الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234 الرجوع إلى "الثقافة"

إلغاء الكومنترن

Share

إذا قسمنا العالم إلي وحدات سياسية ، تفصل ما بينها حدود واضحة المعالم كانها جدران محيط بكل وحدة من جميع اطرافها ، فإن تقسيمنا هذا يسمي تقسيما رأسيا ، لأن كل حد من الحدود بمثابة حائط قائم ، يعزل كل وحدة عن جاراتها ، ويجعل لها وجودا مستقلا . وكثيرا ما تكون هذه الحدود حقيقة كالحائط المنيع ، كما هي الحال في جبال البرانس بين فرنسا وإسبانيا . ولكن سواء أوجدت تلك الجدران الطبيعية ، أو أقيمت مكانها حدود فاصلة من نوع آخر ، فإن العالم على كل حال مقسم تقسيما رأسيا ، يعزل كل دولة في داخل حيز معروف ، وفي داخل حدود واضحة

ولكن كل دولة تشتمل على طبقات بعضها فوق بعض ، وهذا النظام الطبقى ، يقسم كل دولة تقسيما افقيا . سواء اكان هذا التقسيم قائما على الثروة والمال ، أو علي

الجاه والسلطان ، أو علي العلم والعرفان . ومن ثم جاز للناس أن يتحدثوا عن طبقة السادة والسوقة والأحرار والعبيد ، والعلماء والجهال . وأصحاب الأعمال والعمال . ولقد ذهب بعض الشعوب في هذا التقسيم الافقى مدى بعيدا بأن ألزمت كل فرد أن يزاول مهنة أبيه ، وأن يظل هكذا في طبقته فلا يبرحها ، ولا يخترق الفاصل الطبقى . والإخرج على العرف والدين والتقاليد .

وهذه الطبقات في داخل كل أمة ليست مشابهة تماما للطبقات في كل أمة أخري ، ولكن هناك تشابها كبيرا في التقسيم الطبقي بين كثير من الأمم ، وهذا التشابه واضح كل الوضوح بوجه خاص في الأمم الكبيرة التي تمتاز بها العصور الحديثة

ووجود اقسام او طبقات متشابهة في كثير من الدول كان من شأنه ان خلق تقسيما افقيا في العالم واخذ

الناس يتحدثون عن طبقات الحكام ، وطبقات العمال ، وطبقات العلماء وغير ذلك من الاصطلاحات ، التى تنتظم  العالم كله ، ويصرف النظر فيها عن الحدود السياسية التي تفصل بين الدول .

ولم يكن يد علي مدى الزمن من ان تدرك هذه الأقسام المتشابهة ما بينها من الروابط وأن تسعى في أن يتصل بعضها ببعض ، وان يشملها نوع من النظام المشترك . وقد ساعدت سهولة النقل وسرعة السفر بالوسائل الحديثة ، على الاتصال بين هذه الطبقات . وكانت الطوائف العليا أسرع الطبقات إلي التآخي ، أو علي الاقل إلي التظاهر  بمظهر  الإخاء . فلقد كان ملوك أوربا في الأزمنة الحديثة يتخاطبون يا أخي ، أو - في أحوال شاذة - يا ابن عمي . ولم تلبث بعد ذلك الجماعات الاخري أن أخذ بعضها يتصل بالبعض ، ويلتقي أصحاب الحرف الواحدة أو الأغراض المتشابهة ، مرة في كل عام ، أو في كل عامين أو ثلاثة ، فيأتمرون في شئونهم . ثم ينصرف كل وفد إلي بلده ، لكى يسمي في تنفيذ ما اتفق عليه المؤتمرون بقدر الإمكان .

والمادة أن يكون قوام النظام الدولي لكل طبقة شيئين : أولهما مؤتمر دولي يجتمع في دورات منظمة . والثاني مكتب دولي له مقر ثابت في مكان من الأمكنة ، وتعمل فيه سكرتيرية دائمة ، هي حلقة الاتصال بين الجماعات المشتركة في هذا النشاط الدولي الخاص .

