] هذه دراسة تحليلية دقيقة لنفسية إنسان عظيم فى ساعة من ساعات اليأس ، التى تعترى كل صاحب رسالة عبقرية . عندما يتأمل جهوده المضيئة ، ثم يرى اثرها الهزيل فى ضمائر الناس ، فيهتز كيانه لقسوة القتل ، ويهم بالنكوص على عقبه [ . م.ع م
كان الزورق الملكى ينحدر مع النيل ، وشراعاه البيضاويان ممدودان ، ومقدمته معقوفة كمنقار الطائر . والذى يراه يخاله كلمة طائرا ضخما ، من تلك الطيور التى يقدسها المصريون ، قد حط على صفحة الماء . بين الجزر الصغيرة التى تكسوها زهور البردى .
ومن مؤخرة الزورق ، فوق العرش المدرج الذى يشرف على الملاحين وعلى الدفة الكبيرة ، كان الفرعون الشاب يرقب الشاطئ حيث النخيل كالمراوح الضخمة ترسل نسماتها إلى موكبه الذى يتهادى على النهر .
فهل يذكر اللحظة التى بدأ فيها هكذا ينساب مع الماء رويدا رويدا ؟ أجل . . إنه يتذكر : لقد خرج من طيبة فى عصر يوم من الأيام ذات الشمس الساطعة تزفه الأعلام وجموع الشعب الهاتفة .
ولقد استطاع أن يرى خلال الجماهير المتراصة الذاهلة كهان المعابد المتملفين يخفون تحت أبوابهم الفضفاضة قلما شديدا وحقدا بالمأ .
وسمع النسوة يهتفن من أعالى البيوت فلم يدر هل هن يدعون بالخير لذلك السابى أم يبكين على الألهة المهجورة ولا يجب ، ففرعون عند ما هجر " المدينة ذات الأبواب المائة كان يهجر أيضا الألهة القديمة تاركا إياها للأيام تفعل بها ما تشاء . إنه لم يرحل فى سبيل أمون ،
أو أوتيس أو حاتحور ، بل كان غرضه استكشاف بقعة عذراء من شاطئ النيل لم تمسها طقوس الديانات الأولى لينشئ فيها مدينة جديدة تنبعث منها سعادة الحياة ، كما تنبعث الأشعة من الشمس ، ومن أجل ذلك اختار لنفسه اسمأ جديدا فى هذا اليوم ، اسم " إخناتون" ومعناه : " الذى به الشمس تبتهج " .
ولقد أشار عليه رجال البلاط . الذين كان يقلقهم الرحيل ، بأن يفرض الدين الجديد فى مدينة طيبة نفسها ، وذلك بطرق ملتوية متعددة ؟ فيغلق المعابد القديمة ، ويطرد الكهان ، ويمحو اسم آمون من على المسلات والجدران لكن الفرعون الشاب كان يعلم جيدا أن الاضطهاد بقوى الإيمان ويحييه . وأن الإهمال وعدم المبالاة هما خير وسيلة للقضاء على العقائد فى النفوس .
وبقوة ومضاء عزم أدار ظهر ،للتراث القديم ، ولم يرد أن يهدم شيئا ؛ ولكنه صمم على أن يشيد فى مكان آخر بين مناظر طبيعية وحى بالحياة الفطرية الساذجة ، مدينة يقيم فيها الدين الحق .
وفى اليوم السادس من رحلته على النهر بان له على الشاطئ الشرق خليج ، من الأرض تكتنفه المرتفعات فرفع يديه إلى السماء وفتحها كأنه يستعد لاستقبال الأشعة الوهاجة القوية ، وقال :
" ها هنا سوف أشيد الدينية . لن أبتعد عن هذا المكان قيد أتملة ، لا غربا ولا شرقا . ها هنا سوف أشيد الدينة وأقيم فيها قصرى ، وأبنى فيها البيوت الكثيرة ، وأنشىء المتنزهات ، وأجمل للشمس مصدر الحياة معبدا يمجدها فيه الناس " .
وأمر إخناتون بنقش هذه العبارة على الأحجار الأربعة عشر التى وضعت منذ ذلك اليوم لتحديد اطراف المدينة المستقبلة .
