الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الأستاذ بشر فارس

Share

قدمت لك رسالتي في (الإسلام والفنون الجميلة)  ، وكان  جميلاً منك أن عرفت بها قراء المقتطف، ولكن الذي تولى عنك  التعريف - في عدد يونيو سنة ٩٤٤ ص٨٣ - لم يلتزم جانب  الصدق في مهمته، بل راح يتهمني في جرأة غريبة بخيانة الأمانة  العلمية، فكتبت إليك لترد الحق إلى نصابه وطلبت إليك أن  تنشر ردي، كما نشرت من قبل كلمته كما يقضي بذلك العدل  والمنطق السليم، ولكنك لم تفعل، فلا نشرت خطابي كما هو،  ولا كنت أميناً في تلخيصه كما ينبغي، بل اخترت - أو اختار  صاحب الإشارة - منه فقرات لا تصور رأيي على حقيقته،  واستباح لنفسه أن يرد على ذلك الذي اختاره من خطابي ، واستبحت لنفسك أن تنشر رده لتوهم القراء أنه رأيي وما هو

من رأيي في شيء. وبعد، فقد تفضلت مجلة الرسالة -  منبر الحق - فأفسحت لي من صدرها مكاناً أنشر فيه  خطابي إليك الذي أبيت نشره ثم أعقب على الرد الذي  ظهر في عدد يوليو سنة ٩٤٤ من مجلة المقتطف أما خطابي فنصه: القاهرة في ٢١ يونيو سنة ١٩٤٤ سيدي المحترم الأستاذ بشر فارس

قرأت اليوم في مجلة المقتطف كلمة عن كتيبي (الإسلام  والفنون الجميلة) وإنني لأشكر لك عنايتك بتلك الرسالة الصغيرة،  ولشد ما كنت أحب أن أقف عند حد هذا الشكر لا أتعداه،  لولا أنك يا سيدي لم تكن موفقاً في اختيار الناقد الذي عهدت  إليه بنقد تلك الرسالة وتعريف القراء بها، وأغلب الظن أن  ناقدك المحترم ليس من الاختصاصيين في موضوع الرسالة بدليل  أنه لم يستطع صبراً على قراءتها على صغر حجمها، ولم ينفذ إلى  ما تضمنته من آراء حتى يناقشها ليهدمها أو يعدلها أو يؤيدها  أو يأتي في الموضوع بجديد، لا سيما والبحث حديث لم يتجاوز

الذين كتبوا فيه عدد أصابع اليد الواحد، كما ذكرت في المقدمة وناقدك المحترم، يا سيدي، كذلك ليس من أهل النظر  وأعداء الهوى كما تريد له أن يكون، فلقد أثبت بما كتبه  أنه وقف عند الصفحة الثالثة من الرسالة التي تتضمن ثبتاً  بالمحتويات ولم يتجاوزها إلا إلى الصور ليلقي عليها نظرة عابرة،  وليته قرأ هذه الصفحة الواحدة بإمعان، بل تسرع فأخطأ  في نقل بعض ما بها. إذ ذكر في نقده (النقابات المساعدة)   وحقيقتها (النقابات الإسلامية) ، وهو بعد هذا لم يفطن إلى  الصفحات الثمانية التي لخصت فيها البحث باللغة الإنجليزية، فلم  يشر إليها ولم تدخل في حسابه الذي توج به نقده إذ ذكر أن  صفحات الرسالة ٣٢ (كما هو وارد في الصفحة الثالثة)  بينما هي

في الحقيقة ٤٠ صفحة، وأما الصور، فإن نظرته السريعة إليها  قد دفعته إلى الظن بأنني اكتفيت بتلك الكلمة التي قصدت  بها إيضاح الفكرة، فحسب، وجعلته يسارع في اتهامي  بما أحرص عليه أشد الحرص، ولو كان حضرته حريصاً على  الأمانة العلمية حرصي عليها لقرأ الرسالة كما يقرأ القاضي النزيه  أوراق القضية قبل الحكم فيها، وعندئذ يجد أنني ذكرت في

