الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673الرجوع إلى "الثقافة"

إجابة عن سؤال

Share

سألني الأستاذ موسى صالح شرف بالجامعة الأزهرية : " لماذا نرى الذين ذاقوا مرارة الحرمان وعذاب الفقر وألم الشقاء يتربعون على عرووش الصحافة والأدب ويقودون الحركة العلمية ، ثم إن منهم المفكرين العاملين ، والأدباء النابغين ، والقادة العظماء ، والزعماء الوطنيين ، والسياسين المحنكين ، على حين أننا نجد أكثر الأغنياء ومن اوتوا حظهم من الدنيا جهلاء ، فقراء في الأدب ، لا يعرفون شيئا ذا خطر ، بل همهم الاكبر إشباع غرائزهم الجسدية ، ونفع أنفسهم فقط "

والجواب أن ذلك طبيعة كل عصر ، وكل زمان ومكان ، والعلة فيه أن أولاد الفقراء يجربون الحياة أكثر مما يجرب أولاد الأغنياء . فهم لفقرهم وقسوة الزمان عليهم ، يمارسون أعمالا أكثر مما يمارس أولاد الأغنياء من تحضير مأكلهم ومشربهم ومنامهم ، بينما يجرب أولاد الأغنياء تجارب محدودة في شهواتهم وتحصيل لذاتهم .

وأيضا فأولاد الأغنياء يعتمدون على أموال آبائهم أو أمهاتهم فلا يجدون في تحصيل علم ، ولا إدراك معرفة ، لأنهم يعتقدون أنهم إذا فشلوا في العلم فوراءهم مال آبائهم يعتمدون

عليه . أما أولاد الفقراء فلا شئ يعتمدون عليه ، فيجدون إذ أمامهم الحصول على الشهادات ليتوظفوا بها ويكتسبوا من ورائها .

وبجانب ذلك يعيش أولاد الفقراء عيشة فيها خشونة وفيها بؤس ، وكل ذلك يشحد هممهم ، لاستعمال الحيل للخلاص من هذا الشقاء . أما أولاد الأغنياء ، فيعيشون عيشة ناعمة ، لا تحثهم على عمل ، ولا تحملهم على التفكير في الخروج من هذه المآزق .

ومن نعم الله أن جعل الذكاء والجد والمثابرة ديمقراطية لا أرستقراطية . فقد يمنح الفقير من الذكاء ، ما لا يمنحه أولاد الأغنياء . فإذا اجتمع ذكاء الفقير وجده ، كانا أجدى نفعا من ذكاء ابن الغني مع كسله وإهماله .

وأعرف صديقا لي رئيس محكمة وابنه يرسب كل سنة في كليته . بينما ابن حاجبه يكون الأول عليه ، لأن ابن رئيس المحكمة اعتمد على شهرة أبيه وثروة أبيه ، فتكاسل وأهمل ، وابن الحاجب لم يجد شيئا يعتمد عليه ، فاعتمد على نفسه . وشتان بين من يعتمد على مال موفور ، وجاه موروث ، ومن يعتمد على ذكائه الخاص وجده الخاص .

على أن ابن الغني إذا نجح في دراسته لم يصلح للحياة بعد أخذ الشهادة صلاحية ابن الفقير ، لأنه لا يحتمل المكاره ولا يستطيع أن يهين نفسه . أما ابن الفقير فصبور يحتمل الشقاء إذا صادفه . لأنه اعتاده . والفرق بينهما كالفرق بين غصن ناعم من شجرة مزروعة في الحدائق بين جدران أربعة ، وغصن قاس من شجرة قاسية ، قد نبتت في الصحراء واعتمدت على نفسها .

وهناك قلة من أولاد الأغنياء أدرك آباؤهم سوء هذه العاقبة فمرمطوهم وعلموهم احتمال الشدائد ، وكانوا حائزين على فضائل أولاد الفقراء ، ومزايا أولاد الأغنياء . وقليل ماهم .

اشترك في نشرتنا البريدية