طال الجدل بيني وبين الأستاذ سيد قطب في مسألتي التصوير الفني في القرآن ، واستخدام المنطق الوجداني في إقرار عقيدة التوحيد
وأنا من زمن أعلنت إلى اكره الجدل العلني في الصحف ولا أرتاح إلى نتائجه على النفس والحق ، لأنه كثيراً ما يجر إلى مواقف لا يدفع إليها إلا التبرير الجدلى وحب انتصار الشخص لا انتصار الحق
وقد أثرت هذين الموضوعين فى نقدى لكتاب الأستاذ سيد برفق وهوادة ؛ فقلت بعد أن وفيته حقه الثناء : « غير أننى أخشى أن تكون قد أفلتت لفظة أو اثنتان من قلم المؤلف في أهم فصل من فصول الكتاب خرجت بهما فكرته الأساسية في جو من المبالغة والتعميم . هكذا أثرت هذا النقد بهذا التعبير المتواضع الذي يكاد يكون استفهاماً ، حتى أجنب الموضوع مزالق الجفوة ، ولا أجره إلى بعض النوازع النفسية التي لا تتصل به ، إذ الجدل في المسائل العلمية خاصة يجب أن يكون خالياً كل الخلو من الملابسات الغربية ، وأن يكون العقل في بروده وصرامته وحيدته هو المتكلم وحده
ولكن انظر أيها القارئ كيف انتهى جدل الأستاذ سيد معى فى المقال الأخير حين يقول : ( وأما الاستدلال المنطق كما أورده في الآيات ) آيات سورة الأنبياء « أم اتخذوا آلهة من الأرض .... الخ ) . فأحب أن أقول عنه : إن القرآن كان أعرف بالنفس البشرية من الأستاذ عبد المنعم ، فلم يسق الأداة كما ساقها هو ، وإلا لكانت متهافتة من وجهة المنطق الذهنى نفسه ، فعى في سياق القرآن شيء يتصل بالفطرة على استقامتها ، فترفض الأوجه المنطقية الزائفة ، وتؤمن بالوجه الواحد الصحيح منها إيمان اقتناع وتسليم ، وهي في سياق الأستاذ عبد المنعم محاولات ذهنية لا تستقيم على الجدل » . « إن القرآن يا سيدى لم يرد الأمر
على النحو الذي تريد » . « فالأستاذ عبد المنعم يرتب مثاليه كلها للمنطق الوحداني
الا يشعر القارى ان عنصرا دخيلا يتطرق إلى طريقة الجدل فيرفع حرارة المجادل ويفسد هدوء المناقشة ؟
لا يا أستاذ سيد ! أنا غير مستعد أن أسير في هذا الطريق ... وقد سرنى كثيراً أن أقرأ من قولك في مقدمة مقالك الأخير هذه العبارة : ( وليست المسألة بينى وبين الأستاذ عبد المنعم قضية جدلية على طريقة المناظرات ، وإنما هي حقيقة نود مجليتها ، وإنه ليرنى من غير شك أن ألتقى بالصديق في الطريق » سرنى هذا ، ولكن ساءني ذاك ، لأنه لا يعين على تجلية الحقيقة كما نود .
ولولا أن الموضوع يتصل باعجاز القرآن من جهة ، وبتجديد الدعوة الإسلامية والدينية الصحيحة عامة لنفضت يدى من الجدل في الصيف ، ولآثرت أن أترك لك الكلمة الأخيرة تدافع بها عن رأيك بأى الأساليب تختاره ، ولكن الموضوع موضوع قضية إعجاز كتاب الإسلام والعربية ، وقضية أساس الفكر الإسلامي والديني الصحيح عامة ، بل قضية الكون كله وأعظم شئونه ! قضية الوصول إلى عقيدة التوحيد... فلا عجب ولا ضير أن يطول الجدل بينى وبينك في هذا الشأن الخطير ما دمنا تحتفظ بالهدوء وضبط الكلمات حتى لا تشذ كلمة جارحة ...
