قرأت بإعجاب - في العدد الأخير من مجلة الرسالة - البحث القيم الذي تؤرخ فيه لشعراء الشباب المعاصرين في مصر، وتزنهم بميزان النقد الفني الأدبي، وتضع فيه لكل مدرسة من مدارس الشعراء منهجا واضحا محددا، وتلك روح طيبة تتسم بالجرأة والصراحة في الحق لا أشك في أنها أساس يقوم عليها النقد الأدبي في كل جيل
غير أني آخذ على الأستاذ بعد أن وقف موقف الحمد والثناء من دار العلوم لما أنجبت للنهضة الأدبية الشعرية من شعراء يوم أن كانت مدرسة، آخذ عليه أنه ألقى الكلام جزافا حين أنحى باللائمة على دار العلوم وخريجيها بعد أن أصبحت كلية يكفي المتخرج منها أن يصيح أمام مفتش اللغة العربية: (أنا من حملة الليسانس) ! ولا أكتب تعقيبي هذا لأني طالب في دار العلوم فحسب،
أدافع عنها؛ ولكن لأن الواقع والحقيقة يقرران عكس ما ذهبتم إليه، إذ ليس السبب في أن دار العلوم خرجت من شعراء أفذاذ لأنها كانت مدرسة، وتخلفت عن الركب - كما تدعي - لأنها أصبحت كلية جامعية، فدار العلوم كانت وما تزال إلى اليوم تحمل لواء نهضة أدبية مستقلة متميزة في طابعها العام عن سواها
ولا أحسب الأستاذ - وهو شاعر مجدد - يتناسى أن للشاعر وطنا خاصا يعيش فيه، ومصادر إلهام يستقي منها ، بعيدة كل البعد عن المعهد أو المدرسة التي تلقى فيها العلم. ولا أحسبه إلا مؤمنا بأن السبب في شاعرية الشاعر ليس وقفا على أنه من دار العلوم أو من الآداب أو الأزهر، فذلك - على ما أعتقد - ما لا أثر فيه لشعر شاعر، وإلا فما هي الدراسات الأدبية التي تدرس في كلية الهندسة التي ينتسب إليها المرحوم الشاعر علي محمود طه؟ وهل تخرج شوقي أمير شعراء عصره من الأزهر أو دار العلوم أو الآداب؟
ولو أن الصحافة الأدبية أفسحت صدرها لكثير من طلبة دار العلوم وخريجيها في عهدها الحديث، لشهد الأستاذ أن في كلية دار العلوم نهضة أدبية لا تنكر، وشعراء مجددين يسيرون في الموكب جنبا إلى جنب مع طليعة شعراء مصر المعاصرين . هذا ولا يمنعني ذلك من إزجاء الشكر خالصا على بحثكم القيم

