في يوم ١٠ فبراير احتفل الروس في بلادهم وفي خارجها بمرور مائة عام على وفاة شاعرهم الأكبر إسكندر بوشكين وقبل خاتمته الفاجعة ببضعة شهور كتب يقول: (لقد أقيم لذكرايَ نُصبٌ لم تصنعِهُ يد. . . ولسوف يذاع اسمي في كلِّ أرجاء روسيا، ولسوف يجري ذكري على كلِّ لسان، ولسوف يتغنَّى بشهرتي كلُّ روسيّ. . .)
وقد أدهشت هذه النبوءة مريديه والمعجبين به، فما عرفوهُ قطُّ من قبل يتحدث عن نفسه على هذا النحو، وإنما عرفوه حيياً متواضعاً على ما أصاب من شهرةٍ ومجد. بَيدْ أنه كان مصيباً في قوله، فإن شعره الآن جزء لا يتجزأ من العقلية الروسية، وشهرته قد تجاوزت حدود بلاده، حتى أن بعض البلدان، ٍكصربيا، وتشيكوسلفاكيا، وفارس، احتفلت رسميا بذكراه المئوية، هذا فضلا عن الاحتفالات التي أقامتها شتى أقطار الأرض. ومع ذلك لم يصب بوشكين في خارج روسيا ما هو حقيق به من الشهرة والتقدير، ولم ينل منهما في إنجلترا ما ناله في فرنسا وألمانيا، بالرغم من أن المجلات الأدبية الإنجليزية ذكرته سنة ١٨٢٢، ووصلته بقرائها، وبالرغم من أن جماعةً
من الشعراء والأدباء، ومنهم جورج بورو، تصدوا لترجمة قصائده وقد كتب الشاعر الإنجليزي المعاصر (موريس بيرنج) (1) فصولا في تقويم أدبه، وتقدير شعره، تعد من أحسن ما كتب عنه في أية لغة من اللغات بما فيها الروسية، كما أنه ترجم بعض قصائده الوجدانية ترجمة تدعو إلى الإعجاب على الرغم من قوله: (إن التصدٍّي لترجمة أشعار بوشكين محاولة فاشلة، وعمل يائس، يشبه تصديك لتمثيل ألحان موزار بالرسوم والتماثيل، وتحويلها إلى الألوان والأحجار.)
ولد (الكساندر بوشكين) في موسكو، في الثامن من يونيو سنة ١٧٩٩، وتوفي في بطرسبورج، في العاشر من فبراير سنة ١٨٣٧، وهو سليل أسرة من الأشراف، كان من شأنها الإعجاب بكل ما يتصل بفرنسا والفرنسيين ولا سيما آدابهم. وكان الفتى إسكندر يحفظ عن ظهر قلب كثيراً من بدائع موليير وفولتير، ولم يكن الحفظ عسيراً عليه، لما أوتيه من ذاكرة قوية ممتازة، وقد ظل طوال حياته قارئاً نهماً، حتى روي أنه لما حضره الموت شخص ببصره إلى الكتب المرصوفة على الرفوف وقال: (وداعا يا رفاقي الأعزاء) .
وأجداد بوشكين من جهة أمه أفريقيون، ويحتمل أنهم أحباش، وقد جُلب جده (أبرام هانيبال) إلى بطرسبورج - من القسطنطينية - هدية إلى البطرس الكبير، ثم صار سكرتيره الخاص، وكان بوشكين يفتخر بجده الأسود، وكان متأثراً بدمه الافريقي، ولعل في هذا الدم يداً في نُضجه المبكر، وفي هذه الحرارة التي تفيض بها أغانيه، على أن هذا التأثير لم يبلغ من الشدة بحيث يظن كثيرا من الناس
وفي سنة ١٨١١ دخل الليسيه في تسارسكوي سيلو Tseraskoye selo ، وهي مدرسة داخلية أسسها القيصر المتحرر الفكر إسكندر الأول، وشيد بنايتها في جانب من بلاطه؛ وهناك أنفق بوشكين ست سنوات سعيدات، طبعت أثناءها أولى قصائده، وكان عمره عندئذ أربعة عشر عاماً
ولما ترك المدرسة التحق بوزارة الخارجية، ولكنه لم يحبر قط بلاغا رسميا، وما كان ينتظر منه لك، وما بلغ الثامنة عشرة حتى كان باعتراف شيوخ الأدب ، من أمثال كارامازين وجوكوفسكي ، زعيما لشعراء عصره ، وحتى كان شعره بغية الشبان يدرسونه ويحفظونه
