الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318 الرجوع إلى "الثقافة"

إسماعيل بك غاصبر ينسكى

Share

في الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة ٢٥ من رمضان سنة ١٣٢٥ (١٩٠٧) تم عقد الاجتماع من عظماء المصريين وأمرائهم وعلمائهم وكتابهم وأعيان النزلاء فيهم ؛ وقد بلغ عددهم نحو ستمائة نفس، فوقف الشيخ علي يوسف وافتتح الحفلة قائلا :

" أيها السادة المحترمون : " سيقوم خطيبا بينكم الآن رجل من أعيان مسلمي روسيا وكبار رجال النهضة الإسلامية في تلك البلاد ، يناجيكم الحديث في موضوع يهم كل مسلم بل كل شرقي يعنيه ارتقاء الشرق وتقدمه ، وهو عقد مؤتمر إسلامي عام يبحث في أحوال المسلمين الاجتماعية وفي أسباب تأخرهم تجاه هذا الارتقاء المصري الذي شمل أكثر الأمم شرقا وغربا" ثم سرد أعمال إسماعيل بك المهمة التي قام بها في روسيا، وختم خطبته قائلا:

" فترون من هذا أن ضيفنا الكريم الذي أقدمه لحضراتكم بهذا التعريف قد أفاد قومه في النهضة المصرية أكثر من عدة رجال يقفون حياتهم على خدمة أمتهم خدمة عالية خالية من مظاهر الرياء والخيلاء، أكثر الله من أمثاله بين المسلمين"

ثم قام إسماعيل بك فألفي خطبته باللغة التركية (وتليت ترجمتها بعد ذلك) . تحدث أولا عن حياة المسلمين في روسيا ثم انتقل إلى موضوع التعليم العام الذي جاهد في سبيله عمره فقال :

"نرى المسلمين اليوم تنبهوا بعض التنبه في الأقطار الإسلامية كافة ، وهب فضلاؤهم لإنشاء الصحف والجرائد التي لها أثر عظيم في تنبيه الأفكار والإرشاد إلى الخير والصلاح ، ونسمع ان مسلمي بعض البلاد ينشئون جمعيات

خبرية وعلمية؛ هذه علائم خير تقر بها عين كل إنسان ناصح للإنسانية ، ولكن لا يجوز لنا البتة أن نجتزئ بهذه العلائم الحسنة ثم نخلد إلى أرض الدعة والكسل ، فالمستقبل الحسن لمن يدأب ويعمل لا جرم أن المرء إذا حال بطرفه في الأقطار الإسلامية من مدينة فازان الشمالية إلى مصر الجنوبية ، ومن مراكش الغربية إلى جاوا الشرقية يرى علائم الانحطاط أكثر من علائم الارتقاء .

" فقد عادت معظم المدارس (بقصد المدارس الدينية) مثابة للعاجزين والعاطلين واندثرت الصناعات الوطنية أو أشرفت على الدثور ، أصبح حظنا قليلا من تجارة العالم ، ويدنا ضئيلة في الصرف والشؤون المالية ، ونصيبنا عدما في التجارة البحرية . وليس لهذه الامة الى ينيف عددها على ثلاثمائة مليون ، شركة مؤلفة من ثلاثين سفينة ، كما أنها لا تملك مصرفا رأس ماله خمسة ملايين جنيه مثلا" ثم قال : "ولا نكاد نجد تاجرا مسلما في جميع البلدان الأميريكية والأوربية إلا في النادر ، وإذا رأيت هناك تاجرا شرقيا فهو إما أرمني أو بوذي هندي أو صيني " ثم قال بعد كلام مؤثر :

" إذا فقدت أمة من الأمم استقلالها تحت حكم الأجنبي فإنها تخسر خسرانا مبينا . بيد أن هذا الخسران لا يقام له وزن - في مذهبي - في جانب الخسارة التي تخسرها الأمة التي تقاعدت وتواكلت ثم سقطت من مكانها في ميدان العمل والاقتصاد "

وتساءل بعد ذلك عن أسباب هذه الحال من الضعف والانحطاط الشامل لجميع المسلمين وأبان أنه عاجز عن الإجابة . ثم قال : " إن استعداد الأمة العربية للمدنية قد ثبت عندنا بتاريخها المتلألئ اللامع . " ويرشدنا إلى استعداد الأمة التركية للمدنية ما تركه لنا علماؤهم من المؤلفات النافعة . وأطلال مرصد سمرقند

