قرأت يا سيدى مقالكم فى الثقافة عن ضيعة الأدب ذلكم المقال الذى تفضلتم فأهديتموه إلى .. إنها لفتة كريمة كان لها فى نفسى وقع عميق . إنني لم أعتبرها هدية شخصية من الدكتور أحمد أمين بك إلى سيد قطب . لقد اعتبرتها هدية جيل إلى جيل .. ومن هنا كان وقعها العميق في نفسى .
هدية جيل إلي جيل ، رمزا لشعلة الفكر المقدسة ، التى تظل مضيئة أبدا ، تنتقل ، لا من فرد إلى فرد ، ولا من جماعة إلى جماعة ؛ بل تنتقل من جيل إلى جيل ، ومن الشرق إلى الغرب ، ومن الغرب إلى الشرق ، لتظل مضيئة أبدا ، لأنها سر الله فى الإنسان ، وآية تكريمه فى الأرض .
ولقد تحدثتم يا سيدى عن الأدب وأصله حديثا يليق برجل
مثلكم مجرب ، فقلتم كلمة الحق فى جيلكم ، وقلتم كلمة الحق في الجيل الجديد . .
قلتم عن جيلكم : ونقطة أخرى يؤسف لها ، وهو أن الأدباء عندنا كانوا أدباء مستقلين لا يعدون من يخلفهم , فإذا زالوا زالت مدارسهم ، وتسكع من بعدهم طويلا حتى يختطوا الطريق ، لم يفعلوا ما تفعله شجرة اللوز ، فقيل أن تموت تترك خلفا لها من جنسها ، إنما فعلوا ما فعلت شجرة الورد تنضر حينا ثم تذيل من غير عقب .
وقلتم عن الجيل الجديد : وكما يحمل تبعة ذلك الأديب نفسه ، يحمله الأديب الناشئ ، فهو ينفر من أن يكون مريدا ويود أن يتزبب قبل أن يتحصرم ، أو أن يطلع المئذنة من غير سلم ، وما هكذا تنال الأمور .
أنا أقركم على كل ما قررتم فى شأن الجيلين . ولكنى أستمحيكم عذرا فى أن أحمل جيل الشيوخ أكبر التبعة . لقد كان عليهم أن يصححوا أخطاء الشباب . ولقد كانوا مستطيعين لو أرادوا . مستطيعين بروح العطف والتشجيع والقدوة . ولكنهم كانوا من الأنانية - ومعذرة إذا قسوت - بحيث لم يروا إلا أنفسهم وأشخاصهم . فلم يعد لديهم وقت للمريدين والتلاميذ . ولم تعد في أرواحهم فسحة تسمع المريدين والتلاميذ .
لقد كانوا أنانيين ، فلم يشعروا المريدين أنهم يعدونهم شئ , ويهيئونهم لتلقى الشعلة , وأن الطريق أمامهم طويل ، لأن العبء الذى سيلقى على عاتقهم ثقيل .. ومن هنا استعجل الشبان وقلقوا وحاولوا صعود المئذنة من غير سلم ! .
ودعونى الآن أصدر حكم بتجربتى الخاصة ، التى تركت فى نفسى ذات يوم مرارة ، ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل ، حتى صفت روحى منها ، وذهبت عنى مرارتها ، وأصبحت مجرد ذكرى قد تنفع وتعظ ...
لقد كنت مريدا بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين . ولقد كنت صديقا أوودودا مع الآخرين من جيلكم كذلك . لقد كتبت عنكم جميعا بلا استثناء . شرحت آراءكم وعرضت كتبكم ، وحللت أعمالكم بقدر ما كنت أستطيع .
ثم جاء دورى .. جاء دورى في أن أنشر كتبا بعد أن كنت أنشر بحوثا ومقالات وقصائد . لقد جاء دورى فى نشر الكتب متأخرا كثيرا ، لأنى آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سلم ، وأن أتريث فى نشر كتب مسجلة حتى أحس شيئا من الضج الحقيقى يسمح لى أن أظهر فى أسواق الناشرين .
وكان أول كتاب نشرته هو ذلك الكتاب الذى نال إعجاب صديقكم الراحل المغفور له عبد العزيز باشا فهمى ، ذلك الإعجاب الذى آثرتم أن تبلغونى نبأه فى رسالة منكم إلى وأنا مريض ، لعل ذلك أن يكون له أثر طيب فى صحتى كما قدرتم ، ذلك هو كتاب التصوير الفنى فى القرآن .
وكان كتابا موفقا حقا . أقولها الآن مطمئنا بعد أن أصبحت حقيقة أدبية منفصلة عن شخصى .
فماذا كان موقف أستاذى ؟ وماذا كان موقف جيلكم كله ؛ ماذا كان موقف جيل الشيوخ ، لا من هذا الكتاب وحده ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن ؟
أراجع كل ماخطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب . فلا أعثر إلا على حديث فى الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازنى ، وإلا إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم فى أخبار اليوم ...
هذا كل ماخطته أقلام جيل الأساتذة عن عشرة كتب لمريد جيد درس كل آثارهم واستوعبها ، ونوه بها ، وشرحها وحللها ، فى خلال عشرين عاما ! .
وأنا اليوم أحمد الله على أننى خططت طريقى بنفسى مستقلا وبجهدى خالصا . لم يأخذ بيدى عظيم ، ولم يقدمنى إلى الناس أستاذ ... ولكن كلمة طيبة من جيل الأساتذة كانت قبل خمس سنوات فقط تعد فى نفسى شيئا عظيما ، وتترك فى روحى أثرا طيبا .. غير أنها - مع الأسف - لم تكن . وحتى الكلمتان اللتان جاد بهما هذا الجيل جاءتا متأخرتين عن موعدهما كثيرا . جاءتا بعد أن كنت قد وصلت ووجدت الطريق .
هذه تجربة - أنا اليوم فى حل من عرضها ، لأنها لم تعد ذات أثر فى نفسى إطلاقا . إنما تثيرها كلمتكم الأخيرة , عن الأدب وأهله , وعن تعاون الأساتذة والمريدين .
وأنا أسجلها هنا لعلها تضئ الطريق لأساتذة ومريدين آخرين فى هذا الجيل .
إن الشباب فى حاجة إلى تجاوب روحى . فى حاجة إلى ثقة ، فى حاجة إلى صلة قلبية تطمئنهم على أنهم ليسوا وحدهم , وأن الآخرين ليسوا أنانيين إلى حد أنهم لا يرون فى المريدين إلا مداحا ومروجين ! .
ومرة أخرى لأكرر لكم أن هديتكم الكريمة كان لها عميق الأثر فى نفسى ، فهى نفحة طيبة من جيل إلى جيل ..

