مقدمة
نشأ شعر الملاحم وترعرع فى ظلال الأرستقراطية التى سادت الحياة اليونانية طوال عصر البطولة فى القرنين التاسع والثامن، أو الثامن والسابع قبل الميلاد ونشأ الشعر الغنائى وترعرع فى ظلال الأرستقراطية كذلك وامتد إلى منتصف القرن الخامس
وبرع فى شعر الملاحم هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة، وهسيود صاحب الأرجا (الأعمال والأيام) والثيوجونية (نشوء الآلهة) ودرع هرقل وبرع فى الشعر الغنائى كل من سافو - شاعرة الخلود - وأليسوس وأنا كريون وأرخليوكوس... وقد كان هؤلاء يقرضون الشعر ويتغنون به تسلية لأنفسهم فحسب، أى أنهم لم يكونوا (محترفين)
أما الشعراء المغنون (المحترفون) فقد ألفوا الفرق الغنائية (للغناء والإنشاد والرقص)، فهم بذلك مبتدعو(الخورس) اليونانى. وقد كان أرسطو يطلق على الأغنية من أغانيهم لفظة (دثرامب) Dithgramb (كتاب الشعر لآرسطو)
ومن زعماء الشعراء المغنين ألكمان الشاعر الغَزل الرقيق الذى يعده المؤرخون مبتدع أشعار الحب، وإن تكن سافو فيما نرى زعيمة هذه المدرسة. وقد اكتشفت ماريت باشا(1) سنة ١٨٥٥ برديّة مصرية بها قصيدة من روائع هذا الشاعر الفحل مما نظم لفتيات الكورس. وفى القصيدة نفحات من الدرام تدل على بداءة الأدب المسرحى
ومنهم الشاعر آريون الذى يُعزى إليه ابتكار الدثرامب (أغانى باخوس)
ومن أعظمهم الشاعر تيزياس(1) الذى يعدونه فى الشعر الغنائى نداً لهوميروس فى شعر الملاحم؛ وقد اكتسب الشعر على يديه مزايا عظيمة من حيث التنوع والقصص والمزج بين الملحمة والغناء وابتكار القصة الشخصية التىى تفيض بالاعترافات
ومنهم الشاعر إبيكوس الذى اهتم كثيراً بقرض أناشيد (الصبيان) ومازج بين الشعر والموسيقى ووشى قصائده بورد الربيع وعصافيره وحبر العذارى
ومنهم سيمونيدز(٥٥٦ - ٤٦٨) وهو أوسعهم ثقافة، وهو فى شعر الحكمة يشبه شاعرنا أبا الطيب من حيث الفكرة العميقة وقوة السبك وعلو المنزلة؛ وكانوا يتدارسون شعره فى مجالس يعقدها جلة العظماء لهذا الغرض. وكان سفير قومه فى بلاط الملوك والأمراء الأجانب. وقد ذهب برغم كبره ليعقد الصلح بين أميرى صقلية المختصمين فأدى مهمته على خير وجه. ويعزون إليه أنه كان بخيلاً شديد الحرص؛ وذلك أنه كان يطلب لقصائده (ثمناً محدداً) لا ينقص منه مهما ألحف عليه فى ذلك... وأحسن قصائده ما كان له علاقة بالحرب. وقد كتب عن ترموبيلى أروع غُرره ونظم فى قتلاها أجمل فرائده... ولذا أحبه اليونانيون وآثروه بلقب شاعرهم الوطنى دون بندار
أما بندار، فهو بلا ريب أعظم الشعراء الغنائيين الذين أنجبتهم اليونان على الإطلاق... ولقد ولد فى إحدى قرى بووطيه حيث نشأ نشأة موسيقية، فتعلم العزف على القيثارة ثم مهر فى النفخ بالناى، وكان أستاذه فى ذلك عمه الشاعر الذى كان يلازمه ويعلمه الغناء والإنشاد فضلاً عن الموسيقى والشعر... ثم ذهب إلى أثينا ليتخصص فيما شداه من هذه الفنون، فأتيح له الاتصال برجالاتها وذوى الرأى فيها. ومما يذكر له فى هذه الفترة من فترات التحصيل أنه دخل فى مباراة إنشادية غنائية مع زعيمة من زعيمات الغناء فى أثينا تدعى كورينّا. فغلبته وتفوقت عليه... وتقلب بندار
