذا يجد القارئ في كتاب المنجد متعة تمثيلية خلع عليها صاحبها من خياله وذوقة ما زاد في بهجتها فحبيها إلي المطالعين ، وجعلهم يعطفون على ابليس . وقد دفع بفنه عن قتال إبليس صفحات القرون التي صرخت وراءه باللمنة والويل من فساده ووسواسه
الكتاب كما قلت تمثيل الأسلوب ، سابق أو ان وجوده في ديار الشام ، إذ ليس فيها فن للتمثيل ولا مسرح أو معهد ، ولقد حظي المصريون بهذه المباهج والطرائف منذ عهد بعيد ، فازدهرا نجدها لدي يوسف وهبي وبهزلها لدي الريحاني وأندارهما . ولكن لم يجد كتاب المنجد مسرحا لتمثيل موضوعاته للنظارة ، فيحسبه غبطة ان تمثل هذه الموضوعات في مسارح الشعور والخيال وملاهي النفوس والأوهام أما لغة الكتاب فنقية حرة يبدو عليها الصقل والإتقان . فللأستاذ صلاح الدين المنجد تهنئة مقدرة لجهده مثنية على هديته