المدينة ؟ أليست هى تلك التى تمتد من تحته ، وهو الذي يبسط عليها سلطانه ؟ لقد استطاع المهندسون فى سنتين فقط من العمل المتصل أن يشيدوها على الصورة التى كانت
ترتسم فى مخيلة الملك ، وأصبح الفنانون يدعون منذ ذلك الحين فى فن يمتاز بالبساطة والحيوية ويصدق التلوين وأصبح الشعراء ، ينشدون عن مدينة البهجة مع ، مصاحبة أعوادهم :
" إن جمالها يملأ النفس مرحا . إنها كريمة ترتاح إليها القلوب .
وهي إذا نظر الإنسان إليها بدت له فى روعتها قطعة من السماء ؛
لكن الليل كان يزداد حلكة حول الفرعون القلق وهو لا يستطيع من مكانه فى أعلى القصر أن يبصر المعبد الذى أنشأه لتعليم القرون والشعوب دينه القيم . فأغلقت الأسوار التى تحيط به . وقد حفلت جدرانه التى لا عروش لها بالصمت والظلال ، حتى مركزه حيث يقوم المذبح . مذبح الشمس ، الذى يرقى الإنسان إليه بدرجات مستديرة .
أي سحر رجيم قلب هذه البقعة العامرة بالحياة الحارة والضباء إلى بؤرة للفزع والخوف ؟ حتى الأعلام فى أطراف السوارى القائمة على أبواب المعبد ، تبدو فى خفقانها كأنها تختلج من البأس وسط هذا الليل القاسى عليها .
هل هذه الصورة لمحة من لمحات العدم الذى ينتظر المدينة ؟ ماذا ؟ . أكل هذا الصراع فى سبيل تفويض صروح الخراقات والأ كاذيب ، وكل هذا الجهد المضئ فى سبيل إقامة عقيدة جديدة باسمة حية ، يذهبان عبثا ويكونان كسائر قيم الحياة مختومان بطابع الغرور والسأم ؟ . ماذا ؟ ألا يدوم شئ أبدا ويصح تحت هذه الشمس ، هذه الشمس التى هى برغم ذلك أصل كل حياة ؟ . .
لكن إخناتون كان يشعر فى صميم نفسه أن عقيدته هو لا تفتقر إلى " المطلق " مهما بلغت سائر العقائد الأخرى من درجات الغرور والعبث ؛ ألم يعلم شعبه كيف يبتعد عن عبادة شكل الشمس نفسه ، ليتفرغوا لتقديس وحب الحرارة التى تبعثها فى إشعاعاتها ؟ فهو يرى أن فكرة
الإله لا يقابلها سوى عنصر القوة الحيوية التى تنفذ فى كل الكائنات فتحرلها وتنميها .
وقوة الشمس وحدها هى التى يمكن أن يكون لها مثل ذلك الاثر على الحياة فوق الأرض : فهى دون ان تتخذ لها شكلا أو عقلا ، تبعث فى الأشياء حركتها الأولى إنها القوة المحبة . . إنها العلة ، ولذلك أسماها آتون .
ولقد أمر بتشيد المعابد لإلهيه فى سائر أقطار إمبراطوريته من ثم جبال لبنان إلى أقصى أنهار الحبشة ؛ ثم دعا الشعب إلى الإيمان بالدين الجديد إيمانا عقليا مجردا من الطقوس . ونسقت مباني للمعابد بحيث تدعو بنفسها لدين منزه عن الاحتفالات وعن الخرف : فناء واسع لا يعلوه عرش تسطع الشمس الوهاجة على أعمدته المنقوشة وعلى زهوره المعقودة . وعلى المذبح المرتفع نحو السماء كأنه قربان جامع من العباد للاله .
ومادام الإله لاشكل له . فصورته لم تكن تمثل أو نرسم ، ولكن قوته الخيرة يرمز إليها فى زخارف قاعات الاحتفالات يضرب خاص من الأيدى تنبعث من أشعة الشمس ممسكة بـ" العنخ " وهو علامة الحياة الأولى .