فى الإمارات اليونانية جميعاً، وحل ضيفاً كريماً على أكثر ملوك الولايات حيث كان يقابل بالبشر ويُتلقى بالترحاب... وكان بندار يكره سيمونيدز، وينقم من الناس تهافتهم على شعره الذى كان يدعوه حكمة ولم يكن يدعوه شعراً. وبندار وسيمونيدز فى ذلك مثل البحترى والمتنبى. فقد كان البحترى شاعراً لأنه كان يُغنى، أما أبو الطيب فقد كان حكيماً. وحسبه أن ثلاثة أرباع ما يحفظ الناس من أبيات الحكمة هو من شعره. وقد كان بندار ينزع فى شعره وفى حياته نزعة لاهوتية، فقد أخذ على عاتقه إحياء سنة السلف الصالح بالغناء للآلهة، وقرض الشعر، ونظم الأناشيد الدينية تسبيحاً بأسمائهم، وله فى رهاRhea(1) وبان(2). وأبولو(3) منظومات خالدة... ومن هنا منزلته الرفيعة فى دلفى، فقد كان كهنة المعبد يحبونه ويعتبرونه قديساً، لأنه أّلف حولهم قلوب العامة، وأعاد للدين بهجته، ولذ خصوه بأرفع منزلة فى هيكلهم وأفردوه بغرفة خاصة يحل بها كلما زار دلفى. ونحسب نحن أن هذا هو الذى نفر منه خاصة الأدباء الذين هم قادة الرأى العام... والشعب الوثنى هو أعرف الناس بآلهته، فلما أغرق بندار فى هذه النزعة الدينية انصرف الجمهور عنه إلى سيمونيدز شاعر الحق والحكمة وتمجيد البطولة والأبطال.
وقد انتشرت أشعار بندار انتشاراً واسعاً بلغ مصر، وتغلغل فى صحرائها إلى معبد أمون - زيوس فى سيوه حيث نقشت أوراده الدينية على جدران المعبد وأعمدته بالذهب الخالص مما أدهش الإسكندر الأكبر وملك عليه لبه... لكنه كان إعجاباً طارئاً سرعان ما طغت عليه الذكريات القديمة المؤلمة... الذكريات التى لم ينسها اليونانيون لهذا الشاعر الكبير الذى خان وطنه الأكبر (هيلاس) بموقفه المزرى فى غزوة الفرس الكبرى... لقد انضمت بلاده للفرس ضد أثينا، فلم يحتج ولم تثر فيه النخوة الوطنية، بل راح ينظم القصائد فى وجوب عقد الصلح... هذه صفحة بندار السوداء، الصفحة التى لم تنسخ ظلماتها شموس القصائد الغُر التى نظمها بعد ذلك فى تمجيد أثينا وتخليد بطولة
أبنائها. وهى قصائد أجود بكثير من كل ما نظم سيمونيدز فى هذا المضمار. لكنها قصائد تشبه هدايا عضد الدولة للمتنبى. أغزر من هدايا سيف الدولة وأكثر، لكنها كانت ينقصها الروح!! ولا نستطيع نحن أن ننقص من قدر أشعار بندار إذا قرأناها ولم نكن ملمين بتاريخه، بل ربما رفعناها إلى أعلى أوج يرتفع إليه شعر قديم أو جديد... فأشعاره إلهام رفيع ووحى علوى مما يعز على فحول الشعراء... وقد نظم كثيراً غير أوراده الدينية فى الرياضة والرياضيين، وقد كانت أولمبيا تستهويه بأبطالها كما كانت دلفى تجذبه بآلهتها... وكان بندار يعيش عيشة فنية، فمسكنه كان متحفاً للصور والتماثيل والموسيقى والشعر، وكان مشغوفاً بالجمال ينشده فى كل ما تقع عليه عيناه... فى الطريق... فى الحديقة.. فى الملهى... فى الماء... فى السماء... فى كل شىء
هذه هي الأطوار التى ترقى فى مدارجها الشعر اليونانى قبل أن ينهض الدرام نهضته العجيبة الخارقة فى القرن الخامس قبل الميلاد، وهؤلاء هم الشعراء المخلدون الذين مهدوا الذهن اليونانى لعصر النور والعرفان... عصر بركليس العجيب
