السلام عليكم ورحمه الله وبركاته - وبعد فأشكر لكم حسن ظنكم بي، وجميل تقديركم لما أكتب في مجلة الرسالة الغراء، وإن تعليقكم على مقالتي في قضية نسب زياد ليدل على ميزة عظيمة في أدب النقد، وحسن فهم لقضايا التاريخ، وإني أعتقد أنه لم يفتني ذلك التوجيه الذي أشرتم إليه في هذه القضية، لأني حينما أنصفت معاوية وزياداً فيها قضيت بذلك على الروايات التي فيها تحامل عليهما، وكان لتدوينها في عصر العباسيين أثر في ذلك التحامل، وهذا غاية ما يمكن أن يسلك في تحقيق هذه القضية، لأننا نجد أنفسنا بعد هذا أمام أمر لا يصح الشك فيه، وهو أنه كان هناك قضية في نسب زياد، وأن زياداً كان ينسب قبلها إلى غير أبي سفيان فألحق بعدها بنسبه، وأن خير توجيه لهذا هو ما روى من اتصاله بأمه على ذلك الوجه من أنكحة العرب في جاهليتهم، ولا سيما أنه لا يوجد في التاريخ توجيه غيره لذلك النسب، ولا يقدح في كون سمية من البغايا أنها كانت تحت زوج، لأن البغي بغي على أي وضع كانت، ولاسيما في ذلك العهد الذي وصلت الإباحية فيه إلى أبعد الحدود، وكذلك لا يقدح في عظمة زياد أن ينشأ من ذلك النكاح الجاهلي، لأن عظمته كانت ترجع إلى شخصه لا إلى نسبه، ومثل هذا ونحوه من السهل أن يستساغ في التاريخ، ولا يسهل أن ترد به تلك القضايا الظاهرة
