الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 917 الرجوع إلى "الرسالة"

إسعاف النشاشيبى، بمناسبة ذكرى وفاته

Share

يصادف ظهور هذا العدد من مجلة الرسالة موعد حلول الذكرى الثالثة لوفاة زعيم العربية وإمام المحققين المغفور له الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبى إذ طواه الردى فى منتصف ليل اليوم الثانى والعشرين من يناير سنة ١٩٤٨

ومن حق الفقيد على مجلته الأثيرة التى خصها بنقلة، أن تفسح صدرها لدمعة عليه فى يوم ذكراه وهى المجلة التى استمدت وفاءها من عميدها الكبير الذى كان ثالث ثلاثة استبقاهم الوفاء بجانب الفقيد فى ساعاته الأخيرة، والذى عده الفقيد ثالث الكتاب

بعد الجاحظ وأبى حيان وقال عنه إنه أمير النثر والناثرين وإنه  سيد البلغاء1. وهيهات لعلمى العاجز أن يتطاول فيحاول أن  يوفى الفقيد حقه، أو يحصر مآثره على لغة الضاد وهو الذى حمل لواء الدفاع عنها خمسة وستين عاماً يصول فى كل ميدان، ويجول فى كل حلبة فما نبا له صارم ولا كبا به جواد. ولكنها عبرة أسكبها وزفرة أرجيها تقديراً لعلم من أعلام الأدب وكوكب مشرق فى  سمائه طالما أرسل ضياءه إلى دنيا العرب والعروبة.

ومن حق الفقيد على الأدباء فى مصر والعالم العربى أن  يحتفلوا بذكراه وهو الذى دوى صوته مجلجلا فى القدس ودمشق وبيروت والقاهرة وبغداد فهز القلوب بأسلوبه الرائع، وبيانه الساحر. ولكننا فى الشرق - والأسى يملأ الجوانح -  نضن بالوفاء على الأحياء فكيف بمن ضمهم الثرى، ووارهم التراب لقد كان الفقيد طرازاً خاصاً من الأدباء تعصب للفصحى

واعتز بلغة الضاد وتصدى للداعين لنبذها والاستعاضة عنها برلمانة الغوغاء ورماهم بشواظ من بيانه فأخرس ألسنتهم، وله فى ذلك مواقف رائعة تختال لها لغة عدنان بشراً وطرباً.

تعصب إسعاف للغة العربية لأنه يراها أهم عنصر فى القومية،  فمن تنكر للغته فقد تنكر لقوميته؛ ومن تنكر لقوميته فقد غدا حرباً على أمته وبلاده. وفى هذا يقول (اللغة هى الأمة، والأمة هى اللغة وضعف الأولى ضعف الثانية، وهلاك الثانية هلاك الأولى. واللغة ميراث أورثه لآباء الأبناء، وأحزم الوارث صائن ما ورث، وأسفههم  فى الدنيا مضيع، وإنا أمم اللسان الضادى لعرب وإن لغتنا لهى العربية وهى الإرث الذى ورثناه وإنا لحقيقون - والآباء هم الأباء واللغة  هى اللغة - بأن نبقى عربية الجنس وعربية اللغة 2) ولقد قضى الفقيد القسم الأول من حياته مدرساً للغة العربية فى مدارس فلسطين قبل الانتداب البريطانى وبعده ثم سمت به كفاءته فارتقى حتى وصل إلى درجة التفتيش العام للغة العربية في القطر بأسره.  فنهض بها نهضة ارتفعت بها إلى أسمى الدرجات رغم أن حكومة  الانتداب البريطانى كانت تقاوم ازدهار اللغة العربية، وتحول دون تبوئها المكانة اللائقة كلغة قومية فى قطر عربى. ومن مآثره  الجليلة فى هذه الناحية كتاب أسماه البستان اختار فيه مقطوعات شعرية، وكلمات نثرية يستظهرها الطلاب فى مدارس فلسطين  الابتدائية والثانوية، وكان موفقاً  كل التوفيق فى الاختيار إذ بث فى نفوس الناشئة حب الوطن، والتطلع للمجد، والتأهب للوثبة وله غير بستانه الزاهر رسائل منها كلمة فى اللغة العربية وكلمة فى رثاء أمير الشعراء شوقى بك، وثالثة فى الزعيم إبراهيم هنانو. وآخر مؤلف طبعه كتاب الإسلام الصحيح. ورغم أن إسعاف قد ارتقى إلى ذروة المجد، وتسلم الشهرة فى أفق اللغة والأدب، فقد كان على جانب كبير من دماثة الخلق، وحسن الطبع، وعظم التواضع حتى ليشعر محدثه بأنهما فى مستوى واحد، والفرق كبير والبعد  شاسع. وهو محدث لبق، والذين أتيح لهم أن يصغوا إليه فى الكونتنتال حين يتوسط الحلقة، ويدير الدفة يشهدون ببراعة فى الحديث وإجادة فى التعبير. ولقد وقف إسعاف حياته على خدمة

