الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 874الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الأستاذ الجليل أزهري عجوز:

Share

باقة من الورد والرياحين، قطفتها من خفقات قلبي، ومن خلجات روحي، ومن أصداء نفسي، أقدمها إليك، يا من أحسست بضيقي، ولمست حيرتي، وعرفت مبلغ ما أعانيه من ألم واضطراب. فيالك من إنسان كريم، قد أفعم قلبه بالخير والحب والمروءة، فأفضيت على فيضنا من نورك يشرق علي في محبسي، وأنار جوانب مظلمة في نفسي، وأضاء أنحاء معتمة في حياتي، ويعلم الله أنني ما تأثرت لرسالة في حياتي، كما تأثرت بهذه الرسالة!

ماذا أقول - أيها الملك الرحيم - الذي لم يفتك أن ترشدني إلى الطريق السوي، وهو أنه لابد من الصبر، فحياة الأزهر هي هذه الحياة! نصيحة كريمة من أب كريم، فأنى لي بالشكر أزجيه إليكم، وإن الكلمات على كثرتها وتزاحمها، لتضطرب في نفسي، وتتعثر في قلمي، وإني أعتقد أنكم ستقدرون ضعفي فتعتبرون العجز عن الإعراب إعراباً.

شيء واحد - أي أستاذي الكريم - لا يزال يحيرني، ومعذرة إن أنا جشمتك سماعه، وهو: لم يشقى طلاب القرآن مع أن الدين يسر؟ ثم ما هي رسالة الأزهر؟ وما هي مهمة العالم الديني؛ أهي حفظ المتون والشروح وغيرهما، أم هي خدمة الدين واللغة؟ فإن كانت الأولى فما أحقرها رسالة وما أدونها؟ وإن كانت الثانية، فلم لا نتسلح بالعزيمة القوية، وننظر في البرامج

نظرة تربوية، تفيد الطلاب، وتعود عليهم وعلى الدين وعلى العالم أجمع بالخير العظيم؟

إنه ينبغي ألا ننحى باللائمة على الكتب العقيمة، ولا على المؤلفين القدامى؛ فإنهم على أية حال، بذلوا جهداً مشكوراً ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهم لم يكلفونا بأن ندرس كتبهم ولا أن نحفظ عقولهم في أدمغتنا، بل ينبغي أن يلام هؤلاء الشيوخ لوماً عنيفاً لأنهم عالة على غيرهم، ولأنهم قتلوا أعظم ما يملكه الإنسان وهو العقل. وأقول قتلوا، ولا أقول عطلوا لأنني اعتقد اعتقاداً لا يرقى إليه ريب أننا معشر الأزهريين لم نعمل بشيء من الدين مطلقاً، بل أضعنا العمر فيما لا يجدي، ونسينا أن الزمن يسير، وأن الدنيا تدور، وأن العالم يعيش الآن في عصر الذرة، وقطعنا كل صلة لنا بالعالم الخارجي، وصرنا كالذي يقول فيه القائل:

لو قيل كم خمس خمس لاغتدى ... يوماً وليلته يعد ويحسب ولهذا ولتخلفنا عن الركب نجد أن الشيوخ أنفسهم توجهوا وجهة أخرى غير الأزهر، ونسوا أن الله سيحاسبهم أشد الحساب على هذه الأمانة التي بأيديهم، وعلى الدين الذي أضاعوه، بجمودهم وعصبيتهم العمية.

وثمة ظاهرة أخرى يجب الالتفات إليها، وهي أن قاصدي الأزهر من مختلف الجنسيات، وأن الأجانب يلاقون صعوبة شديدة في فهم العبارات، فينفرون من التعليم ويمقتونه، فإذا ما رجع هؤلاء السفراء إلى بلادهم فلابد أن يكونوا أشد مقتاً وشنآنا. وكم سمعت من كثير منهم كما سمع غيري عبارات الألم، لأنهم يريدون أن ينتفعوا ويفهموا ويتثقفوا، لا أن يصموا ويحفظوا فقط، ولعلهم على حق كبير في هذا؟

أبتاه هل يعود ذلك اليوم الذي أرى الأزهر فيه وقد تبوأ مكانته السامية بين الجامعات، ونشطت فيه الحركة العلمية وآمن به الشيوخ قبل غيرهم، وأمه الأغنياء قبل الفقراء، وأشرق بضيائه على العالم في هذا العصر، كما أشرق بنوره من قبل. . وقت أن كان ولاشيء معه من المدارس أو الجامعات!

معذرة - أيها الأب النبيل - إن أرهقتك بسماع كلمتي هذه، المملة، وأتعبتك قبلاً بالكتابة إلي، عذري أريحتكم

الكريمة، التي أبت أن تستولي الحيرة علي والامتحان قد أزف وعطفكم وحنانكم الذي دفعكم إلى الكتابة إلي، فأزحتم عن كاهلي عبئاً ثقيلاً، وهماً طويلاً، وإني لمتدرع بعونه تعالى بالصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. والسلام عليكم - أبتِ - ورحمة الله

الأقصر

اشترك في نشرتنا البريدية