هذا عنوان التقرير الذي كتبه وزير المعارف المصرية ، صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا ، ورسم فيه الخطة التي يرى أن تتبعها الحكومة المصرية ، بوصفه عضوا من أعضائها ، في سياسة تعليمها
وقد كان التقليد أن ترى الحكومات رأيها في أمر الإصلاح ، في التعليم كان هذا أو في غير التعليم ، ثم تضمنه خطاب العرش ، ثم تطلقه يوم افتتاح البرلمان كما تطلق القوانين ، فلا يصيبها من تعديل أو تغيير إلا ما قد تصيبه المعارضة من ذلك ، وهو شئ قليل
وقد رأى وزير المعارف الحالي أن يتتبع الطريق الأكثر ديمقراطية ، والأعون على التمحيص ، والأكسب لما تسديه المشورة من خير ، فنشر آراءه على الملأ ، وصاح في الناس هل من دارس ناقد . فكان حقا على كل سامع قادر أن يستجيب إلى هذا النداء ، وأن يدلي بدلوه في الدلاء ، ليس فقط لأن كل دعوة كريمة لابد لها من
جواب ، ولكن كذلك لتثبيت هذا التقليد الديمقراطي ، ولإثبات أن الأمة جديرة بأن تستشار ، وانها في حلبة الآراء ليست بذات عقم . على أن هذه الدعوة ليست كلها كرما ؛ وما كان لمستشير أن يطلب الرأي ويتكرم ، فهو قد رأي بعين واحدة من زاوية قد تكون بحكم الموضع واحدة ، وهو يريد أن يستعير أعينا أخرى في مواضع أخرى يرجو أن تكون بصيرة . فعلى الأمة ، وعلى ذوي الآراء ، أن تعير أعينها متكرمة على وزيرها ، وبالتبع علي أنفسها ، وحسب الوزير ، إن فاته الكرم اقتضاء للديمقراطية ، أن لم تفته الحصافة ، ولم يفته الفخر ، بأنه في الطليعة من رجال الحكم الحديثين الذين يعرفون في هذا للجمهور حقه ، ويقدرون رأيه .
وليس هذا التقرير بأول تقرير لوزير المعارف ، فهو من أرباب السبق والسوابق في هذا المضمار ، فهو أول من أستن سنة التقرير والنشر قبل التقنين والإنفاذ . فتقريره
الأول عن التعليم ، وقد كتبه منذ سنوات خمس أو ست ، لا زال طابعه ظاهرا في نظام التعليم الحاضر . فنظام التوجيهية الحالي ، بما سبق سنة التوجيهية في التعليم الثانوي من إلغاء ، وما تضمنته هذه السنة من تفريع ، إنما هو أثر من آثار ذلك التقرير الأول
ولست أقول إنه أثر كله خير ، ولكني أقول إنه الأثر الأول البارز ، أو هو من الآثار الأولى البارزة التى أثبتت أن جو المعارف الراتب البارد ليس من خلق الطبيعية ، وأنه ليس سرمديا كأجواء الأقاليم ، وأنه يمكن لتلك الحجرات الواسعة العالية المصقوعة المثلوجة أن يدخلها شيء من الدفء ، لو دخلها موقد ذو نار
ولست أكتب هذا لأبدأ نقاش التقرير ، فإنما أنا أنوه ، وأستعرض ، وللكتاب من بعد هذا أن يحاوروا ويداوروا ، وأن يعينوا في استجلاء الطريق الأقوم التي يجب أن تسلكها ذرارينا إلى راحة العيش ومجد الحياة
والتقرير فيه طول ، وفيه عرض ، فهو يقع في نحو من تسعين صفحة ، تتضمن نحوا من ٣٥ ألف كلمة . أي أنه شمل مسائل عدة من مسائل التعليم ، وشملها مساحة لا عمقا ، فالعمق تركه عمدا وتصريحا لأهل الفن في الوزارة وهو عمق كأعماق البحار ، أغوارها الأولى ينفذ إليها نور الشمس ، ثم هي تستحيل بعد ذلك إلى ظلمات بعضها فوق بعض . نسأل الله لأهل الفن السلامة .
