الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 377الرجوع إلى "الرسالة"

إكمال بيت في المخصص وتصحيح إحدى حواشيه

Share

إن من شرائط نشر المخطوطات اقتناء الناشر لما يستطيع  جمعه من نسخ الكتاب مخطوطة ومصورة واتخاذ أصح نسخة  منها قطباً يرجع بسائر النسخ إليه ويديرها عليه بالعرض والمقابلة  وقد لا يوجد من هذا الكتاب إلا مخطوطة واحدة. فإن كانت  صحيحة مضبوطة بقراءة العلماء ومعارضتها بالأصل، وكان الخط  جلياً متقناً، عدّ ذلك من بركة النسخة ويمن طائر النشر، وقد  تكون بذلك أصح من المنشورة بعد المعارضة على كثير من  المخطوطات غير المضبوطات، ومن أشباه هذه النسخ الوحيدة  المخدومة كتاب   (المثنى والإبدال)  لأبي الطيب اللغوي صاحب  مراتب النحويين، وصديق أبي الطيب المتنبي، وتلميذ الإمام  المطرزي غلام ثعلب؛ فإني قد ظفرت بدمشق في مكتبة العلامة  أبي اليسر عابدين   (حفيد صاحب حاشية ابن عابدين المشهورة)   بنسخة تغلب عليها الصحة، وعلمت بعد طول البحث والتنقيب  أنها يتيمة في العالم فلم أتمكن من مقابلتها على مخطوطات أخرى،  وإنما هوّن عليّ خطب نشرها غلبة الصحة كما ذكرت عليها،  وسأصفها وصفاً علمياً ببحث خاص في مجلتنا هذه الممتعة قريباً.

أما مخطوطة المخصص لابن سيده المعروف بصاحب المحكم  فإنها تشبه مخطوطة المثنى بكونها وحيدة يتيمة، ولكنها   (قد  ركض فيها البلى ولعب، وأكل منها الزمان وشرب، حتى

أبلى ثوبها القشيب وأذوى غصنها الرطيب)  - كما ذكر ذلك  الأستاذ طه محمود رئيس التصحيح بدار الطباعة الأميرية في خاتمة  المخصص؛ وبذا كثر في المطبوعة البياض والنقص والتصحيف،  ولولا مرجع اللغة والأدب في عصره محمد محمود التركزي  الشنقيطي وجميل عنايته بالمخطوطة لكثرت أغلاطها واستشرى  فسادها، ولكنها مع ذلك لم تخل من نقص، والكمال الرباني  معوز، فوقعت في المتن والحواشي الشنقطية أغلاط لا يحسن  السكوت عليها ولا سيما في أصول اللغة، مثال ذلك ما جاء في السفر  العاشر من المخصص   (ص ١٦٧ س٤) ، وما نصه ورسمه:

(١)  وكنا ما اعتفت=طلاب الترات مطلب فقد علّق عليه إمامنا الشنقيطي رحمه الله التعليقات التالية بنصها: (١)  قوله:   (وكنا ما اعتفت)  هكذا وقع في الأصل، وهي  عبارة لا يدري أهي شعر أم نثر، وليس لها معنى، وقوله   (طلاب  الترات مطلب)  هو بعض بيت من الطويل ورد في قول الخنساء:

تطير حواليّ البلادُ براقشاً ... بأروعَ طلابِ الترات مطلَّب

والشاهد في   (براقش) ، لأن من معانيه الأرض المجدبة  الخلاء، ولكنه ضاع من الأصل مع ما ضاع منه هنا، وكتبه  محرره محمد محمود لطف الله تعالى به آمين. اهـ).

بعد التأمل في هذا التعليق وجدنا مصحّح المخصص ومحرره  لم تكشف له عبارة الأصل فجعلها قولين، وهي قول أو بيت من  الشعر واحد، ولذا لم يدر هل القول الأول   (وكنا ما اعتفت)   شعر أم نثر مع أن ابن سيده ذكر قبله كلمة   (وأنشد) ، ثم جعل  القول الثاني   (طلاب الترات مطلب)  بعض بيت الخنساء،  مع أنها خاتمة أبيات جاهلية كثيرة، وأخطأ في الشاهد إذ جعله    (براقش)  وهو   (الاغتفاف)  أي تناول الغُفّة من العلف، وهي  الشيء اليسير منه؛ والعبارة الأصلية الواردة قبل البيت لا يوقف  عليها إلا بنسخة ثانية كاملة من المخصص، ولعل التعبير التالي  لا يبعد عنها كثيراً، وقد ألّفته بعد مراجعة نصوص اللسان  والتاج وهو: (وإذا كان الربيع   (مقارباً قيل اغتفّ المال  اغتفافاً أي أصاب غفة منه)  أي شيئاً يسيراً وأنشد:

وكنا إذا ما اغتفَّتِ الخيل غُفَّة ... تجرّدَ طَلابُ التراتِ مُطَلَّبُ)

وهذا هو البيت عينه الذي استشهد به ابن سيده، وهو

لطفيل الغنوي لا للخنساء، وإنما استشهد به للاغتفاف لا ليراقش  كما فعل مثل ذلك صاحبا اللسان والتاج في مادتي   (غفف وأغتف) ؛ وهو في ديوان طفيل الغنوي ص٢٦، ونسبه إليه صاحب الأمالي    (٢/٣٤) ، وذكره الزمخشري في أساسه   (غفف)  وعزاه إلى  طفيل أيضاً، وآخره   (يُطلَّب)  بدل   (مطلَّب)  ولعله تصحيف أو رواية أخرى، واستشهد به صاحب تهذيب إصلاح المنطق (ص٧١) وغيره من أئمة اللغة، فليست القضية إذن من الشكائك  الجدلية، ولولا ما في مخطوطة المخصص من التصحيف والنقص  لما وقع كما بينّت إمامنا الشنقيطي في مثل هذا السهو اللغويّ،  وسجدة السهو واجبة في العلم والدين معاً، وقد سجدتها بهذا  التصحيح عنه، وعسى أن يسجدها معي أيضاً من يصحح من  المخصص نسخته، ويغتفر للإنسان الضعيف زلته.

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية