الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

إسماعيل بك غاصبر ينسكى

Share

- 1 -

بمناسبة ما كتب الأستاذ أحمد أمين بك من تحليل أعمال ومؤلفات السيد عبد الرحمن الكواكبى وفكرة عقد المؤتمر الإسلامى الذى تخيله الكاتب وانتهى إلى أن يجعل المؤتمرين يقترحون إنشاء جمعية دائمة تعنى باصلاح المسلمين ، وأن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر لتقدمها فى العلم والحرية ، ولأنها أسبق الأمم فى ذلك - أريد أن أذكر نبذة عن حياة وأعمال مصلح تركى مخلص ، حاول أن يطبق ما تخيله الكواكبى تطبيقا عمليا على جميع الأمم الإسلامية ، بعد أن نجح فى تطبيقه على مسلمى روسيا إلي حد كبير ، واختار مصر مركزا لمؤتمر إسلامى عام ، وهو المرحوم إسماعيل بك غاصبر ينسكى صاحب جريدة الترجمان .

ولد إسماعيل بك عام ١٨٥١ فى شبه جزيرة القرم ، وتلقى العلوم الابتدائية فى مدينة بافجه سراي عاصمة القرم ومركز الحضارة التركية والحضارة الإسلامية ، ثم التحق بمدرسة الحربية الروسية بموسكو وظل بها حتى سنتها السادسة ، ولكنه لم يتممها وتركها ليلتحق متطوعا بالجيش

العثمانى الذى أرسل لإخماد ثورة جزيرة كريت التى نشبت سنة ١٨٦٧ ، ولم يقل مراده ، ولكنه لم يرجع إلى مدرسته ثانيا .

وأخذ إسماعيل بك يشتغل مدرسا للغة الروسية فى " مدرسة زنجيرلى " وهى أرقى المدارس الدينية بالقرم ، ويبث آراءه الإصلاحية فى الطلبة ، وفى الوقت نفسه يواظب على الاستفادة من مكتبة فنية لعالم روسى يدعى " شوستف " مدير البوليس بمدينة بافجه سراى ، فاطلع على الأدب الروسى ، والافكار الروسية ، ووسع معلوماته الاجتماعية والاقتصادية بمطالعة مؤلفات كتاب الروس أمثال يلسارف وجبرنيشفسكى .

وفى عام ١٨٧٢ سافر إلى باريس وأقام بها سنتين يدرس الفرنسية والعلوم الاجتماعية . ولما عاد إلى إستانبول سنة ١٨٧٤ نشر كتابه المسمى " نظرة موازنة إلي مدنية أوربا " . وفى عام ١٨٧٨ انتخب رئيسا لبلدية بافجه سراى ، وقد قص حياته التى عاشها فى هذا العهد على لسان دنيال بك الذى جعله بطلا لقصته المسماة " أشرقت الشمس " . ودنيال بك هذا هو إسماعيل

بك نفسه ، يقول : " لما أدرك دنيال بك عدم إمكان خدمة الأمة خدمة حقة بدون الاطلاع على أحوالها ، عزم على توسيع علمه ومعارفه ، فحضر أفراح القرويين ، ومجالس العلماء والدراويش ، وحفلات الأعيان والأمراء ، وحجرات الدارس الدينية ، وغيرها من المجتمعات ، وقضى نحو سنتين يسمع كثيرا ولا يتكلم إلا قليلا ، ورأى الجهات الحسنة لكل طبقة من الناس ، وشاهد أحوالها السيئة ، وفهم نقطة الضعف وما تحتاج إليه الأمة " .

وفى هذا العهد نشر بامضاء " كنج ملا " المستعار فى جريدة " تاوريدا " الروسية التى كانت تصدر فى بافجه سراى ، أهم مؤلفاته وهو كتابه " مسلمو روسيا " وأصدر رسائل أخرى بعناوين مختلفة تضم آراءه التى طبقها طول حياته المستقبلة .