لقد سبح الوزير بحار التعليم سبحا ، وترك الأعماق لأهل الفن ، ولكنه كان سبحا شاقا متعبا . وكان أحب البحار إليه المحيط الأطلسي ، فأخذ يتردد بين شاطئيه على بعد ما بينهما من شقة ، فآنا مغربا يستوحي آراء الولايات المتحدة في التعليم ، وآنا مشرقا يستوحى آراء بريطانيا فيما اعتزمته من إصلاح . وحقا سبح عند المنارة من الإسكندرية ، ولكنه لم يلبث عندها طويلا
بدأ الوزير تقريره بصفحات عدة يشرح فيها ما اعتزمته الأمم الديمقراطية - أو إن شئت الأمتان الديمقراطيتان - بعد الحرب من إصلاح في التعليم . وهم قد استمدوا فكرة الإصلاح من الحرب الحاضرة ، ومن الديمقراطية ، ومن الحريات الأربع التي كفلتها تصريحات روزفلت وتشرشل في ميثاق الأطلسي ، ومن النظام الجديد لبناء عالم جديد تسوده راحة العيش واطمئنان الأنفس ، فيسوده من جراء ذلك سلام ثابت دائم مقيم . فقد أجمع البحاث أن لا سلام إلا بنشر مبادئ الديمقراطية ، وأن لا ديمقراطية لا تستند على أساس راسخ من التعليم الصحيح . ولن يكون تطبيق مباديء الديمقراطية - على ما يتمنون - في أمة دون أمة ، بل هو يعم الأمم جميعا . والأصول التعليمية التي توحيها الديمقراطية هي التي ستتعاهد عليها الأمم ، وترتبط عليها بميثاق في النظام العالمي الجديد . وقد كان هم الأمم ذات القوة والسلطان فيما مضي أن تري الأمم المستضعفة على جهالة تسهل عليها أسباب الغلبة ، أما الآن فقد اهتدى البحاث إلى أن العالم وحدة لا تتجزأ ، وأن خير الأمم جميعا ، حتى كبراها ، لا في نشر الجهل والفقر ، بل في نشر العلم وتنمية موارد الأمم جميعا لصالح الأمم جميعا . حتى لذهبوا في هذا إلى أن واجب الأمة الغنية أن تنفق بعض ما تنفق على نشر الثقافة في الأمم التي تأخرت .
فأنت ترى أن التعليم ، كغيره من المرافق ، سيكون موضع تعاون بين الأمم ، وموضع اهتمام الأمم حتى في غير أممها . فالتعليم إذن سائر إلي شئ كثير من التوحيد . وهو توحيد يجاري خطى المدنية إلى التوحد عند الأمم جميعا وهذا أمر لا يرتاب فيه إلا حريص على قبور الموتى ولو أضرت بمنازل الأحياء .
من أجل هذا اتجه الوزير إلى الغرب يطلب مثله في حسم وفي غير إتهام . فمستنداته لجنة " نوروود " ، والكتاب الانجليزى الأبيض ، وجامعة نيويورك ، وجمعية
التعليم القومي في أمريكا ، والأستاذ " دنت " وهلم جرا . وكلهم فحول ، وكلها اسانيد لا تدفع . نعم إنه عند التطبيق يوسع هنا ، ويضيق هناك ، ويطيل هنا ، ويقصر هناك ، ولكنه يفعل هذا فعل الرجل المسلم يوسع سرواله الغربي ليستطيع به الركوع والسجود .
وانتقل التقرير من بعد هذا إلى ما يخشاه البعض من تعطل ينشأ عن توسع في التعليم العام ، فآمنهم من خوفهم بأن التعليم المهني الذي يطلبون ، من صناعي وزراعي ، لا يؤتي ثمره إلا إذا هو استند على أساس راسخ من التعليم العام .
وانتقل التقرير إلي الإصلاح الذي ينشده الغربيون في التعليم فقال إنهم يتوسعون فيه طولا وعرضا وعمقا أما الطول فزيادة في مدة الدراسة ، في الإلزامي للصغار ، والتثقيفي للشباب ، والتكميلى للكبار ، أي أنهم يرمون إلي أن يكون تعليمهم من المهد إلي اللحد . اما العرض فتعريض التعليم حتى يشمل طبقات الامة جميعا . وأما العمق فإتقان للتعليم في نوعه ومادته .
ثم تأتي مشكلات التعليم فيما بعد الحرب ، فيتناول التقرير مشكلات أوروبا ومشكلات مصر ، ويوضح ان مشكلات مصر أثقل وأفدح . فمصر لم تخرب مدارسها بالقنابل ، ولم يقتل ويؤسر ويموت جوعا خمسون في المائة من مدرسيها كما حدث في بعض الأمم . ولكن فداحة واجبها في بناء هذه المدارس التي لم تهدمها الحرب لأنها لم تبن ، وثقل واجبها في تكوين هؤلاء ، المدرسين الذين لا يقتلون ولا يؤسرون لأنهم لا يوجدون .