وسيقول قائل إن هذه الأقسام الأفقية الدولية تضر بالاستقلال القوي ، وتنقص منه نقصا شديدا . ولكن هذا يتوقف إلي حد كبير على نوع الطائفة وبرنامجها . فإن اتحاد الشعراء مثلا إذا اجتمع كل عام لكي ينظر في الوزن والقافية ، وما يجوز للشاعر دون النائر ، لا يمكن أن يضر بالاستقلال السياسي ضررا بليغا

والإتحاد الدولي للبريد نعمة من اكبر النعم على جميع

سكان العالم . وإذا حد من استقلال امة بأن منعها من الميت ببريد ايه دولة اخرى . فان في هذا خيرا كثيرا للجميع

والمذهب الكاثوليكي هو من غير شك من النظم الدولية ، لأنه يخترق الحدود السياسية في العالم القديم والجديد ، ولا بد لكل حكومة تريد أن تضطهد هذا المذهب ، ان تدرك انها بعملها هذا تجرح شعور حكومات وشعوب عديدة ، ومثل هذا يقال ايضا عن اليهود المنتشرين في جميع أنحاء العام .

وصفوة القول إن هذا النشاط الدولي لطوائف عديدة  يخترق نظامها الحدود السياسية ، لن يكون له أدنى ضرر باستقلال اية دولة ذات نظام داخلي متين . وفوق هذا فإن هذا النشاط كان خير وسيلة لتنظيم الصلات والروابط بين الامم وإزالة ما بينها من اختلافات ، لو تركت وأهملت لكانت لها عواقب وخيمة

والكومنترن مظهر من مظاهر هذا النشاط الدولي ، الذي يخترق الحدود السياسية . ولفظ كومنترن اختصار الكلمتين كومونست ) شيوعي ( وانترنا سيونال ) دولي ( . أي الرابطة الشيوعية الدولية ، وهي الهيئة التي جاهرت ألمانيا بمعاداتها ، وألفت " اتحادا " من بضع دول لمناهضتها . والتي طلبت روسيا في الشهر الماضي من المشتركين فيها إلغاءها .

والكومنترن يدعي أيضا باسم " الهيئة الدولية الثالثة " . وقد سبقتها هيئة أولى وثانية ، وهي كلها ذات صبغة اشتراكية أو شيوعية ، وقوامها الطبقات العاملة التي تشتغل في المصانع ، وقد اضيفت إليها بعد ذلك طبقة الفلاحين .

وقد تأسست الهيئة الدولية الأولى في عام ١٨٦٤ ، بتأثير التعاليم الصادرة من كارل ماركس وإنجلس . وكان

كلاهما من أعضائها العاملين . ولكن الجو لم يكن ملائما لإنشاء مثل تلك الهيئة . وطبقات العمال لم تبلغ المرتبة التي تمكنها من تنظيم مثل تلك الحركة . ولذلك سارت سيرة عرجاء منذ إنشائها ، إلى ان طويت في عالم النسيان ، بعد إنشائها بعشر سنين .

واسست الدوليه  الثانية عام ١٨٨٩ ، بعد وفاة الأولى بخمسه عشر عاما . وكانت خليطا من العناصر الاشتراكية والشيوعية ، ولكن تغلب عليها الصفة الاولى . وكانت أحزاب العمال والجماعات الاشتراكية قد أخذت تظهر في كثير من دول اوربا وتتألف منها احزاب سياسية منظمة .

