حمل البريد إلى (الرسالة) وإلى عدداً من الرسائل الواردة من العراق، تتراوح لهجاتها بين الحملة العنيفة، والعتاب الرقيق، على ما فهم الأخوان هناك من اتهامي لهم بأنهم من قراء الدكتور عبد الرحمن البدوي!
فمن أمثلة الحملات العنيفة رسالة من الأديب (صلاح الدين بيات - كلية الحقوق ببغداد) يقول فيها:
( . . . قرأت في العدد ٦٧٤ من مجلتكم ما أدهشني بل وأغضبني حقاً. حتى كدت من فرط غضبي وحنقي أن أمزق المجلة وألعن كاتب السطور. . .
(فقد كتب (سيد قطب) أن (كتب الدكتور بدوي تقرأ في العراق !) وقد زعم بأن سائلاً قد سائل (من الذي يقرأ كتب الدكتور بدوي ؟. . . .) فكان الجواب ما أوردت)
ثم يقول في نفس الرسالة:
(معذرة يا سيدي. لا يذهبن بك الظن إلى هذا الحد - وإن بعض الظن إثم - فالعراق ليس بمثل هذه الدرجة من البلادة والغباوة بحيث يقرءون عبث صبيانكم وسفاسفهم).
إلى أن يقول:
(وثق أيها الأستاذ أن كثيرا من كتبكم التي تقرأ تنقد.
بل أحياناً - أقول لك بصراحة - إنها تستخف، ويوصم بعض كتابكم بالمتاجرين في الأدب!
(أكتب هنا وأنا منفعل اشد الانفعال من كلمتكم الجارحة إذ لا يفتأ بعض كتاب مصر العزيزة من جرح شعور العراقيين في كل فرصة سانحة، ولا أدري سبب ذلك. . .).
ومن أمثلة العتاب الغاضب ما جاء في رسالة للأديب (عبد الله نيازي) :
(مما حز في قلبي أني قرأت في عدد (الرسالة) ٦٧٤ للأستاذ سيد قطب رأيا في العراق والعراقيين يخالف الواقع.
حيث أن حضرته الصق بالعراقيين تهمة قلة الذوق الأدبي، وعدم التفهم لما يقرءونه، بتصريحه أن كتب عبد الرحمن بدوي لا تقرأ إلا في العراق. مع أني أؤكد بأن بدوي المشار إليه ليس إلا نكرة في العراق.
( وحسبي أن أقول للأستاذ سيد قطب ما يلي:
( هل زرت العراق أيها الأستاذ وشاهدت بنفسك جمهور العراقيين يتهافتون على شراء كتب عبد الرحمن بدوي، أم ان القضية لا تعدو السماع؟. . . فإذا كانت الأخيرة، فليس من اللياقة والكياسة أن تتهم شعباً ناضجاً بتهمة هو بريء منها ).
ومن أمثلة العتاب الرقيق ما جاء في رسالة (قارئ) حيث يقول:
(- لولا أنني أعرفك من كتاباتك. ومن بعض أخواني العراقيين الذين زاروا مصر وتحدثوا إليك، وعرفوا روحك بازاء أدب الشقيقات العربية وأدبائها. . . لولا هذا لاتهمتك بالتعصب الشديد ضد العراق. ولولا ذلك لما اتهمته في ذوقه مثل هذا الاتهام الجارح. . . فمن قال لك سيدي إن كتب دكتوركم عبد الرحمن بدوي تجد قراء كثيرين عندنا. وهل خفت أن نتهمكم أنتم - المصريين - في ذوقكم بمناسبة هذا الديوان فرأيت أن تلقي التهمة على العراقيين. . .؟!
(. . . على كل حال. هذه مغفورة لك. لما أعلمه ويعلمه الكثيرون عنكم هنا من عدم التعصب، وعنايتكم بآثار أدباء العربية في جميع البلدان الشقيقة. . . والسلام).
وأكتفى بهذه الأمثلة الثلاثة للدلالة على تلك الحساسية الشديدة في نفوس إخواننا العراقيين. ولكنني في الحقيقة أميل إلى أن التمس لهم العذر في أعنف حملاتهم عليّ وعلى (الرسالة) .
إن التهمة ثقيلة، وجارحة. ومن حقهم أن يتبرأوا منها!!!
ولكن أسلوبي كان واضحاً مفهوماً، في أنني لست صاحبها.
وقد جاء في كلمتي بالحرف الواحد:
(ومعذرة لإخواننا العراقيين. فناقل الكفر ليس بكافر
وفي وسعهم أن يدافعوا عن أنفسهم ضد هذا الاتهام).
فكيف جاز لأحد منهم أن يفهم أنني أنا الذي ألقى عليهم هذه التهمة لولا أن سورة غضب جامحة، وحساسية كذلك شديدة لم تدع لهم أن يتبينوا مرامي قولي، وأن يدركوا كذلك وجه النكتة، وأسلوب التهكم المقصود؟!
أغلب الظن أن جماعة صغيرة من متحمسي الشباب هناك هم الذين ألهبهم الغضب، فأنساهم النظر في مدلول ما كتبت. وأن الآخرين - وهم الكثرة - من القراء والأدباء في العراق، فهموا وجه القول، فلم يجدوا فيه طعناً للذوق العراقي، ولا منقصة ولا اتهاماً!
ولقد لمحت في بعض الرسائل الثائرة روحاً من التعصب المحلي الضيق، فلم أرد أن اقتطف هنا ما يدل عليها، فلعلها سورة غضب وقتي، ثم يعودون فيرون أم مصر والصحافة المصرية حفية بكل أدب عربي، وإنني أنا باللذات توهت بمعظم ما وقع لي من هذا الأدب كالأدب المصري سواء. أما (الرسالة) بخاصة فلا يمكن أن تتهم بإغفال أدباء البلاد العربية وعلى صفحاتها تجري أقلامهم، وقد تكون هي أول من يعرفهم حتى إلى مواطنيهم. على أن هناك ما ينفي التعصب جملة: أليس الكتاب الذي يلقى هذا النقد كتاب شاب مصري؟!
ولقد شكوت مرة من صعوبة حصولنا على مطبوعاتهم.
وعندي بحث عن شعراء الشباب وبحث عن القصة الحديثة
أؤجلهما فترة بعد فترة لأنني ل ما أستطيع إلى اليوم الحصول على إنتاج البلاد العربية فيهما، ولم أرد الاكتفاء بالأدب المصري، فهل بعد هذا نتهم مصر بالتعصب

