الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669الرجوع إلى "الثقافة"

إلغاء المعاهدة

Share

كان أهم حادث فى مصر هذا الأسبوع إلغاء معاهدة سنة ١٩٣٦ واتفاقيتى السودان . ومع أن دين الإسلام يؤكد عدم إلغاء المعاهدات ، والمحافظة على تنفيذها ، فيقول الله تعالى " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " اضطر المصريون إلى هذا الإلغاء ، بعد أن ضاقت صدورهم من معاملة الإنجليز لهم .

وقد ظلوا ستة عشر شهرًا بعد عدة سنين يفاوضونهم ، والإنجليز يحاورونهم في إحلال لفظ مكان لفظ ، وصيغة مكان صيغة ، أما جوهر المعاهدة فباق لم يغير . أضف إلى ذلك أن الإنجليز كانوا أول من نقضوها ؛ فقد نص فى المعاهدة على تحديد عدد المحتلين فتجاوزوه بأضعاف ، ونص فيها على تدريب المصريين وإمدادهم بالسلاح الكافى فلم يفعلوا ، فلما لم تجد أية محاولة ، اضطر المصريون إلى الإلغاء ، وحسنًا فعلوا . فقد شبوا عن الطوق ، ولم تعد تجوز عليهم الحيل .

لقد غيروا الاحتلال بالانتداب ، ويريدون أن يغيروا الانتداب بالدفاع المشترك . وكل ذلك في القاموس السياسى سواء .

وهذا الاحتلال بغيض كل البغض عند المصريين ، يخدش

شرفهم ، ويقف في سبيل عزتهم ، وكان مقبولًا في الزمن الماضي أيام الغفلة وضعف النفس ، ولكن تطور الزمن . وأصبح ممقوتًا وبدعة قديمة . وقد تحررت منه أمم أوربية مسيحية كثيرة ، ليس شأنها ولا مركزها أعلى شأنًا من مصر ، وكان الإنجليز أنفسهم يساعدون في تحريرها ، ويحاربون بالسلاح من أجلها كما فعلوا في اليونان . أكان ذلك لأن مصر بلد إسلامى ولا تزال معانى الحروب الصليبية متغلغلة في نفوس الأوربيين مع دعواهم التحرر منها ؟ أم لشئ آخر ؟ .

على كل حال ألغيت المعاهدة ، وبقى النظر فيما يتبع الإلغاء . وربما كان ما يتبعه أصعب منه . فهو يحتاج إلى رسم خطط دقيقة وتنفيذها فى حزم .

وهناك فرضان قد تسلك أحدهما إنجلترا : الأول أن تضبط عواطفها وتملك نفسها وتجارى الظروف ، وتسوس الأمور في حكمة ، وتعلم أن السياسة التى كانت تسير عليها قديمًا لا يصلح تطبيقها اليوم ، فقد كان ظهور مركب حربى فى المياه المصرية كافيًا للقضاء على كل ما يعارضها كما حدث ذلك من قبل مرارًا ، ولكن اليوم لو ظهرت أساطيل بأكملها ما غيرت موقف مصر . والحكمة تقضى بأن يواجه كل أمر

بالأساليب التى تتفق مع زمنه ، وأن يغير منهج كلية " إيتون " التى تخرج السياسيين كلما تغيرت الظروف . ولا تجمد على أساليب القرون الوسطى .

ولئن كانت إيران تعتز بمعاهدتها مع روسيا ، فنحن نعتز بدقة موقعنا الحربى ، ونصرة العالم العربى لنا ، وحاجة العالم الغربى إلى مصانعتنا .

والفرض الثانى أن تركب انجلترا رأسها ، وتعتز بقوتها وتضرب ضرباتها من غير حكمة ، وتشمخ بأنفها ، ويحاول الحزب الانجليزى الذى يتولى الحكم أن يظهر قوته ، لينفعه هذا الموقف فى الانتخابات القادمة ، ولكن سواء كان هذا أو ذاك فالمصريون لا يتغير موقفهم . ويجب أن يثبتوا على خطتهم ، ولا يتراجعوا عنها قيد شعرة ، فقد علمتنا الحوادث أنه بعد الشدة المصطنعة تكون المسالمة ، لأنهم فى أشد الحاجة إلينا ، وبعد شد الحبل يكون إرخاؤه ، وإلا انقطع .