ثم ينتقل التقرير إلي الشكوي من التعليم ، فيثبت انها شكوي عالمية . ويقتبس مما قاله نقاد الغرب في ذلك ، فإذا بك تراهم هم يشكون مما تشكو . وتسمع لما يقولون فتخال انهم إنما ينقدون التعليم في مصر ، لا في انجلترا أو في الولايات المتحدة . ولا يعجبن أحد من ذلك
فتعليمنا كصناعتنا ، نحتذي فيهما كليهما ما يحتذون ، فنهتدي كلما اهتدوا ، ونضل كلما ضلوا
بعد هذا ينكشف التقرير عن أثمن ما فيه ، عن فكرة هي درة العقد الوسطى ، أو هي البطن من الجسم ، أو هي الصالة الكبرى من الدار توسطتها وتفرعت عنها سائر الحجرات . تلك فكرة ؛ التكافؤ في الفرص
وفي هذا يقول التقرير : " إن على الدولة ان تسوي بين جميع طبقات الأمة فيها تتيح لهم من فرص التعليم وإن هذه المساواة في التعليم بين ابناء الشعب فرض لازم على كل حكومة تريد أن تحقق لكل فرد من أفراد امتها كرامة الإنسان الحر . فالمبدأ الأساسي للتضامن الاجتماعي القائم على الحرية والمساواة والعدالة يوجب أن يتساوي الجميع في المعاملة ، وان تهيأ الفرصة لكل فرد من أفراد الجماعة . وما دام واجبا على كل فرد ان يبذل لبلاده أغلى ما يمتلك وهو دمه ونفسه ، فليس كثيرا أن تفرض الدولة على نفسها أن تبذل له اغلي ما عندها من غير تمييز بين طبقة أو طبقة ، ودون نظر إلي الفقر والغني ، أو الذكورة والأنوثة ، أو السن ، أو العقيدة الدينية ، أو المذهب السياسي
تنبه معي أيها القارئ واعلم أن هذا القول الجميل يقال لأول مرة في مصر بهذا الحزم وهذا الحسم وهذا الوضوح ، ثم اشكر الحوادث أن أتاحت لمصر الفرصة أن يقوم فيها رجل مسئول من ابنائها ، ينادي بهذا الذي ينادي فلا يكمم فوه ، ولا يجري وراء عربة السجان ذووه .
ويخرج التقرير من هذه الفكرة ، بل من هذا الدستور التعليمى الثوري الشامل ، إلي أفكار ونواص اراها كلها له تبعا .
فمن إلغاء المصروفات في التعليم الابتدائي فالثانوي ، إلي تيسير التعليم العالي ، إلى إطالة التعليم الإلزامي ، إلي مدارس الحضانة للأطفال الصغار ، إلى مدارس التعليم
للكبار ، إلي التغدية في المدارس ، كل هذه وأضرابها إن هي إلا تطبيقات لتكافيء الفرص للجميع دون نظر إلى فقير أو غني ، أو عقيدة دينية أو اخري سياسية
واحتاط التقرير فجعل لهذه المساواة حدودا لا يخرج بها إلي معني السخف . من ذلك انه نوع التعليم لا سيما الثانوي ، وعدد صوره ، وكافأ بينها ، ولكنه جعل الدخول إليها مبنيا علي استعداد الفرد وعلي حاجة الإقليم
وبعد ، فليس بمغن ان يتحدث متحدث عن تقرير كهذا في صفحات ثلاث ، فعلى القارئ أن يقتنيه ، وعلى وزارة المعارف ان تسهل اقتناءه ، وعلي ذوي الرأي ، من أهل الحكومة وأهل المعارضة ، بل من أهل المعارضة أولا ثم من أهل الحكومة ، أن يدرسوه عن قرب بحسبانه سجلا لسياسة إن مرت في البرلمان فسيندمغ بها التعليم المصري لجيل ، أو بعض جيل ، أو ربما لأجيال . والسياسة التي تعقد في التعليم ليس من اليسير حلها وإن هي حلت فبقلقلة عظيمة من سوء الحظ الا يدرك أثرها في النشء توا .
إني لم أتعرض للتقرير بنقد ، ولا يحسبن حاسب أنه ليس فيه للنقد مواضع ومواضع . فالسبة ألا يكون في التقرير مواضع للنقد ، إذن لكان بدائه مما لا تحتاج إلى تقرير ، وإنما هذا استعراض خاطف ، وتحية واجبة لرجل مسئول مشغول ، استطاع رغم التبعة والمشغلة ان يتوفر على الدرس في أوقات قد تكون أحق بالراحة من عناء . وتحية اخري : أن لغة التقرير جمعت بين السهولة والرصانة ، فهو مؤلف في غير الأدب بأسلوب الأديب المكين ، نحا فيه كاتبه منحي غير الذي عودنا إياه في " مخالب القطط ومصائد الفئران "