أما كيف بدأ شعر الدرام، وأما كيف وجد المسرح اليونانى فهذا ما لم يعرفه أحد حتى ولا آرسطو نفسه الذى يعتبر معاصراً لنهضة الأدب المسرحي فى أوجه، والذى شهد روائع هذا الأدب تؤديها أقوى الفرق اليونانية فى أعظم المسارح التى عرفها التاريخ، والذى أخذ نفسه بالدفاع عن الشعر عامة ونقض نظرية أستاذه أفلاطون فى ذم الشعر وامتهان الشعراء
والنظرية الشائعة فى ذلك، والتى اتفق على صحتها المؤرخون(2) هى أن الشاعر آريون هو أول من حَوّر الإنشاد الفردى إلى إنشاد يقوم به خورس (فرقة) ويتولى توجيهه رئيس، وأنه هو أول من ابتكر أغانى الدثرامب Dithyramb (أغانى باخوس أو ديونيزوس إله الخمر والمرح والعربدة!) وهى أغان كان يمارسها
الشعب على النمط الذى وصفه آريون إبان قطاف العنب ثم جاء الشاعر ثسبيس(1) (من قرية إيكاريا) فكان يرأس خورساً كبيراً وزع على أفراده أدوار غنائه مستغلا الدثرامب التى وضعها آريون ثم وسع دائرتها بحيث جعلها تشمل أغانيى بان إله المراعى، فكان أفراد خورسه يلبسون رؤوساً تنكرية تمثل رؤوس الماعز، ولذلك كان يطلق عليهم لقب (المنشدين العنزيين) Tragodoi ولم يكونوا يمثلون درامات بالمعنى الذى نعرفه اليوم. بل كانوا ينشدون مقاماتCantatas أشبه بمقامات الحريرى والبديع تشمل كل منها حادثة واحدة معينة
ومن لفظة Traqodoi اشتقت لفظة تراجيدى للمأساة ومن لفظة Dromena أى الأشياء التى تؤدى اشتقت لفظة درامةDrama أى الأداء، وهى ألفاظ كانت شائعة فى المحيط الدينى فى اليونان القديمة ثم أطلقت الدرامة على الرواية المسرحية فيما بعد(2)
هذا وثمة آراء أخرى فى أصل نشوء الدرامة، منها أنها نشأت فى جزيرة كريت (إقريطش) حيث كان الأهالى يحتفلون كل سنة بإحياء ذكرى مولد سيد الأولمب (زيوس!) فكانوا يمثلون ميلاده ثم زواجه من حيرا كما كانوا يصنعون ذلك فى آرجوس وفى ساموس ثم نهضت أتّيكا - المقاطعة التى كانت حاضرتها أثينا - وعز عليها ألا يكون لها أدبها القومى الخاص فأقلمت الملاحم - كما صنع بيزاستراتوس - وأشعار الغناء، ثم نهضت بأدب الدرام على يدى ثسبيس الأيكارى الذى مثل بنجاح عظيم فى سوقها سنة ٥٣٤، وخُويْريلوس وبراتيناس
ولقد كان الشاعر - وهو رئيس المنشدين - يقوم بأدوار عدة، من دور الملك إلى دور القائد إلى دور الجندى إلى دور الرسول... فكان لا بد له من تغيير ملابسه فى كل حالة من هذه الأحوال. لذلك أعد له فى جانب من جوانب ساحة الرقص Orchestra (خص) أو خيمة Skene ليبدل فيها ملابسه وإذا كان الشاعر يقوم بكل هذه الأدوار فى المقامة الواحدة
فماذا كان يصنع فى الأحاديث؟ قالوا إنه كان يستعين بممثل آخر ليكون الطرف الثانى فى الحديث، وكانوا يسمون هذا الطرف الثانىHypocites ومعناها المجيب، ثم استعملت هذه اللفظة نفسها فيما بعد للممثلين... فكانت الفرقة القديمة تتكون عادة من شاعر ومجيبين (اثنين) وثمانية وأربعين راقصاً