ثم لنرجع إلى الأساس . ماذا يكسبون من وراء هذه المشادة والمخاصمة ومن هذا الاحتلال ؟ إنه فى الحق لا يساوى مجهودًا . والطبيعى أن تلك الأمة أمر نفسها ، ومن غير الطبيعى أن تكون الحرب والخصام لأجل منفعة ظاهرية لا تساوى ما يذهب من أجلها . وليضع الإنجليز أنفسهم موضعنا ، هل كانوا يقبلون احتلالًا أجنبيًا ، أو يرضون بالمذلة النفسية كهذه ؟ أو أنهم يأنفون من ذلك كل الأنفة ، ويضحون بكل تضحية ؟.

لقد أحس الإرلنديون هذا الإحساس الذي نشعر به ، وبذلوا من التضحيات ما لم نبذل ، مع أنهم من الإنجليز بالمعنى الواسع . فكيف بهم إذا احتلهم شرقى . ومع ارتباطهم بالإنجليز لحاجة الإنجليز إليهم مكنوهم من الاستقلال ، وخضعوا للواقع أمام التضحيات العنيدة ، واعتقادهم أن إيرلندا ألزم لهم من مصر . ولكن قرب التجانس ، وقرب اللغة ، وقرب الدين ، جعلتهم يسمحون لهم بما لم يسمحوا به لنا .

. لسنا ننكر أن قوة الإنجليز أكبر من قوتنا ، ولعبهم فى السياسة أمهر من لعبنا ، ولكن ليست القوة واللعب بالسياسة كل شئ ؛ فهناك الحق ، وهناك الظروف التى يقتضيها العصر ، وهناك الملابسات التى تحتم أن تجاريها السياسة وتذعن لحكمها .

إن الانجليز فى سياستهم الداخلية تعلموا من موج البحر الذي حولهم كيف يتموجون ، وكيف يجارون الزمان ؛ فبعد أن كانوا رأسماليين إلى الحد الأقصى أصبحوا اشتراكيين إلى الحد الأقصى أيضًا ، وبعد أن كانوا جامدين متزمتين أصبحوا عمالا متسامحين ، وبعد أن كانوا لا يرضون بتأميم المنافع العامة أصبحوا يرضون بتأميمها فى الغالب ، فما بالهم يتأقلمون فى السياسة الداخلية ، ولا يتأقلمون فى السياسة الخارجية أى تأقلم ، بل يسير الخلف على آثار السلف من غير أى تحوير ، والتأقلم فى السياسة الخارجية أدق وألزم .

لقد اضطرهم الاستمرار على سلوك واحد في المسائل الخارجية إلى استقلال إيرلندا ، واستقلال الهند ؛ وسيضطرهم إن شاء الله إلى استقلال إيران واستقلال مصر ، فالظروف واحدة أو متشابهة ؛ فلا بد أن تكون النتيجة واحدة أو متشابهة ، وبدلا من أن تستقل إيران ومصر والعراق بالإكراه ؟ فخير من هذا أن تستقل هذه البلاد بالرضا والاختيار لحفظ الجميل . إن الحكيم هو من رأى الأمور من بعد ، فتأقلم لها وجاراها ، لا من لم يرها حتى تحدث ثم واجهها فى عماء .

وليس ينفعها فى ذلك مسايرة فرنسا وأمريكا في سياستها ، لأن لهؤلاء مصالح فى الاستعمار لا تخفى ، ويوم تستقل مصر يشتد طلب المغاربة للاستقلال عن فرنسا ، وهكذا .

والاستعمار نغمة واحدة ، إذا أبطلت فى ناحية ، أبطلت فى النواحى الأخرى .

هذا فى مصر أما فى السودان فنحن نعلم أن الاستقلال الذي يمنى به الإنجليز السودانيين ليس إلا نوعًا من الخديعة ، فهم يريدون فى الحقيقة الاستقلال بأنفسهم فى السودان . لا استقلال السودانيين أنفسهم .

ولو كنا نعلم أن السودانيين سينالون حقًا استقلالهم لا أن الاستقلال للانجليز ، لتغير موقفنا إزاء السودان . والحق أننا لقينا من المكر والآلاعيب والدسائس ما علمنا كيف يلعبون .

إذا فهم بين أمرين ، إما أن يؤمنوا بالحق فى صراحة ، أو يبحثوا عن ألعاب جديدة أخرى لا نفهمها ، وكل ما نرجو أن يثبت المصريون ويفهم الإنجليز .

اشترك في نشرتنا البريدية