قامت النهضة الثقافية في عصر محمد علي على أسس متينة قوية ، فقد أرسلت البعوث إلى دول أوربا المختلفة ، وفتحت المدارس بمراتبها المتتالية : العالية ، ثم التجهيزية ، ثم المبتديان ؛ وسرعان ما خرجت هذه وتلك المختصين في كل علم وفن ، واتجه هؤلاء جميعا - بوحي من إرشاد العاهل العظيم - إلى تعريب التعليم فتوفروا على ترجمة مئات الكتب الأفرنجية ؛ وكان تقليد العصر أن يطبع من كل كتاب يترجم ألف نسخة يوزع العدد الأكبر منها على تلاميذ المدارس .
فحركة الترجمة في معظمها كانت تتجه اتجاها علميا . وكانت دائرتها محدودة لا تتعدى جدران المدارس ، حقيقة كانت هناك دائرة علمية أخرى هي دائرة الأزهر بعلمائه وطلابه ، ولكن استفادة هؤلاء بالكتب الجديدة كانت محدودة ، فلم يقبل منهم على قراءتها إلا نفر قليلون ، وخاصة طائفة المصححين والمحررين من شيوخ الأزهر الذين شاركوا مشاركة فعلية في نقل هذه الكتب ، وعدد آخر قليلون من أمثال الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر ، فقد روي تلميذه رفاعة الطهطاوي انه " كان يطلع دائما على الكتب المعربة من تواريخ وغيرها ، وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية " .
أما الغالبية العظمى من شيوخ الأزهر وطلابه فقد وقفوا من هذه الحركة موقفا سلبيا ، بل لا نغالي إن قلنا إنهم وقفوا منها موقفا عدائيا في بعض الأحيان ، فكانوا - على حد تعبير المستشرق فولرز - " يسخرون من الصربين الذين تعلموا في أوربا ، ويقولون إنهم تعلموا تعليما سطحيا ، وهم كالطائر الذي يحجل ويتهادى في مشيته دون أن يحسن الطير " ؛ ولم يكن الدافع لهم على أن يقفوا هذا الموقف الدين الإسلامي أو شئ من تعاليمه - كما فهم بعض
الكتاب الأوربيين - بل كان الدافع الحقيقى - فيما نري - نوع من الضيق في التفكير أنتجه جهل القرون السالفة ، وعشق غريب للمحافظة على القديم واعتداد أغرب بما درسوا من كتب ، وما كان أقلها ، وما كان أتفهها ؟ !
ولنستمع إلى ما وصف به مستشرق فرنسي عاش في مصر في عصر محمد على موقف هذه الغالبية من شيوخ الأزهر من الكتب المترجمة في المدارس الجديدة .
هذا المستشرق هو " الدكتور برون Dr. Perron " وقد كتب إلى صديقه " جول مول " - سكرتير الجمعية الأسيوية - خطابا عن مدارس محمد على ومطبعته . قال فيه :
" وهل تعتقد يا صديني أنهم ( أي شيوخ الأزهر ) يقرأون كتبنا ( أي الكتب المترجمة ) ؟ لا ، فإنهم يتحاشونها ، ولكن من السهل أن يتهم الإنسان قبل أن يستمع ؛ وكتبنا هذه مثلها مثل التوراة والإنجيل . فالشيوخ يتحدثون دائما عنهما ، وليس بينهم من قرأ منهما سطرا واحدا " .