وقد لعبت السياسة دوراً مهما في حياته، فمع أنه لم يكن عضواً في الجمعية السرية التي تشكلت سنة ١٨١٨، ثم سحقها الجيش في فتنته التي شبَّ أوارها سنة ١٨٢٥، فانه عبر في قصائده عن أغراضها - وخلاصتها تأليف حكومة دستورية وتحرير الفلاحين - تعبيراً أقوى وأشد إقناعا من برامجها الطويلة ولكن ما لبث الرأي العام أن اشتد في مطالبته بالإصلاح والتحرير فقلَّ تسامح القيصر وفترت همته الإصلاحية، وكان بوشكين أول من نزلت به عاقبة هذا الخلاف بين الإمبراطور ورعيته وذلك أنه نشر في ذلك الوقت قصيدته الموسومة (بالحرية) ، وقصيدتين أخريين في هجو أرا كتشيف Araktcheev فنفي على أثرها إلى جنوب روسيا
وقد هيأ له منفاهُ - الذي لم يك قاسياً جداً - فرصة لمشاهدة بلاد القوقاس والقرم وبراري صربيا، حيث عاش تلك العيشة التي التمستها بيرون ثم ظفر بها في ألبانيا، وكان بوشكين مسحورا ببيرون، وما سحره منه أسلوبه الشعري، بل بساطته وإخلاصه وعنف عواطفه. وفي سنة ١٨١٩، دخلت الترجمة الفرنسية لكتاب بيرون childe Harold روسيا، فرحب بها هو وطائفة من أصدقائه الأدباء ترحيبا حماسيا، بالرغم من سقمها وركاكتها، وبلغ من إعجاب الشاعر الروسي العظيم بالشاعر الإنجليزي أنه أخذ نفسه بتعليم الإنجليزية ليقرأه بلغته الأصلية، ولكن أسرار النطق الإنجليزي كانت تحيره وتربكه، حتى أن أصدقاءه الذين تعلموا الإنجليزية منذ طفولتهم كانوا إذا سمعوه يقرأ عليهم شكسبير لا يملكون أنفسهم من الإغراق في الضحك لأنه ينطق بالألفاظ الإنجليزية كأنها لاتينية!
تأثر بوشكين ببيرون ولم يقلده - فما كان مقلداً وإنما كان مستعدا على الدوام لأن يتعلم ليس غير - وظهر هذا التأثير في قصيدتيه (سجين القوقاس) و (نافورة باختشيساراي) . على أن التشابه قليل والفرق واضح بين الشاعرين: فبوشكين أرق وأودع، وفكاهته النادرة أعمق، في غير إيلام، وفهمه لطبائع الشعوب وخصائص البلدان أوسع وأبعد مدى.
بيد أن تأثير بيرون زايل شاعرنا بالتدرج حتى إذا بدأ بتأليف قصته الشعرية (إفجيني أونيجن) Evgeni onegin لم
يكن بقي منه شئ. وتعد هذه القصيدة أول ما ألف من القصص الروسي الجيد، وكان ترجنيفا يقول إن أربعة أبيات من مقدمتها تفضل آثاره جميعاً، وكان يجد لينين في صفحاتها مريحاً من عناء العمل، وقد سمى القيصر نقولا الثاني ابنتيه الكبريين - تاتيانا وأولغا باسمي الأختين في الرواية
ومع ذلك كان بوشكين يفضل عليها قصيدته (بوريس جودونوف) (١٨٢٥) . و (بولتافا) (1) (١٨٢٨) ، والأخيرة قصيدة تاريخية تصور النزاع بين بطرس الكبير وتشارلس الثاني عشر ملك السويد
أما الأولى فقد نظمها في (ميخيلو فسكوى) Michailovskoye وهي بيعة لأبيه، كان الشاعر نفي إليها بعد عودته من منفاه الأول لوقوع السلطات على رسالة له فيها ما يكرهون. وفي هذه الأعوام اشتد تركيز ذهنه وتمت له السيطرة على صناعته، وقوى فيه الشعور بقيمة اللفظ في الشعر، حتى كان لا ينشر القصيدة إلا بعد أن ينحى عليها بالتصحيح والتنقيح أعواما
كان بوشكين حين نظم (جودونوف) تحت تأثير شكسبير. وهو من أوائل الروس الذين عرفوا شكسبير وقدروه حق قدره.