أما القضية الأولى ، وهى قضية « التصوير هو الأداة المفضلة في القرآن » ، فقد وصل الحديث فيها بيننا إلى غايته بعد تكرار الأستاذ سيد اقتناعه برأيه فيها مرة ومرة ، وبعد تجزى طبعا عن نقل كثير من الشواهد هنا للاستشهاد بها ، كما فعلت بنقل النصوص التي وجهت نظره إليها ، وأنا بالطبع ما أردت محاكمته إلى تلك النصوص وحدها ، وإنما أحاكمه إليها وإلى أمثالها ، وأمثالها الأكثر في القرآن
أما الربط بين ( التصوير الفني » ، سواء كان هو القاعدة العامة أم لم يكن ، وبين سر الإنجاز في تعبير القرآن ، فهو مكان الخطر في هذه القضية ، لأنه يفسر إعجاز القرآن بأمور في مستوى الصنعة البشرية التي وانت وتوانى كثيراً من عباقرة البيان الذين يستخدمون التصوير الفني في مستوى رفيع فيه الوحدة والتناظر
والتناسق وتقسيم الأجزاء وتوزيعها في الرقعة المعروضة ، إلى آخر ما هنالك من سمات الطريقة ، ولأن الربط بينه وبين سر الإنجاز يؤدى حتما إلى القول بأن المواضع الخالية من استخدام التصوير ، سواء أكانت في الكثيرة أم القليلة في القرآن ليس فيها إعجاز ! ذلك مفهوم كلام الأستاذ سيد ، وهو مفهوم خطر ! ولا يقولن رداً على هذا : ( أحسب أن ليس هكذا تكون مقايس الفنون ! ة كما قال إزاء الأمثلة التي ذكرته بها ، لأننا لسنا أمام « كتاب فني ) يقدر بمجموعه لا بأجزائه ، بل أمام كتاب يتحدى بسورة واحدة منه ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداء كم من دون الله » وليس بذي خطر في الموضوع أن يكون التصوير هو القاعدة العامة أو لا يكون ، فإنه إذا صح فلن يضير القرآن ، وإذا لم يصح فلن يضير . ولكن الخطر الذى يضير ، هو ذلك الربط بينه وبين الإعجاز ، فواجب الأستاذ سيد كما أرى - وله رأيه - أن يراجع هذا الموضع ، ويحذف كلمة « الإنجاز ) من الجملة الأخيرة من صفحة ٣١ ، وبضع بدلها كلمة أخرى مناسبة
سيقول الأستاذ سيد في الرد على التعليل الأول لرفض الربط بين سر الإعجاز وبين التصوير ما قاله سابقاً «إن العبرة ليست باستخدام التصوير ، ولكن بمستوى هذا التصوير من التناسق والحياة ... وأرد عليه بما قاله الأستاذ الكبير العقاد في مناسبة شبيهة بهذه المناسبة ، حينما كان ينقد كتاب المرحوم الراقي ( إعجاز القرآن ، قال (۱) :
وإنما الأساس فيها ( المعجزة ) ، والحكمة الأولى أنها تخرق النواميس المعروفة وتشذ عن السنن المطرقة في حوادث الكون ، وعلى هذا الوجه يجب أن يفهمها المؤمنون بها والمتكرون لها على السواء ، فيخطى المؤمن الذي يحاول أن يفر المعجزة تفسيراً يطابق المعهود من سنن الطبيعة ، لأنه بهذا التفسير يبطل حكتها ويلحقها بالحوادث الشائعة التي لا دلالة لها في هذا المعنى ، أو بأعمال الشعوذة والتمويه التي تظهر للناس على خلاف حقيقتها » والأستاذ سيد يحاول أن يفسر سر الإعجاز في تعبير القرآن بهذا التصوير الفنى فيطابق بهذا التفسير بين القرآن وبين المعهود من سنن الطبيعة في البلاغة البشرية العبقرية ، ويلحق القرآن بالآثار البلاغية الشائعة
وما أشبه ما حاوله في بيان الإيقاع الموسيقى في القرآن على أنه نون من ألوان التصوير الفني الذي يرتبط به إعجاز القرآن بما حاوله الراقي في فصل ( الكلمات وحروفها » . وقد علق الأستاذ المقاد على هذا النحو الذي تحاد الرافعى فى هذا الفصل بقوله : ( هذا نموذج من شواهد الرافى بنصه ترى أنه قد علق فيه بلاغة القرآن ت شيء هيهات أن يكون مقصوداً أوسارياً في كل آية على النحو الذى يحكيه ، وإلا فما يقول الرافعي في هذه الآية التالية من سورة هود لا قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأم سنمتعهم ثم يعهم منا عذاب أليم :
فإن كانت بلاغة الكتاب الكريم مرتينة بذلك النسق الذى تصوره الأديب ؛ فهل يناقض البلاغة في رأيه توالى الميمات الكثيرة والنون والتنوين في هذه الكلمات المتعاقبة ؟ أو يظن المرافعي هذه الآية بدعاً من الكتاب ؟ )
ما أردت بنقل هذين النصين وخصوصاً النص الثاني من كلام الأستاذ العقاد الذي يجل آراءه الأستاذ سيد ونجلها جميعاً ، إلا أن أبين أن السر في إعجاز القرآن لا يمكن أن يخضع لمقاييس. شائعة ، ولا لقواعد بشرية يتناولها الجهد البشرى بالتعديل ) والتنقيح والنقد والرفض
فالحيرة القديمة التي كانت تمتلك عقول القدماء في فهم سنة الإعجاز القرآنى لا تزال تتجدد وتمتلك عقول المحدثين ، ولن تزالي كذلك ما دام القرآن معجزاً ، وما دام الشرط في المعجزة أن تكون شاذة عن حوادث الكون الشائعة ولا يستطاع تفسيرها .
وحسن جدا من الاستاذ سيد ، و توفيق يهنا عليه عن معالم للجمال الفنى فى القرآن يجليها وأن يصف آثارها في النفس وعجها منها وانفعالها لها ، ولكن من غير الحسن فيما أرى أن بط بينها وحدها وبين سر الإعجاز
وموعدنا المقال الآتى في الرد على اعتراضات الأستاذ سيد على ما أسماء ( المحاولات الذهنية » التي حاولت بها أن أكشف ما في آيات الوحدانية بسورة الأنبياء من استخدام ضروب الذهنية جميعها . وأشكر الأستاذ سيد أن أتاح لي فرصة الكشف عنها صدفة لأول مرة فيما أعلم ، لتضاف إلى أسرار القرآن الكثيرة التي تكشف عنها الأيام فيما تحت سطحه التعبيري )