تشهد بشغف هذه الأمة بالعلم والعرفان . ثم ألا ترى الفنلنديين والمجربين يبارون الأقوام المتمدنة ويجارونهم في كل شؤونهم ، ونحن نعرف أن هذين الشعبين والترك يتفرعون من أصل واحد

" القصد من سرد هذه الأدلة التاريخية ، إثبات أنه ليس سبب انحطاط العرب والترك والفرس والهند اليوم هو نقص في فطرتهم وضعف في استعدادهم . وأما الدين الإسلامي الذي تدين به فهو دين يخاطب العقل ويحث على العمل والدأب وينوط نجاح الإنسان بعمله ، ولكن سيرتنا تخالف هذه الأصول الكريمة مخالفة ظاهرة . ما السبب في هذه المخالفة " ؟

وتحدث بعد ذلك عن أن كشف النقاب عن أسباب انحطاط الأمة الإسلامية ليس في طاقة فرد أو فردين ، بل لابد من عقد مؤتمر عام يجتمع فيه علماء الأمة وعظماؤها للتشاور في الأمر ؛ وان هذا المؤتمر غير الجامعة الإسلامية التي يخشاها الأوربيون ، ثم اقترح عقد مؤتمر إسلامي عام لا يتطرف إلى البحث في الأمور السياسية ، ويكون بابه مفتوحا لكل من يحب استماع المذاكرات ، وتنشر خلاصة المناقشات في الصحف ، ورأى أن يكون موعد أول مؤتمر في عيد الفطر القادم . واستحسن أن يكون عقد المؤتمر في الاستانة أو في مصر ، المركز الثاني ، ولا يرى عقده في جنيف مثلا .

ثم قام الشيخ علي يوسف واختتم الحفلة قائلا : " أيها السادة : إن أرجى دعوة بين الناس للقبول دعوة قابلت استعدادا تاما من النفوس ، ومكانا واعيا من القلوب .

" وكثيرون من فضلاء المسلمين فكروا في مشروع هذا المؤتمر ، حتى إن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الكواكبي أوجده خيالا وحشد له في دائرة ذهنه مندوبين من كل الممالك الإسلامية ، ألقوا خطبا سامية

ومفيدة نرى مجموعة الآن في كتاب خاص مشهور في مصر وغيرها ، وسيكون كتابه هذا دليلا للناظرين في أحوال المسلمين الفلسفية والاجتماعية . ولسماحة السيد البكري كلام مفيد بشأن هذا المؤتمر في كتاب سماه " المستقبل للإسلام " . ففكرة المؤتمر الإسلامي العام ثمرة ناضجة لغراس عقول كثيرين من عقلاء المسلمين المفكرين .

ولكنهم لم يوفقوا حتى اليوم إلى رجل نافذ العزيمة يقطع سفرا طويلا ليسمع المسلمين أجمع صوته العالي من مكان جدير بأن يسمع منه صوت الحقيقة في كل مكان وزمان . أما الآن وقد وفق الله خطيبنا للفضال إلى هذه الدعوة المباركة في بلد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مصر كنانة الله في أرضه " . هذا البلد الذي أصبح كعبة الإسلام العلمية منذ ألف سنة و أكثر . فقد أجيبت دعوته" ثم أعلن الشيخ علي يوسف أسماء الأعيان والعلماء والأساتذة الذين قبلوا أن يكونوا اللجنة التحضيرية الأولى التى تنظر في اقتراح إسماعيل بك غاصبر ينسكى؛ ولم يبق منهم الآن على قيد الحياة إلا حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمي باشا وحافظ عوض بك .

ولما بلغت حركة عقد المؤتمر الإسلامي إلى هذا الحد أصدر إسماعيل بك جريدة باسم " النهضة " تبحث في المسائل السياسية والإصلاحات الاجتماعية ، تصدر يوم الجمعة والثلاثاء ، من كل أسبوع . وقد صدر منها أول عدد في يوم الجمعة ٢٦ محرم سنة ١٣٢٦ (٢٨ فبراير سنة ١٩٠٨) .

هذه نبذة من أعمال المصلح التركي المخلص إسماعيل بك غاصبر ينسكى منذ خمسة وثلاثين عاما . لقد كان رحمه الله جادا في حركاته في سبيل إصلاح حال المسلمين الاجتماعية والعلمية ، ولأسباب كثيرة لم يستطع الوصول إلى غايته المنشودة ، ولكن عمله هذا يصح أن يتخذ مثالا لنشاط المرء في الخدمة العامة والتفاني فيها .

اشترك في نشرتنا البريدية