قال في رسالة إلى بعض أصدقائه: (أي رجل شكسبير هذا!! وما أصغر بيرون، كتراجيدي، بالقياس إليه. . إن بيرون لا يقدر أن يصف إلا شخصية واحدة، هي شخصيته. فهو يعطي لهذه كبرياءهُ، ولتلك بغضه، ولأخرى مزاجه السوداوي؛ وهكذا ينتزع من شخصيته القوية النشيطة شخصيات كثيرة لا قيمة لها، وليس هذا من الفن التراجيدي في شئ) (2)
وقد خلصه النفي من الاشتراك في الثورة التي قام بها أصحابه المعروفون بال Decabrists ولما أذن له القيصر نقولا الأول في العودة من المنفى سنة ١٨٢٦، واستدعاه إلى موسكو، سأله (ماذا يكون موقفك في يوم ١٤ ديسمبر في موسكو.) فأجابه بوشكين: (كنت أشترك مع إخواني العصاة)
وكان اجتماع القيصر بالشاعر خطة مدبرة أريد بها التأثير فيه وفي جمعيته التي استثار غضبها إعدام خمسة من الثوار. ولم
يكن بوشكين - على قوته العقلية العظيمة - ليختلف عن الطفل في سذاجته وسرعة تصديقه وانقياده، ولذلك لم يجد القيصر صعوبة في اختلابه واجتذابه وإقناعه بأن الهدنة قد عقدت أخيراً بينه وبين الحكومة. ولم يكتشف كيف عبث به القيصر بمساعدة رئيس البوليس - كونت بنكيندورف - إلا بعد سنين
لم يكن بوشكين يتصور وهو في منفاه مدى الشهرة التي نالها بين قومه. فلما عاد إلى الاشتراك في الحياة الاجتماعية أذهلته مقابلتهم له. فقد كتب بعض الكتاب يقول: (موسكو السعيدة تحتفل اليوم بتتويجين: تتويج القيصر وتتويج الشاعر)
وفي الثلاثين من عمره تزوج من فتاة جميلة في الثامنة عشرة تدعى (نتالي جونخاروفا) ولم يجلب عليه هذا الزواج سعادة بل ولا هدوءاً، وما كان بيت الزوجية أكثر من خان باهظ النفقات.
كان الشعر آخر شئ تحفل له الزوجة الشابة، على أنها نجحت في المجتمع نجاحاً كبيراً. وفي هذه الفترة من حياة بوشكين ساءت أحواله. فقد تراكمت عليه الديون، وتغير ذوق الجمهور فلم يعد يتحمس ذلك الحماس لروائع آثاره، وتزايد حقد بعض فرق الأرستقراطية عليه، فعزم على الخروج بزوجه وأطفاله الأربعة إلى إحدى ممتلكات والده، حتى يتفرغ لمشاريعه الأدبية الكثيرة، ولكن القيصر عارض الفكرة. فاضطر إلى البقاء، واستمر في الكتابة فاتر الهمة مكتئب النفس: وحدث أن شاباً فرنسياً جميلا يقال له البارون دانت Baron DAntes تعرف بزوجته وأخذ يتودد إليها في إلحاح شديد، فدعاه بوشكين إلى المبارزة، فبارزه وجرحه جرحاً بليغاً، أودي بحياته بعد يومين. وبموته تمت نبوءة عراف قال له سنة ١٨١٩. إنه سيصير معبود قومه، وينفى مرتين، وبأن عليه أن يحذر رجلا جميلا قد يقتله حين يبلغ السابعة والثلاثين
اعتبر الشعب موت بوشكين رزية وطنية، واشتد حزنه عليه حتى خشيت الحكومة أن يؤدى إلى قيام مظاهرات عدائية فأمرت بنقل الجثمان سرا إلى مقبرة (سفياتيجيورسكي) - القريبة من ميخيلوفسكوي - وهناك دفن
فى أول ترجمة ظهرت بالإنجليزية لحياة بوشكين - وهى
ترجمة رائعة نشرتها مجلة (بلاكوود مجازين) (1) سنة ١٨٤٥ - كتب صاحبها توماس شو Thomas shaw, أستاذ الإنجليزية في كلية (ليسيه) تسارسكوى سيلو، يقول: (يمكن أن يقال أن قصيدة (إفجيني أونجين) أصبحت جزءاً من لغة الشعب الروسي) ولا يزال هذا القول - وقد تقضت مائة عام - صحيحاً ملموساً
إن اسم (بوشكين) يرن في أسماع الروس رنين الأغاني والأغاريد. وقد تأصلت شخصيته في أعماق العقلية الروسية؛ وإن الروسي ليعجز، إن سألته، عن تفسير حبه لبوشكين، عجزه هن تفسير حبه للبحر أو لنور الشمس وقد يكون جوابه ابتسامة سعيدة يشرق بها وجهه
(بغداد)