وقد أعطى فرعون بنفسه فدوة الحياة البسيطة التى لا تكلف فيها ، فى معيشته كملك ، وفى معيشته كإنسان . فهو يختلط بالشعب فى احتفالاته العامة حيث لا يجد غضاضة فى أن يطوق بذراعه خصر زوجته الملكة نفرتيتى ، التى تصحبه فى هذه الاحتفالات وتقبله كما يقبلها على الفم ، وهو عندما يذهب إلى المعبد لإقامة صلاة الصباح يستطيع كل إنسان أن يراه قائدا حريته وسط الشوارع الملتوية دون تكبر أو تعاظم ، وكان العدو الأكبر للقيود الاجتماعية السخيفة وللتقاليد غير المجدية ، يحث أصحابه على اغتنام السائد الحياة الطليقة الحرة وسط ما أبدعه الإله من الجمال البرىء ، الجمال الذى لا يضر النفس ولا يضر الغير .
ولكن الإنسان قد خلق بحيث يميل إلى عبادة من يريد أن يخلصه من الشرك والأصنام ، والرغبة الدنيئة فى تقديس القوى الخفية فى صور مادية مرئية دفعت شعب النيل منذ
أن هجروا خرافاتهم المعقدة إلى افتقاد نفس هذه الخرافات فى شخص الفرعون الذى يهرهم منه جماله وقوته . سواء كان بين زهور حدائقه كأنه ثمرة لوتس ضخمة تهتز فوق ساقها ، أو كان راكبا عربته كالاله يجرها جوادان متحفزان تزين رأس كل منهما طاقة من الريش الذهبى ، وهما يدلان على أن صاحبهما ليس من طينة هذه الأرض كسائر البشر .
وكان الشعب يقول عنه فى هذه المواقف :
" حقا ، إنه ابن الشمس ؛ انظروا ما أروع محياه ! لسوف يخلد بيننا في صورته تلك البالغة الجمال فلا يموت حتى يبيض ريش الغراب وتهتز الجبال للمسير . . "
وكان الناس يقولون ما هو اكثر من ذلك إغراقا فى الشركة ، وكانوا يريدون أن يتقدموا إلى ملكهم بالقرابين التى لم يعد فى استطاعتهم تقديمها لألهتهم الأولى .
لذلك كله كان إخناتون قلقا يتألم فى هذه الليلة الحزينة فى شرفته التى تهيمن على المدينة النائمة . إنه يشعر بأنه ميت لا محالة دون أن يحقق حلمه الإنسانى الواسع : المدينة ، العقيدة ، السعادة . كل أولئك لا بد أن يصبح عدما من العدم . . وإنه ليخال أن هذا الظلام الذى يطبق على مصر كلها كأنه ثوب حداد ، ما هو إلا صورة رمزية سابقة المصير المحتوم الذى ينتظر هذه الربوع .
وفى أشد درجات بأسه وغثيان نفسه تعلم من الحياة أن الرجل لا يستطيع إصلاح روح غير روحه ، وكل الأفكار الإنسانية الكبرى لم تفسر إلا نفوس أصحابها ؛ فهناك سد منيع بين شخصية الفرد المبدع وبين جمهرة الشعب الجاهل . وإن فرعون قد خير شيئا من هذا القيل : فعندما ثارت عليه المقاطعات البعيدة فى أطراف مملكته طالبه أصحابه وشعبه بالتهيؤ للحرب كى يحمد الثورة . ولكنه صمم على تطبيق مبادئه الإنسانية التى تدعو للسلام وللتأخى ، فرفض كل عمل عسكرى ؛ وبدلا من أن يشن الهجمات على الثوار ، بعث إليهم بفتيان فى
أردية بيضاء يدعون الناس فى أقصى أطراف المعمورة للايمان بدين المحبة والبهجة . فما كان من الثوار إلا أن أساءوا معاملة رسله وعذبوهم عذابا شديدا ، فغضب شعب النيل وطالب فى قوة بتأره .
ونذكر فجأة إخناتون أن بعض العيون قد جاءوا بالأمس فقط من التخوم الأسيوية ينبئونه بهجوم الحيثيين على المقاطعات الخاضعة لمصر . وهذا جلاله فى وضوح أن تلك الرحمة التى كان يحلم ببسطها تحت الشمس لم تكن سوى ضرب من الغرور والعبث . .