الصفحة السابعة والعشرين أسماء الكتب التي نقلت عنها الصور  وأسماء مؤلفيها. بقيت مسألة أسف حضرة الناقد، لأنني نقلت  إحدى عشرة صورة بحجمها من كتب نشرت قبل الآن، ثم  أمنيته في أن أعنى بنشر صور جديدة، وفي الحق إنني لآسف له،  راثٍ لحاله إذ كشف عن سطحيته إن صح هذا التعبير، لأنه  لو كان قرأ البحث وأدركه حق الإدراك لوجد أنه يدور حول

موقف الإسلام من الفنون الجميلة، وبيان هذا الموقف لا يتطلب  أكثر من توضيح الفكرة بأي وسيلة إيضاح ميسورة، فمن  الإسراف حقاً ألا يستفيد الإنسان من (كليشيهات) أنفقت  الدولة على صنع معظمها، طالما أن ذلك لا يؤثر في جوهر  الموضوع ويكشف عن الفكرة بجلاء. ولو كان البحث في  الفنون الجميلة نفسها لكان الناقد على حق في مطالبته بصور  جديدة، لأن المقصود عندئذ يكون ببيان الفن وتنوعه لا بيان

الفكرة الكامنة وراءه

وبعد فإنني أعتقد أن من حقي عليك - يا سيدي الأستاذ -  ومن حق المكانة العلمية السامية التي تتمتع بها مجلة المقتطف،  بل ومن حق الأمانة العلمية التي تشدق بها حضرة ناقدك المحترم  ونسيها في تقده أن تنشر هذه الكلمة في نفس الموضوع الذي  نشرت فيه نقده في أول عدد يصدر من المجلة لترد الحق إلى  نصابه. ولك مني بعد ذلك أطيب التحيات وخالص الاحترام

وأما تعقيبي على الرد الذي نشر في عدد شهر يوليو سنة ٩٤٤  ص١٩٠ من المقتطف فهو أنني ما زلت أعتقد من (صاحب الإشارة)   ليس من الاختصاصيين في موضوع الرسالة، ولا يستطيع أن  يستر دعواه بقوله إنه (لم ير مجالاً لمناقشة الآراء وإنها على حسن  عرضها ليست على خطر ولا جدة) . ولو كان حقاً من رجال  هذا الموضوع لناقش ولو رأياً واحداً من الآراء الكثيرة التي  تضمنتها. على أنني لا أعيب عليه هذا قط ولا أطالبه بأن يكون  من الاختصاصيين، وإنما أطالبه بأن يكون أميناً في التعريف  بما يتصدى له من كتب وأبحاث، مخلصاً فيما يتولاه من هذا  العمل، مدققاً فيما يصدر عنه من أحكام، لا سيما إذا كانت تمس  الآخرين. وأما قصة (الكليشيهات) فأظنه قد عز عليه أن يعود،  إلى الحق مع أن الرجوع إليه - كما يعلم - من أعظم الفضائل.

فعندما وضعت إصبعه على المكان الذي يرى فيه جلياً أنني شديد  الحرص على المادة العلمية راح يستر تراجعه بقوله: (بل أريد  المصدر تحت الصورة) ، ومع أنني فعلت هذا فعلاً عندما نشرت  البحث في مجلة الرسالة (راجع العداد ٥٣٤، ٥٣٩، ٥٤١)   إلا أنني لم أشأ أن اشوه جمال الصور في كتابي بذكر مراجعها  ووصفها على نفس الورق المصقول تحت الصورة بل آثرت تحقيقاً  للذوق الجميل أن أجعل وصف اللوحات ومراجعها في مكان  واضح في الكتاب لا يخطئه إلا مهمل أو مغرض، وكلاهما  لا يقام لحكمه وزن.

اشترك في نشرتنا البريدية