وازدادت الدولية الثانية قوة ونشاطا حتى كان من بين اعضاء مكتبها في عام ١٩١٢ اشخاصا عظماء مثل لتين ، ) وابيرت الذي صار رئيس الجمهورية الالمانية بعد الحرب العالمية الاولى . وستاذنج الذي اصبح فيها بعد رئيس حكومة السويد ، ورمزي مكدنالد الذي صار رئيسا للحكومة لبريطانية نفسها . وقد عنيت هذه الهيئة عناية خاصة بالسياسية الدولية ، وبالعمل علي منع الحرب . ولكن لنزعات القومية تغلبت عليها ، واشتعلت الحرب العالمية الأولي بالرغم منها . وخمدت الحركة خمودا تاما في أثناء تلك الحرب

ولكنها عادت إلي الانتعاش مرة اخري بعد الحرب ، ونظمت صفوفها ، وزادها قوة ظهور هيئة جديدة ، وهي الكومنترن ) أو الدولية الثالثة ( .

وهناك فرق كبير بين الثانية والثالثة في المبادئ والأغراض والاساليب . فإن الحركة الدولية الثانية تلتمس الوصول إلي أغراضها بالوسائل المشروعة ، وبالتعاون مع الحكومات القائمة ، وتميل إلي النظم البرلمانية الديمقراطية

أما الحركة الدولية الثالثة ، فإن ظهورها يرجع إلي تدهور الحكم القيصري في روسيا ، ولأن قادة الحكم في المانيا رأوا من المصلحة أن يسمحوا لكل من تبين

وترونسكي ان يذهبا إلى روسيا ، لكى يتوليا تنظيم الثورة الجديدة في روسيا .

وكان لنين قبل ذلك من الأشخاص البارزين في الحركة الدولية الثانية ، وكان يقود جماعة مستقلة ذات نزعة شيوعية ، وكان يرجو أن يوفق إلى تحويل الحركة الدولية الثانية إلى هيئة شيوعية من غير حاجة إلى خلق هيئة جديدة . فلما خانه التوفيق في هذا اضطر إلى تأسيس الدولية الثالثة ) الكومنترن ( في موسكو في شهر مارس سنة ١٩١٩ . حيث أنشئ لها مكتب خاص لإدارتها والإشراف عليها .

كان الكومنترن إذن عبارة عن نظام دولي مركزه ولو مؤقتا موسكو ، يجمع الاحزاب الشيوعية في جميع الدول ، ويضع لها النظم ويرسم لها الخطط ، ويراقب تنفيذها مراقبة دقيقة .

بهذا اختلف الكومنترن عن كل هيئة دوليه اخرى لأنه هيئة مركزة تأثمر أجزاؤها في كل أمر ذي خطر - بالأوامر التي تصدر لها من المركز الرئيسي في موسكو ، الخاضع من غير شك لتأثير الحكومة الروسية . وهكذا ظهرت في العالم السياسي ظاهرة جديدة . وهي هيئة خاضعة لإحدي الحكومات . تصدر تعليمات إلي رعايا حكومة أخرى . ومن أجل هذا اضطرت بعض الحكومات إلي تحريم الجمعيات الشيوعية بتاتا .

وقد استغلت الدعاية الالمانية هذه الحالة أشد استغلال وأسرفت في التنديد بالحكومة الروسية ، وبمن يصادقها " أو يتحالف معها . ورأت حكومة موسكو أن تسد هذا الباب في وجه الدعاية الالمانية ، فقررت إلغاء الكومنترن وطلبت من الأحزاب المشتركة فيه في جميع الدول أن توافق على هذا الإلغاء فقبلت بالإجماع . وزالت الدولية الثالثة من الوجود .

والحقيقة أن الدعاية الألمانية ضد الشيوعية الدولية

كانت دائما دعاية فارغة لا تقوم على أساس متين . وذلك لسنين:

أولهما : ان النشاط الدولي الروسي قد هدا منذ تولى ستالين حكم روسيا .

ثانيهما : أن النظام الشيوعي في روسيا قد أصبح ملطفا ، واتخذ صورة أقرب إلي الاشتراكية . والرأسمالية الحكومية .