وفى عام ١٨٨٢ اقترن بزهرة هانم ابنة أسفنديار بك افجورا صاحب مصانع النسيح بقازان ، وقد أعجبت به بمطالعة رسائله . ولم تكن زهرة هانم مثالا لزوجة صالحة فحسب ، بل كانت زميلة لزوجها فلا العمل وشريكة فلا الأمل ؛ لقد عاونته على إنشاء جريدة " الترجمان " التى استطاع الحصول على الرخصة باصدارها بعد زواجه منها بنحو سنة ، عاونته ببيع ما تملك من المجوهرات ، كما عاونته فى تحضير الجريدة للطبع وكتابة عناوين المشتركين

وإرسالها إلى أصحابها . كانت تربى أبناءها بنفسها وتعني بشئون زوجها وراحته ، ومع ذلك لا تفارق ( الترجمان ) ، وفى الوقت نفسه تهتم بجميع معارفها تشاركهم فى مسراتهم وتشاطرهم آلامهم مجتهدة فى إدخال السرور فى قلوب زوارها بكل ما أو ثبت من قوة . وكان زواج إسماعيل بك من زهرة هانم من أسعد حوادث حياته ، ومقدمة حسنة لنجاحه فى المستقبل .

وظلت ( الترجمان ) ، بفضل حيطة إسماعيل بك واعتداله فى تلك الظروف القاسية ، تصدر بانتظام تام حتى سنة ١٩١٤ ، وهى السنة التي توفى فيها إسماعيل بك ، وكانت جريدة وحيدة المسلمين روسيا كلها من سنة ١٩٠٥ ، ويقرؤها مسلمو القوقاز وقازان وسبيريا وتركستان وتركستان الصينى وبعض مسلمى الصين ، وتباع فى إيران ومصر ، وبيعت مدقق تركيا بترخيص خاص . وكان إسماعيل بك يعطى فى جريدته مكانا ممتازا للعالم الإسلامى ، وقد استخدمها من المقالة الأولى حتى صفحة الإعلانات فيما يظنه مفيدا المسلمين والأتراك . وما كان يبلغه نبأ من أبعد بلاد المسلمين وأصغرها حتى ينشره فى جريدته بكل عناية واهتمام .

عنى إسماعيل بك قبل كل شئ بتوحيد اللغة وتكوين الرأى العام ،

واستعمل لذلك لغة أدبية سهلة يفهمها كل قارىء بدون مشقة ؟ وقد رأى نتيجة عمله هذا سنة ١٩٠٥ حين نال مسلمو روسيا قسطا من الحرية ، إذ ظهر أكثر من ٣٥ جريدة ومجلة ، وكثير من الروايات والقصص إما بلغة ( الترجمان ) وإما بلغة قريبة منها . وقد ألف إسماعيل بك كتب المطالعة وأصول التدريس ، وطبع الصحف الشريف ، وكانت لمصحفه ، فى أحجاه الثلاثة شهرة فى العالم الإسلامى ، ولا زال مصحفه الصغير يبحث عنه إلى اليوم

وكان من أهم المسائل عنده اصلاح المدارس الأولية ، وكان دستوره فى ذلك : " إن انه الهزام أمة حاكمة واضمحلال أمة محكومة إنما ينشأ من عدم المدارس " . وأدرك هذا بالمقارنة بين المدارس الإسلامية والمدارس الروسية ، وأمن بوجوب إصلاح المدارس فى عالم الترك والعالم الإسلامى جميعا ، وأنشأ للوصول إلى غايته هذه مدرسة أولية نموذجية فى بافجه سراى سنة ١٨٨٤ ، وكان الكتاب الذى يدرس فيها هو " خواجه صبيان " من تأليف إسماعيل بك ، وكان المدرس من تلاميذه ، ثم أنشأ مدرسة أخرى ليلية فى أحد مقاهى سوق بافجه سراى ، وجمع عشرين صبيا من صبيان الحمالين والبقالين ودرس لهم بنفسه أربعين ليلة علمهم فيها القراءة والكتابة

بسهولة .