ثم روى ( برون ) أنه كان مرة في ضيافة الشيخ الجوهري ، وفي صحبته صديقه وأستاذه الشيخ محمد عمر التونسي ، وكانت المائدة تضم عددا آخر من شيوخ الأزهر ؛ وفي هذا الاجتماع دارت بين ( برون ) والشيوخ مناقشة طريقة حول رأيهم في الكتب المترجمة ، ننقلها كما رواها ( برون ) نفسه ، قال :
" وبعد تناول العشاء ، وبين القهوة والشبك ، تحدثنا عن الدراسة والمدارس ، فقال شيخي التونسي بعض كلمات عن الكتب التي يراجعها ويصححها في مدرسة الطب ،
فسألني شيخ من الحاضرين عن ماهية الكيمياء (١) الحالية في أوربا ، لأنهم هنا لا يفهمون من لفظ " كيمياء " إلا فن تحويل المعادن إلى ذهب . . وقد حدثتهم عن الكيمياء حديثا مختصرا ، فانبري واحد من الشيوخ وقال : " وما فائدة هذه العلوم الدنيوية ؟ لنخش ان ، هذا كل ما يجب على الإنسان " ؛ وكان هذا الشيخ كان يريد بهذه الكلمات أن يزيد في قيمة ورعه ، وبرز شخصيته النقبة الدينية ، فاتخذت لهجة الجد وقلت له : " وماذا تعنى بهذه الكلمات البعيدة عن الدين ؟ ولم تهين هؤلاء العلماء الحاضرين بيننا ، وكل العلماء الذين يعتز بهم الإسلام منذ ظهر في العالم ؟ إنك ترى أن دراسة العلوم غير الدينية جهد لا طائل تحته ، وإذا فدراسة الشعراء العرب القدامى وأخبار الجاهلية أمر لا فائدة فيه ، بل هي دراسة خطرة ؛ إني أقدم لك ثنائي الخالص لأنك تجيد مدح الجهل ، وانت أيضا - فوق ما تظن - تلميذ من تلاميذ الجاهلية . قل لي : أتعرف ما هو الله ؟ أليس الله سبحانه هو المعرفة كل المعرفة ؛ وهل تتكرم فتوضح لي أيضا : أيهما أقرب للذات الإلهية ، الجاهل أم العالم ؟ .
فأجاب الشيخ : " ولكن دراسة العلوم الإنسانية تقود إلى الإثم " ؛ فقال برون : " إن دراسة العلوم الإنسانية تؤدي بالإنسان المفكر إلى الإعجاب بأفعال الخالق ، وإلى كبار عجائب العالم والعقل الإنساني ؛ ترى هل أضاع علماء الإسلام وقتهم وارتكبوا إثما عندما توفروا على دراسة الشعراء الجاهليين لكي يصلوا إلى تفسير القرآن ؟ إنهم إن ظلوا مثلك وحكموا حكمك . فمن منكم كان يستطيع فهم القرآن اليوم . . وذلك العالم الذي كان يحمل اسما شبيها باسم مضيفنا المبجل ، والذي قضى عشر سنوات من حياته - على الأقل - متنقلا بين القبائل العربية في الصحراء لجمع مفردات اللغة العربية لإنشاء قاموسه
" الصحاح " ؟ هذا الجوهري ، هل كان مجنونا أو كان غير مسلم أو مؤمن ؟ " .
ثم ختم برون حديثه بجملة خطابية ، قال : " سادتي : إني أنصحكم أن تقلدوا هذا الشيخ في خوفكم وخشيتكم من الله ، وعند ذلك يمكنكم أن تتأكدوا أن الإسلام سيخطو نحو الأنحلال خطوات سريعة ؛ إن مدح الجهالة هو أخطر علامة على التأخر الاجتماعي . . "
وأخيرا ذكر برون أن مضيفه الشيخ الجوهري قد أبدى سروره بهذا الحديث ، فكان يرمق مناظره في ابتسام دون أن يقول كلمة واحدة . أما هذا المناظر فلم يعقب على حديث بروون بكلمة واحدة ، بل انتقل إلى آخر المجلس ، ثم انسحب بعد ذلك دون أن يشعر أحد بانسحابه .
قد يكون برون مبالغا في وصف ما حدث ، وقد يكون في حديثه غلو في اتهام الشيوخ ، وفي اعتداده بنفسه وبعلمه ، بل إننا نتهمه بهذه المبالغة ، وهذه المغالاة ، فقد كتب في خطاب آخر لصديقه يحدثه عن تفكيره في طبع القاموس المحيط في مطبعة بولاق ، وهنا انتهز الفرصة أيضا فبالغ في وصف شيوخ الأزهر بالجهل الشديد ، فقال : " وليس هناك في القاهرة ولا في مصر كلها عشرة علماء يفتون هذا القاموس ، بل ليس هناك عشرة علماء يعرفون كيف يستعمل القاموس " ، ثم ختم خطابه بجملة فيها تهكم مرير ، قال : " فلنعط إذا قاموسا للعلماء :
Donnons donc un dictionnaire aux Ulemas وهذه مبالغة من " برون " ينكرها الواقع نفسه ، فهو عندما وفد إلى مصر تتلمذ على شيخين جليلين من شيوخ الأزهر ، هما : الشيخ محمد عياد الطنطاوي ، والشيخ محمد عمر التونسي ، وبفضلهما تقدمت معرفته في اللغة العربية ، وعند ما فكر في طبع القاموس كان كل اعتماده في المراجعة على الشيخ التونسي ، وعندما فكر المستشرق الإنجليزي " لين Lane " في ترحمة القاموس إلى اللغة الإنجليزية لم يجد من يعينه على فهمه ومراجعته على القواميس والمعاجم
الأخرى غير شيخ من شيوخ الأزهر هو الشيخ إبراهيم الدسوقي .
وهذا هو الشيخ العطار وتلاميذه كانوا من المعجبين بالحركة القارئين لكتبها ، بل لقد كان أنبغ من ظهر من تلاميذ المدارس والبعثات هم من أخذوا من تلاميذ الأزهر وشيوخه ، وطائفة المحررين والمصححين للكتب المترجمة كانت كلها من شيوخ الأزهر ؛ ولم يكن انحراف المشايخ عن المدارس الحديثة تاما كما وصفه " برون " بل لقد ابتعد بعض الشيوخ بأولادهم عن الأزهر وأدخلوهم المدارس ، فادخل الشيخ سالم عوض القنياتي ابنه سالم سالم ( الدكتور سالم باشا سالم فيما بعد ) مدرسة الطب ، وأخذ الشيخ نصر الهوريني ابنه سعيدا ( الدكتور سعيد باشا نصر فيما بعد ) معه في بعثة سنة ١٨٤٤ إلى فرنسا .
هذه أمثلة مختلفة لا تنفي اتهام " برون " ولكنها تخفف من حدته . ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن الدائرة العلمية القديمة ، ونعني بها الأزهر وشيوخه ، لم تقبل على الكتب المترجمة الإقبال الكافي ، بل لقد أقبلت فئة قليلة من الشيوخ على قراءة بعض هذه الكتب وتفهمها وأعرضت الفئة الكثيرة عنها ، إما حذرا وإما كرها - شأن الإنسان في كل مجتمع ونظرته إلى كل جديد واعتداده بكل قديم - بل لعلنا نستطيع أن نتنفس لهؤلاء المعرضين العذر من أن العدد الاكبر من الكتب المترجمة كان كتبا علمية بحتة ، تبحث في التشريح أو الأمراض وعلاجها أو الهندسة الوصفية أو الكيمياء الحديثة . . الخ وفهم هذه العلوم كان يحتاج إلى أسس من المبادىء الأولية لم تتح الفرصة لشيوخ الأزهر لتلقيها .
وهنا قد يدفعنا البحث إلى التساؤل : هل كان محمد علي محقا عندما ترك معاهد العلم القديمة كما هي وأنشأ إلى جانبها المدارس الحديثة إنشاء جديدا ؟ وإذا كان محقا في تصرفه هذا فهل كان محقا أيضا عندما ترك التعليم القديم على قدمه ، أم كان من الأفضل أن يحاول تطعيمه بشيء من البرامج والدراسات الجديدة حتى تستطيع هذه المعاهد القديمة أن
تقترب - مع مضي الزمن - شيئا فشيئا من المعاهد الجديدة ، وحتى يأتي وقت يتقابل فيه القديم والحديث ؟
وأخيرا : هل كان ينجح محمد على لو حاول واحدة من هاتين المحاولتين ؟
هذه ألوان من الأسئلة يثيرها البحث ، ولكنا نجد الإجابة عليها عسيرة ، لأن هذه الإجابة تتطلب البحث فيما يجب أن يكون لا فيما كان .
وغاية ما نستطيع أن نقرره ، أن هذا الجمود من شيوخ الأزهر وقف بهم وبمعهدهم عن السير مع القافلة ، فتركزت العناية بالعلوم الحديثة وبالكتب المترجمة ، في المدارس الجديدة وتلاميذها ومدرسيها وخريجها ، وبدأوا بهذا يحتلون مقام الزعامة الفكرية في مصر ؛ ويقول الدكتور برون : " والآن ينبثق من بين تلاميذنا قوة علمية ، هذه القوة لو استمرت تحيا بعض الوقت ، فإنها تستطيع أن تتغلب على معتقدات العلماء ( يقصد الشيوخ ) العلمية وأن تقضي على طريقتهم المدرسية العتيقة ، وتلاميذنا الآن - نتيجة للثقة التي أكسبتهم إياها دراساتهم التجريبية في العلوم الصحيحة - يحاربون الكتب القديمة وآراء العلماء البالية ، أولئك العلماء الذين يعتقدون - في قرارة أنفسهم - أن الرأي القاطع في العلوم هو ما ورد في كتبهم العربية " .
مهدت إذا المدارس الجديدة - وحركة الترجمة بوجه خاص - السبيل للأفندية كي يخلقوا المشايخ في الزعامة الفكرية في مصر ، فماذا فعل الأفندية لنشر الثقافة بين الشعب ؟ .
عاشت الحركة الثقافية في عصر محمد علي نحو عشرين عاما ، كان الجهد في خلالها متجها كله إلى الترجمة فقط ، ولم يجد تلاميذ المدارس ومدرسوها وخريجوها الفراغ الكافي ليستجيبوا للثقافات التي تلقوها فيؤلفوا ، كذلك كانت ترجمتهم تصطبغ بالصبغة الرسمية ؛ فهم - إن صح التعبير - كانوا مترجمين محترفين لاهاوين ، يترجمون ما يؤمرون بترجمته لا ما يريدون ترجمته ؛ وما يؤمرون
بترجمته كان علما خالصا ، لا يستطيع القراء المصريون العاديون - على ندرتهم - أن يقرأوه أو يتذوقوه ، وهم إن فكروا في قراءته لا يستطيعون فهمه .
كان الواجب إذا ان يؤلف " الأفندية " للشعب أو يترجموا له ، ولكنهم لم يفعلوا للأسباب السابق ذكرها ، ولهذا كان تأثير حركة الترجمة - في عصر محمد على - في المجتمع المصري ضئيلا جدا ، إن لم يكن منعدما .
وعندما أنشئت مدرسة الألسن كانت كتبها التى ترجمت في العلوم الاجتماعية المختلفة من تاريخ ورحلات وجغرافيا وأدب ، أقرب إلى ذهن القارئ العادي وفهمه ، وكان من الممكن أن تؤثر هذه المدرسة وخريحوها التأثير الطيب في ثقافة الشعب المصري لو امتد بها العمر ، ولكنها ألغيت بعد موت محمد على ، وتشتت خريجوها موظفين في المصالح والدواوين المختلفة ، وكانت نكسة شملت عصرى عباس الأول وسعيد ، ولكن الأثر الأول للمدرسة لم يخمد ولم يمت ، بل كان مستقرا مستجما في نفوس تلاميذها ؛ فلما استؤنفت النهضة في عهد إسماعيل كان هؤلاء التلاميذ هم عدتها وعمدها ، فانطلقوا يترجمون من جديد ، بل لقد خطوا الخطوة الثانية الطبيعية ، فانطلقوا يؤلفون . وعاد إليهم استاذهم رفاعة فانضووا تحت لوائه يعمل ويعملون من جديد ، فترجموا معه " قانون نابليون " وترجم وألف محمد أبو السعود وخليفة محمود وصالح مجدي في التاريخ والجغرافيا ، وترجم عثمان جلال في الأدب ، وألف قدرى باشا كتبه الخالدة في القانون ، وأنشأ أبو السعود أول صحيفة أهلية وهي " وادي النيل " .
وفي عهد إسماعيل أيضا وضع رفاعة كل مؤلفاته ، كمناهج الألباب العصرية في مباهج الآداب المصرية ، والمرشد الأمين في تربية البنات والبنين ، وأنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل ، والتحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية . . الخ .
التاريخ والأدب والقانون والصحافة ، هذه هي الطرق التي يستطيع قادة الفكر دائما أن ينفذوا من خلالها إلى نفوس الشعب وعقوله ، فينشروا فيها الثقافة العامة وعلقوا فيها الروح القوية ، وقد قام بهذا الواجب تلاميذ الألسن
القدماء ، ولكن في عصر إسماعيل لا في عصر محمد علي ، فهذا الأثر في الواقع - وإن تأخر به الزمن - هو أثر الترجمة في عصر محمد على ، بل لعله أقوي آثارها .

