توفي أخيراً الشاعر علي محمود طه، وسكنت قيثارته إلى الأبد، وراح الأدباء يتسابقون إلى تحبير المقالات ونظم القصائد في تمجيد ذكراه، وإطراء شعره، فهو في كل ما سيكتبون شاعر عبقري، فقده الأدب العربي، ومؤلفاته تستحق العناية والدراسة، وفي أكثر من مكان تعد دراسات مفصلة لشعره أينوي نشرها خدمة للأدب و"قياماً" بالواجب تجاه الفقيد.
ولن يمضي عام حتى تموت الذكرى ويخمد الصوت؛ وتلتصق كلمة "كان" بالشاعر الفذ، ثم تمضي الأيام، وتكر السنوات، وينطوي هذا الجيل كما انطوى على محمود طه ويأتى أسلافنا فلا يجدون عنه سوى آثاره الشعرية، وتاريخ مولده ووفاته، وربما لم يعرفوا عنه أكثر مما نعرف عن المتنبي وهو شاعرنا العملاق الذي ألقى ظله الضخم على عصور أدبنا كلها، وإن كنا نجهل سيرته جهلا شبه تام.
ولكن أخلاقنا لن يعذرونا كما عذرنا قوم المتنبي، فالفرق بيننا وبنهم هو الفرق بين القنبلة الذرية والسيف. . . الفرق بين مقاعد الطيارات الوثيرة وظهور الخيل،. . . الفرق بين القرن العشرين والقرن العاشر. . . فما عذرنا؟
لا! لن نكون خدمنا شاعرية على محمود طه، بهذه القصائد الحارة التي نحييه بها؛ فهي كلها ليست إلا تعبيراً منغماً عن عواطفنا تجاهه، ولن نخدمه بدراستنا المفصلة لشعره، فالزمن طويل مديد!؛ وسيأتي آلاف يدرسون شعره الدراسة التي يستحقها. وإنما واجبنا الأكبر أن نتقصى سيرة حياته نقصياً دقيقاً نشترك فيه جميعاً - أبناء هذا العصر كله - فيحشد كل قواه كلها من أجل الأدب الذي نعزه، ونؤمن بقوة أثره في إنهاض الأمم والسمو بمداركها وأحاسيسها، وهو عمل لا يستطيع القيام به سوانا ولو جمعت العصور القادمة ذكاءها كله لما استطاعت النهوض به،
ففي أيدينا نحن وحدنا المفتاح. نحن الذين عشنا مع علي محمود طه ومنا من كان من أصدقائه المقربين، وأقاربه، ومعارفه، ومنا من قابله وحادثه، ومنا من تلقى منه رسائل طويلة أحياناً قصيرة أحياناً أخر، شخصية حيناً، رسمية حيناً آخر،. . . ومنا من سمع حكاية، ومنا من قرأ عنه في الصحف وحفظ شعره، ومنا من يروي حوادث مرتبطة بشعره. كلنا يعرف شيئاً من تلك الحياة، والواجب الأدبي أن نجمع معلوماتنا في كتاب أو كتب، فهل ينام من تهيأ للقيام بهذا الواجب النبيل؟
الجواب الحتمي المؤكد أننا جميعاً ذاهلون. . . وأقول جميعاً وأنا أعلم أنه ليس من المستبعد أن يكون بعض الأدباء يفكر في تأليف كتاب قيم عن الشاعر، يمس حياته من بعيد ويلخصها في ثلاثين صفحة أبرز ما فيها تواريخ وسنوات وحوادث كالتخرج والسفر إلى أوربا، وطبع الكتاب الفلاني، ومرض الفالج. . .
أما سائر الكتاب فعرض شعر الشاعر أغلبه إعجاب، وهو أمر يستحقه الشاعر إلا أن المؤلم أنه لا يغني عن دراسة عميقة مفصلة لحياته العملية التي لولاها لما كتب وما تغنى.
إنني أقترح، وأود لو كان لاقتراحي صدى، أن تنشط لجنة من المتحمسين لشعر على محمود طه إلى تقصي سيرة حياته بدقة وتفصيل معتمدة في ذلك على ما يلي: 1-الرسائل التي كتبها الشاعر طيلة حياته. 2-يومياته الخاصة "إن كان قد احتفظ بسجل يوميات يمكن نشر جانب منه". 3-أوراقه الخاصة وقصائده التي لم تنشر. 4-ذكريات أهله وأصدقائه المقربين، عنه. 5-السجلات الحكومية الرسمية وكل ما يتعلق به فيها.
وقد يلوح أول وهلة أن هذه مهمة شاقة، إلا أننا لو راجعنا سيرة حياة أدباء أوربا لرأينا أصغر أدبائهم قد نالها، فكيف نترك نحن كبار أدبائنا ينطوون تحت غبار الزمن القاسي، ولا يتركون إلا كتبهم وحدها؟ وكيف يتيسر لنا أن نفهم آثارهم إن كنا نجهل سيرهم هذا الجهل المخجل؟
لقد آن لنا أن نؤدي ما علينا من ديون تجاه عبقريتنا المطموسة. ألا يكفي أننا تركنا "أبا القاسم الشابي" يضيع ويترك خلفه سيرة مجهولة يخجلنا أننا لا نعرف عنها إلا تاريخ بدايتها وانطفائها؟!
ألم يحن لنا أن نعرف عن كل شاعر تفاصيل سيرته، والظروف التي أحاطت بكل قصيدة تركها، وعلاقاته بأسرته وأصدقائه وقرائه، والحب الذي ملك عليه أحاسيسه. ألم يحن لنا أن نقرأ الرسائل الخاصة التي يكتبها كبار أدبائنا، كما يقرأ الأوربيون رسائل شعرائهم؟
ولم يفت الأوان بعد، حتى بالنسبة لأبي القاسم الشابي الذي مات منذ ثماني عشرة سنة بعد شباب قصير متعثر بالآلام العقلية والجسدية. فلو نشط متحمس واحد لشعره، واتصل بمن كان يعرفه لأنقذ ما تبقى من ذكريات عنه وبما فاز ببضع عشرة رسالة من رسائله يتحف بها القراء المتعطشين، ويرفع تهمة الكسل عن هذا العصر. . . فمن المخجل أن يكون كل ما نسلمه إلى الأجيال القادمة عن أبي القاسم الشابي حفنة من القصائد البديعة! أيها المعاصرون! لقد آن لنا أن نفيق من نومنا الطويل، وندرك ما علينا من المسئوليات. بغداد