إن الإصلاح والتجديد اللذين بدا بهما إسماعيل بك غاصبر بنسكى فى بافجة سراى سنة ١٨٨٤ قد بلغ سنة ١٩٠٥ بلاد كبشغر فى تركستان الصينى ؛ فانشئ وأصلح نحو خمسة آلاف مدرسة بالأموال التى جاد بها الأتراك المتعطشون للثقافة والحياة المدنية

لقد وجد أغنياء كرماء يدبرون عشر مدارس أو خمس عشرة مدرسة ، أمثال بنى اقجورا وبنى اياناى وبنى عبد المنان من القازانيين ، كما وجد من بدير مائة ومائتين من المدارس على نفقاتهم الخاصة أمثال زين العابدين تاغييف من مدينة باكو ، وحسينف من أورنبرج ، والحاج عصمة الله من سيبريا

لما بلغ نجاح أعمال إسماعيل بك غاصبر ينسكى فى مسلمى روسيا درجة تدعو إلى الرضى فكر فى توسيع ساحة نشاطه حتى تشمل الأقطار الإسلامية الآخر ، ولم يجد فى العالم الإسلامى مدينة يجعلها مركزا لنشاطه أفضل من القاهرة التى كانت ملجأ للقاصدين وموئلا للفكرين الأحرار منذ العصور القديمة .

حضر إلى القاهرة سنة ١٩٠٧ ولم يكن نكرة في مصر ، إذ كان المثقفون من المصريين يتتبعون جريدة

( الترجمان ) ويفهمون ما يرمى إليه صاحبها من صالح المسلمين ؛ فلما حل بالقاهرة استقبله الكتاب والأدباء وأرباب النفوذ فى ذلك العهد بالترحيب والإجلال ، ووجد فيهم أصدقاء مشاركين له فى آرائه وأعماله الإصلاحية . وكان إسماعيل بك يرى أن امضى وسيلة للوصول إلي الغاية المنشودة من اصلاح حال المسلمين هو عقد مؤتمر عام المسلمين مجتمع فيه المسلمون من جميع الأقطار الإسلامية لبسطوا المؤتمر أحوال بلادهم فتبحث فيه أدواؤهم المسببة لتأخرهم وانحطاطهم والأدوية الشافية من هذه الأدواء ، وكان يعتقد أن داء المسلمين المشترك هو الجهل والتمسك به تمسكا شبيها بالتعصب له .

تعرف فى القاهرة بعلماء الأزهر ، والكتاب ، وأعضاء الحزب الوطنى ، وقابل الخديوى عباس حلمى باشا والغازى أحمد مختار باشا المندوب الساعى للدولة العثمانية ؛ واجتمع بسفراء روسيا وفرنسا والمعتمد البريطانى . ودار بينه وبين المعتمد البريطانى فى شأن المؤتمر الإسلامى هذا الحديث : قال المعتمد البريطاني : " إنى واثق بوعدكم بأن المؤتمر الذى تعتزمون عقده لا يدخل فى السائل السياسية ، ولكن ألا يجوز أن يتحول فيما بعد إلى مؤتمر سياسى ؟ " .

قال إسماعيل بك : " بلى ياسيدى ، من الممكن أن تخرج المؤتمرات

الإسلامية التى سوف تعقد فى ابريل عن الطريق التى تقرر السير عليها اليوم ، وقد لا تخرج عنها ، فليس لخادمكم علم بذلك ؛ فلست بضامن للآزمنة المستقبلة وليس ذلك فى طاقتى ، والذى اتحدث عنه خاص بالمؤتمر الأول فقط ؛ وبما أنه لا يمكن الدعوة إلى عقد مؤتمر فى المستقبل بدون علم الحكومة ، كما هو اليوم ، فإنى لا أخشى حدوث أمر ضار " فوافق المعتمد البريطاني على ما قاله إسماعيل بك وصرح بأن الحكومة البريطانية لا تمنع من انعقاد المؤتمر

وعلى هذا دعا الشيخ على يوسف صاحب جريدة المؤبد ، نحو ستة آلاف من عظماء المصريين ونزلاء مصر من الأجانب للاجتماع فى فندق كونشتال مساء يوم الجمعة ٢٥ رمضان سنة ١٣٢٥ ( أول نوفير سنة ١٩٠٧ ) فألقى فيه إسماعيل بك خطبة يدعو فيها المسلمين إلى عقد مؤتمر إسلامى عام .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية