الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 663الرجوع إلى "الثقافة"

إلى أستاذنا الدكتور أحمد أمين

Share

قرأت يا سيدى مقالكم فى الثقافة عن ضيعة الأدب  ذلكم المقال الذى تفضلتم فأهديتموه إلى .. إنها لفتة كريمة كان لها فى نفسى وقع عميق . إنني لم أعتبرها هدية شخصية من الدكتور أحمد أمين بك إلى سيد قطب . لقد اعتبرتها هدية جيل إلى جيل .. ومن هنا كان وقعها العميق في نفسى .

هدية جيل إلي جيل ، رمزا لشعلة الفكر المقدسة ، التى تظل مضيئة أبدا ، تنتقل ، لا من فرد إلى فرد ، ولا من جماعة إلى جماعة ؛ بل تنتقل من جيل إلى جيل ، ومن الشرق إلى الغرب ، ومن الغرب إلى الشرق ، لتظل مضيئة أبدا ، لأنها سر الله فى الإنسان ، وآية تكريمه فى الأرض .

ولقد تحدثتم يا سيدى عن الأدب وأصله حديثا يليق برجل

مثلكم مجرب ، فقلتم كلمة الحق فى جيلكم ، وقلتم كلمة الحق في الجيل الجديد . .

قلتم عن جيلكم : ونقطة أخرى يؤسف لها ، وهو أن الأدباء عندنا كانوا أدباء مستقلين لا يعدون من يخلفهم , فإذا زالوا زالت مدارسهم ، وتسكع من بعدهم طويلا حتى يختطوا الطريق ، لم يفعلوا ما تفعله شجرة اللوز ، فقيل أن تموت تترك خلفا لها من جنسها ، إنما فعلوا ما فعلت شجرة الورد تنضر حينا ثم تذيل من غير عقب .

وقلتم عن الجيل الجديد : وكما يحمل تبعة ذلك الأديب نفسه ، يحمله الأديب الناشئ ، فهو ينفر من أن يكون  مريدا  ويود أن يتزبب قبل أن يتحصرم ، أو أن يطلع المئذنة من غير سلم ، وما هكذا تنال الأمور  .

أنا أقركم على كل ما قررتم فى شأن الجيلين . ولكنى أستمحيكم عذرا فى أن أحمل جيل الشيوخ أكبر التبعة . لقد كان عليهم أن يصححوا أخطاء الشباب . ولقد كانوا مستطيعين لو أرادوا . مستطيعين بروح العطف والتشجيع والقدوة . ولكنهم كانوا من الأنانية - ومعذرة إذا قسوت - بحيث لم يروا إلا أنفسهم وأشخاصهم . فلم يعد لديهم وقت للمريدين والتلاميذ . ولم تعد في أرواحهم فسحة تسمع المريدين والتلاميذ .

لقد كانوا أنانيين ، فلم يشعروا المريدين أنهم يعدونهم شئ , ويهيئونهم لتلقى الشعلة , وأن الطريق أمامهم طويل ، لأن العبء الذى سيلقى على عاتقهم ثقيل .. ومن هنا استعجل الشبان وقلقوا وحاولوا صعود المئذنة من غير سلم ! .

ودعونى الآن أصدر حكم بتجربتى الخاصة ، التى تركت فى نفسى ذات يوم مرارة ، ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل ، حتى صفت روحى منها ، وذهبت عنى مرارتها ، وأصبحت مجرد ذكرى قد تنفع وتعظ ...

لقد كنت مريدا بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين . ولقد كنت صديقا أوودودا مع الآخرين من جيلكم كذلك . لقد كتبت عنكم جميعا بلا استثناء . شرحت آراءكم وعرضت كتبكم ، وحللت أعمالكم بقدر ما كنت أستطيع .

ثم جاء دورى .. جاء دورى في أن أنشر كتبا بعد أن كنت أنشر بحوثا ومقالات وقصائد . لقد جاء دورى فى نشر الكتب متأخرا كثيرا ، لأنى آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سلم ، وأن أتريث فى نشر كتب مسجلة حتى أحس شيئا من الضج الحقيقى يسمح لى أن أظهر فى أسواق الناشرين .

وكان أول كتاب نشرته هو ذلك الكتاب الذى نال إعجاب صديقكم الراحل المغفور له عبد العزيز باشا فهمى ، ذلك الإعجاب الذى آثرتم أن تبلغونى نبأه فى رسالة منكم إلى وأنا مريض ، لعل ذلك أن يكون له أثر طيب فى صحتى كما قدرتم ، ذلك هو كتاب  التصوير الفنى فى القرآن  .

وكان كتابا موفقا حقا . أقولها الآن مطمئنا بعد أن أصبحت حقيقة أدبية منفصلة عن شخصى .

فماذا كان موقف أستاذى ؟ وماذا كان موقف جيلكم كله ؛ ماذا كان موقف جيل الشيوخ ، لا من هذا الكتاب وحده ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن ؟

أراجع كل ماخطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب . فلا أعثر إلا على حديث فى الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازنى ، وإلا إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم فى أخبار اليوم ...

هذا كل ماخطته أقلام جيل الأساتذة عن عشرة كتب لمريد جيد درس كل آثارهم واستوعبها ، ونوه بها ، وشرحها وحللها ، فى خلال عشرين عاما ! .

وأنا اليوم أحمد الله على أننى خططت طريقى بنفسى مستقلا وبجهدى خالصا . لم يأخذ بيدى عظيم ، ولم يقدمنى إلى الناس أستاذ ... ولكن كلمة طيبة من جيل الأساتذة كانت قبل خمس سنوات فقط تعد فى نفسى شيئا عظيما ، وتترك فى روحى أثرا طيبا .. غير أنها - مع الأسف - لم تكن . وحتى الكلمتان اللتان جاد بهما هذا الجيل جاءتا متأخرتين عن موعدهما كثيرا . جاءتا بعد أن كنت قد وصلت ووجدت الطريق .

هذه تجربة - أنا اليوم فى حل من عرضها ، لأنها لم تعد ذات أثر فى نفسى إطلاقا . إنما تثيرها كلمتكم الأخيرة , عن الأدب وأهله , وعن تعاون الأساتذة والمريدين .

وأنا أسجلها هنا لعلها تضئ الطريق لأساتذة ومريدين آخرين فى هذا الجيل .

إن الشباب فى حاجة إلى تجاوب روحى . فى حاجة إلى ثقة ، فى حاجة إلى صلة قلبية تطمئنهم على أنهم ليسوا وحدهم , وأن الآخرين ليسوا أنانيين إلى حد أنهم لا يرون فى المريدين إلا مداحا ومروجين ! .

ومرة أخرى لأكرر لكم أن هديتكم الكريمة كان لها عميق الأثر فى نفسى ، فهى نفحة طيبة من جيل إلى جيل ..

اشترك في نشرتنا البريدية