العربية لغة القرآن، وما رايته إلا قارئا أو خطيباً أو كاتباً أو  معقباً أو مصححاً يستتر بأسماء متعددة ويتخفى بأزياء متباينة لأنه لا ينبغى مزيداً من شهرة أو ظهور

والمجلات الشهيرة فى العالم العربى وفى مقدمتها الرسالة فى  مصر ومجلة المجمع العلمى فى دمشق زاخرة بأبحاث الفقيد فى شتى  النواحى العلمية والأدبية

ولقد كان إسعاف قوى الإيمان، راسخ العقيدة. فاهماً  للإسلام حق الفهم، القرآن حداؤه وغناؤه، والرسول الكريم  قدوته وفى (خورنقه)3 نجد اسم محمد صلى الله عليه وسلم  معلقاً أمامه على الجدران فى صور متعددة. يا محمد - أنا عبدك  يا رسول الله

وتهتز أعطافه عندما يرتل آي الذكر الحكيم ترتيل العربى الصميم الذى أحاط بأسرار اللغة العربية ففهم الآيات الفهم الكامل  وأدرك ما ترمى إليه من أهداف ومقاصد، وهو الذى يقول فى القرآن:

(يا أيها الكتاب المعجز، لقد هلك من يدرك فصاحتك، ويكتنه بلاغتك، ويقدرك حق قدرك، لقد هلك من كنت تتلو عليهم آياتك فيدهشون ويخرون سجداً وبكيا. وهل يعرف بلاغتك المعرفة البالغة إلا عربى قح صليب لم تشن ملكته العربية من العجمة شائنة ولم تؤذ أذنه كلمة قلقة)4

وبعد فقد عرفت اسعاف عندما استظهرت أول مقطوعة من  بستانه فى مدارس فلسطين؛ ثم امتد بى الزمن فالتقيت به وعرفته محدثاً ومحاضراً وكاتباً وخطيباً مفوهاً يستحوذ على القلوب ويلعب بالعواطف، وكان إعجابي به يتزايد وتقديرى له يعظم؛ ولكنى دهشت للجهد الجبار الذى بذله فى إخراج كتابه (الاسلام  الصحيح) الذى تفضل بإهدائه إلى منذ عشرة أعوام.

لقد أخرجت مطبعة العرب فى القدس هذا الكتاب سنة  ١٣٥٤هـ وقد ذكر فيه المؤلف بعض المراجع، وأخذت أنا أحصى  ذلك البعض فإذا به لا يقل عن مائتى مرجع فى شتى العلوم والفنون من لغة وأدب وتاريخ وملل ونحل وفقه وشريعة وأصول، ولما

تصفحت الكتاب وجدت فى ثنايا صفحاته مراجع أخر غير التى ذكرت قبلاً فلم أستطع تجاه ذلك المجهود إلا أن أحنى هامتى  إجلالا واحتراما لتلك القدرة على الدرس والبحث والاستقصاء  التى قلما تتهيأ لكثير من الناس.

ولقد صدر الفقيد ذلك الكتاب الذى نفدت طبعته بمقدمة صغيرة جاءت آية فى البلاغة والإعجاز وبرهان صدق على تمسك  الفقيه بدينه، واعتزازه بيقينه؛ إذ يقول عن الاسلام (الاسلام  هو دين الحق. ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ومحمد خير الخلق وهذا الكتاب وهذا الأثر وهذا تاريخ البشر فاقرا  كتاب كل دين وانظر أثر كل عظيم وفتش صحف التاريخ واحكم  إن كنت من الحاكمين. هات، هات وهيهات أن تجد مثل القرآن  وحياً أو رقيما، واذكر نظير محمد نبيا أو عظيما إن تذكرت أو  تفكرت ونقبت وحققت فمثل القرآن كتاب الله ما أوحى الله  وما أنزل، ومثل محمد (صلى الإله على محمد) فمثل محمد فى الدنيا

ما كان ومثل محمد فى العالم لن يكون) ويتحدث عن القرآن فيقول: الضياء قد بهر إشعاعه فى حروف وكلمات، والكهربية إلهية  تسرى فى عبارات، والمعجزات - لا الشعبذات - بينات فى آيات . وإلهى من لدن الله يسير فى الأرض مع الناس هادياً ودليلاً ذلكم  هو القرآن الذى يتلوه القارئون.

محمد دينه التساوى ودينه العدل والنصفة، فلا شريف ولا مشروف ولا كبير ولا صغير ولا أمير ولا مأمور ولا قبيل أفضل من قبيل ولا قوم خير من (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله  أتقاكم) والفضل بالفضل والتقديم بالفعل وأن ليس للانسان إلا ما سعى

رحمك الله إمام العربية، وأمطر على قبرك شآبيب الرحمة والرضوان جزاء ما أسديت للغته وقرآنه.

اشترك في نشرتنا البريدية