إخوان الصفا جماعة بارزة بين مفكري الإسلام، يعتز الباحثون بآرائهم، وإن اختلفوا في حقيقة أمرهم، وقد كتبت عنهم رسائل صغار، ومقالات قصار، ولكن الأستاذ عمر الدسوقي قصر كتابه هذا عليهم، وتفرد ببحوث مفصلة عن عوامل ظهورهم، وروافد ثقافتهم وحقيقتهم، وناقش المرحوم أحمد زكي باشا مناقشة عنيفة في نسبته هذه الرسائل إلى مسلمة بن قاسم الأندلسي وفي نفيه أن المجريطي ألف رسائل مثلها، ثم كان له السبق في تجلية آرائهم، وجمع شتاتها، والموازنة بينها وبين آراء من سبقهم أو جاء بعدهم من فلاسفة الشرق والغرب، منتفعاً بدراسته العربية في كلية
دار العلوم وبثقافته الغربية في جامعة لندن، ثم تميز ببحث قيم مبتكر عن آرائهم في التربية.
عقد المؤلف الفصل الأول لدراسة الحياة السياسية في القرن الرابع؛ لأنهم ثمرة عوامل عدة منها الحالة السياسية (والكائن المستقل عما قبله وما بعده والذي لا يتأثر بشيء مما حلوه ولا يتأثر بشيء مما سبقه أو أحاط به - لا عهد للعالم به حتى اليوم، فالمصادفة محال)،
ثم عقد الفصل الثاني للحياة العقلية، فتكلم عن السريان وأثرهم، وعن نشأة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، وأثر الفلسفة اليونانية في العقل العربي، وخلص من ذلك إلى أنهم تأثروا بالكندي في فلسفته الطبيعية، وبالمترجمين وآرائهم، وبالفارابي في إحصائه للعلوم، حتى وضعوا رسائلهم التي تشبه دوائر المعارف بالنسبة إلى زمانهم.
ثم تتوالى الفصول بعد ذلك عن إخوان الصفا، وزمانهم، ومكانهم، ونظام جماعتهم، ومذهبهم، وفلسفتهم، ورأيهم في النفس الإنسانية وفي التربية، معروضة عرضاً علمياً واضحاً مستخلصاً من رسائلهم.
ويجمل بنا أن نعرض بعض آرائهم التي استخلصها المؤلف من رسائلهم، فهم مثلاً يدينون بخلود النفس بعد أن تفارق الجسد، ويوازن المؤلف بين رأيهم ورأى أفلاطون في (الجمهورية) وفي (جورجياس) ، ثم بين الرأيين في خلود كل نفس وبين رأى أرسطو في خلود النوع الإنساني. وهم يذهبون إلى أن البعث إنما يكون بأحوال تطرأ على النفس بعد انسلاخها من الجسد، ويقولون بخلود العالم، ويتساءل المؤلف: كيف يتفق هذا الرأي المخالف للدين الإسلامي مع آيات القرآن الكريم؟ ويورد تفسيرهم لآيات البعث تفسيراً قائماً على التأويل، وُيحكم بأن هذا تعسف وتكلف. ثم هم يذهبون إلى أن المعلم دعامة في صرح الأمة، وعلى الآباء أن يتخيروا بنيهم المعلم الصالح المستنير المتحلي بفضائل عَدُّوها والمبرأ من رذائل أحصوها، والمعلم كالأب له على تلميذه حقوق الأب.
وتكلموا عن التلميذ والمنهج الدراسي الملائم له وطريقة تحصيله للعلم، واهتموا باستخدام الحواس في التحصيل اهتماماً زائداً في مواضع شتى، وسبقوا برأيهم (بستالوتزى) في عنايته بالملاحظة والإدراك الحسى، وسبقوا (هربارت) في نظرية الاستطلاع،
وبقولهم إن قوى النفس الإنسانية متحدة مرتبط بعضها ببعض .
ثم هم يذهبون في التربية الخلقية إلى أن الخير يجب أن يعمل حباً في الخير، لا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب، لأن هذا الخير المحض هو السعادة، ويقرر المؤلف أنهم سبقوا بهذا الرأي الفيلسوف الألماني (كانت) الذي بنى فلسفته الأخلاقية على أن الخير يجب أن يعمل لذاته. ثم يعرض المؤلف رأيهم في الفضيلة ويأثرهم بأرسطو في أنها وسط بين رذيلتين.
وبعد، فهذه لمحات أو قاطفات سراع من هذا البحث الممتع القيم، وكانت آراء إخوان الصفاء زهرات مبعثرات، فجمعها المؤلف في طاقة منسقة كانت هذا الكتاب، ومن ذا الذي لا تهفو نفسه إلى أن يستمتع من هذه الطاقة بنظرات وسبحات؟