فإن ستالين لم يكد بتولى الحكم في روسيا ، حتى نشأ نزاع بينه وبين تروتسكى ، فالأخير كان لا يزال يحلم  بنظام عالي ، ونشاط يتناول جميع طبقات العمال في العالم أما ستالين ، فكان ينظر إلي الأمور نظرة قومية . ويري أن أول واجب على حكومة روسيا أن تعنى بروسيا وبالشعب الروسي . وان في موارد روسيا الواسعة ما لو احسن استغلاله لأصبحت به، من أغني الدول وأكثرها رفاهية ورخاء . لهذا كف قادة روسيا عن التحدث عن نظام شيوعي عالي ، ووجهوا كل عنايتهم إلى ترقية الصناعة وتحسين وسائل النقل ، وإنشاء المشروعات الضخمة ، التي تدر غلات تزداد عاما بعد عام

أما أن المبادئ الشيوعية نفسها قد عدلت تعديلا جوهريا ، فإن هذا ما شهد به كثير ممن درسوا الحياة عن كتب في روسيا ، وحسبنا هنا ان نستشهد بما جاء في  كتاب المستر ديفز رئيس الوفد الأمريكي إلي موسكو . حيث يقول : " ليس من شك في ان قادة الحكومة الروسية قد اضطروا لأن يعدلوا عن المبدا الشيوعي بأن يكون الأجر على قدر الحاجة ، إلى المبدا القديم القاضي بأن يكون الأجر على قدر العمل والجهود . وهذه الحالة تسود النظام الحالي كله . . وهكذا نري أن النظرية التي تري إلي خلق شعب يتألف كله من طبقة واحدة ، قد  اخذت تتلاشي بالتدريج فالحكومه نفسها عباره عن

نظام بيروقراطي يشتمل علي جميع الرتب ، والمميزات الملحقة بكل رتبة ، مثل ارتفاع مستوي المعيشة وما شاكل ذلك . والكتاب ورجال الفن لهم ميزات عديدة ، ويتمتعون بكثير من المتع التي لا يمكن إحرازها إلا بفضل من المال .

وعضوية الحزب تجعل لصاحبها مكانا ممتازا وتلحقه بطبقة ممتازة ، وفي الصناعة أخذ نظام الطبقات يظهر بوضوح ، ويزداد ظهورا على مدى الزمن بسبب النظام الذي يقضي زيادة الأجر لزيادة الإنتاج . فترتب على هذا أن طبقة من العمال أصبحت تعيش عيشة أرغد وتسكن في منازل أرحب من غيرها . وصارت في الواقع طبقة ممتازة بين طبقات العمال .

ومثل هذا يقال عن الجيش ، فقد ردت إليه رتبه المختلفة ، وأصبح عبارة عن طبقات بعضها فوق بعض ولكل طبقة ملابسها ونياشيتها وبزتها الخاصة بها .

وفوق هذا كله فان حكومة روسيا الحالية قد عدلت تماما عن  فكرة الشيوعية والثورة الدولية ، واتجهت جهودها كلها إلي تنمية الروح القومية ، واخذت تقوم بدعاية قوية في هذا السبيل " .

هذا قليل من كثير مما ذكره المستر ديفز عن هذا الموضوع في كتابه " بعثة إلى موسكو " وهو رجل دقيق الملاحظة ، شديد العطف على روسيا . ومن كلامه هذا يتضح أن روسيا لم تكن شديدة التمسك بالكومنترن . بل لعلها كانت تنتظر الفرصة المؤاتية للتخلص من هيئة ، لم تفقدها فائدة كبيرة ، ولعلها جرت عليها كثيرا من المضايقات . وبهذا الإلغاء أثبتت انها لا تنوي أن يكون لها أدنى صلة بالشئون القومية الداخلية ، أو بأي نظام من النظم السياسية في أي بلد من البلاد .

اشترك في نشرتنا البريدية