وكانت الحكومة هى التى تؤتى الممثلين والراقصين أجورهم كما كانت تنفح الشعراء بجوائزها الثمينة السنية. أما الإخراج فقد كان الأغنياء يتحملون كل نفقاته، وذلك بأن يلجأ الشاعر إلى أحدهم فيعرض عليه أن ينفق على درامته من خالص ماله إلى أن تؤدى فى المسرح، فكان المثرى يستأجر للشاعر خورساً بأكمله ثم ينفق على الملابس والمناظر حتى يتم الإخراج كله. وكان الأغنياء يتباهون بهذا العمل ويتبارون فى مضماره، ولا يبخلون بعزيز أموالهم عليه ولو ذهب بأكثرها، وكل ما كانوا ينشدون من جزاء هو شعور الفخر والزهو الوطنى حين تنجح الدرامة التى أنفقوا عليها بعد العرض الأول. ويجب أن نذكر هنا أن جمهور النظارة بل الجمهور الأثينى كله فى القرن الخامس قبل الميلاد كان قد أوتى حظاً عظيماً من الثقافة العامة، وكان قد تربى فيه ذوق فنى رفيع نمته فيه ديموقراطية هذا العصر التى أكبرت من قيمة الفرد وأشاعت فيه كبرياء الحرية والشعور بالسيادة
وفى ظل هذه الديموقراطية تربى ذوق الأثنيين الفنى حتى غدا ذوقاً أرستقراطياً مرهفاً يقدر الفن حق قدره ويزن آياته بالقسطاس المستقيم، فحينما كانت تعرض الدرامات فى مسرح أثينا كان الجمهور نفسه هو الذى يصدر حكمه عقب الانتهاء من التمثيل... وكان الشعراء يرهبون هذا القاضى الجبار لأنهم كانوا يقدرونه. وكم كان جميلاً من أرسطو فأن فى بعض مهازله أن يتملق النظارة ويبالغ فى تمليقهم ويطلب إليهم صراحة أن يحكموا له... ولنتصور إذن قضاة يبلغ عددهم ثلاثين ألفاً أو يزيدون يصوتون للشاعر أو عليه، وما يكون لحكمهم من أثر عظيم فى نفسه فى حالتى السخط أو الرضى... لقد يكون فى هذه الألوف المؤلفة قضاة غير عدول... فقد ذكر الأستاذ ج. ك
ستوبارت(1) أن كثيرين من أهل أثينا كانوا ينظرون إلى التحكيم فى المباريات الأدبية بحسبان أنها مصدر عظيم من مصادر رزقهم... بل كان بعضهم يعدها المصدر الوحيد لهذا الرزق... يقصد بذلك أنهم كانوا يبيعون أصواتهم لمن يدفع ثمناً أكثر... وهذا عيب تافه من عيوب الديمقراطية شهدنا مثله فى معاركنا الانتخابية، لكنه لا ينهض دليلاً على فساد الذوق الفنى عند اليونانيين.
لقد كان غشيان المسارح فرضاً قوميّاً على الأثينيين فى أعيادهم. وقد أثر عنهم أنهم كانوا يقولون إن من لم يذهب إلى المسرح فى العيد لم يكن له عيد... وقد كانت الحكومة تنظر إلى المسرح نظرة كريمة عالية. لقد كانت تعد الجامعة العليا التى لا تعلم حروف الهجاء بل التى تطبع الشعب على أسمى صور الفضيلة والإيثار والتضحية فتخلق منه شعباً راقياً طيب الأعراق يتذوق أمور الحياة العليا بإحساس حى ناضج بصير لا بإحساس بهيمى بليد وكانت كل طبقات الشعب تغشى المسرح الكبير فى أثينا، وكان يظن أن النساء كن محجوبات عن شهوده، لكن الأستاذ روى فلكنجر دحض هذا الظن الذى لم يكن إلا حدساً وترجماً، بل زاد فأثبت بأدلة قاطعة أن الأرقاء أنفسهم كانوا يذهبون إلى المسرح للتمتع بالتمثيل، وكانت الحكومة تدفع لهم ثمن تذاكرهم، وكان ثمن التذكرة أوبولين، والاوبول Obol هو قطعة من العملة اليونانية القديمة يساوى من عملتنا المصرية أثنى عشر مليما (ثلاثة بنسات إنجليزية أو خمسة سنتات أمريكية) فيكون ثمن التذكرة قرشين ونصف قرش تقريباً أو ما يعادل ثمن التذكرة بالدرجة الثالثة فى أى دار من دور السينما عندنا.
وبعد فهذه لمحة خاطفة عن نشوء الدرامة اليونانية تليها لمحات عن المسرح اليونى فى عصر بركليس، العصر الزاهر العجيب الذى حفل بأكبر عدد من شعراء الدرام على رأسهم إسخيلوس وسوفوكليس ويورببيدز.