فليشق بهذه الحقيقة ، إذا هؤلاء الناس الذين لم يرضوا بالرحمة ؛ أما إخناتون ، فقد صمم وهو فى أعماق يأسه على أن لا يحيا إلا لتحقيق سعادته الخاصة بأقرب الوسائل .
بيد أن هذه الأنانية ، للبجسة من رماد أكرم نفس عرفها تاريخ الإنسانية ، كانت تنفل صدره وتبعث الدموع فى عينيه .
آه ! لو قدر لهذا الليل الفالق أن يتخلص قليلا من ظلماته وأغلاقه . .
وفجأة عادت السكينة إلى تقاسيم وجه الفرعون الساهر ؟ ففى الشرق ، فوق المرتفعات الخيرية الممتدة فى الظلام ، بدأ الليل قليلا قليلا يبهت سواده ، ونظر فرعون بعين الإعجاب والذهول إلى هذا الانقلاب الذى يجدد كل شئ على الأرض .
وبدأت بعض الأضواء تتسابق فى الأفق وتتشكل على أطراف السماء الشفافة . أغمض الرجل عينيه طربا ثم فتحهما فإذا الفجر يطلع على المدينة بألوانه الرائعة ، وعندما تمخض الأفق أخيرا عن الشمس بقرصها النارى المشرق ، راح إخناتون ، وقد بلغ أقصى درجات الذهول ، يحيى اليوم الجديد بهذا النشيد الذى ينطلق إلى السماء كالسهم :
" ما أروع إشراقك فى آفاق السماء . أى آتون ، يا أصل الحياة ؟ فأنت عندما تتجلى لنا .
تملأ الأرض بجمالك . وأنت ترتفع فى أسمى درجات السماء . ولكن أشعتك تغمر الأرض بالضياء ! "
ولكن الشعور بالحياة وسط هذا التجدد الشامل لقوى الأرض أصبح شعورا خانقا بالنسبة له ، شديد الوطأة على صدره .
آه ! ليس فى هذه الدنيا إنسان استطاع أن يتذوق مثله روعة هذا المولد الجديد للأشياء ، لأنه يعلم علم اليقين المصير المحتوم الذى ينتظر كل شئ فان ، وإن الإحساس بأنه موجود هو الآخر فى كل يوم بين أحضان نفس العالم الذى كان فيه بالأمس ، ليملأ نفسه بالإعجاب والامتنان العميق
وكانت سعادته فى هذا الصباح الجديد أعظم من أن يتحملها وحده : إنه يريد إنسانا آخر يقاسمه شعوره ، فنظر إلى الشمس المشرقة نظرة أخيرة ، ثم هبط مهرولا تلك الدرج التى كانت قد صعدت به إلى الشرفة وإلى التأمل فى صباحته الليلية السالفة .
وعندما غشى حجرة النوم الملكية كانت " نفرتيتى " لا تزال نائمة ، وجسدها الفنى نشف عنه غلاتها الرقيقة التى ارتدتها للنوم . واهتز إخنانون من صميم كيانه لهذا المنظر : كيف قدر له أن يهرب من ذلك الجسد الذى يبعث البهجة فى النفس ، ليسهر قلقا وحيدا فوق الشرفة العالية !
ماذا ؟ أقد صرفه حب الغير - وما هذا الحب إلا عبث - عن حب صاحبته المفضلة ؟
لن يكون الأمر كذلك بعد هذه اللحظة . فليعيش الناس كيفما أرادوا : فللسعادة وللسلام معان تختلف بالنسبة إلى كل إنسان .
واستلقى إخناتون على السرير ، واحتضن زوجته فى قوة ، فاستجابت لندائه الحار . وبينما هو بيئها حبه الزاخر ، إذا بالشمس تتألق وراء النافذة المفتوحة على الحدائق التى تتصل بالنيل ، وإذا بأول شعاع - مثل يد حارة فى طرف ذراع مضئ - يحط على الزوجين المتمازجين ؛ وكأن الشمس تباركهما به .
