هل لك أن تنضو مسوح ذلك الجاه فتشرف من برجك المنيف على مستوضح منك الرأي فيما كتبت بالرسالة عن (كتابين قيمين،
قد ورد فيهما طعن على الإسلام) قلت إنك بحثت المسألة من جهة الدين فبدا لك العجب لأن الكتب التي تعرضت للمسيح بالطعن والتجريح تطبع وتنشر في أوربا ولا يفزعون. وهنا أسألك متحدياً: أي برنامج من برامج التعليم في أوربا قررت فيه تلك الكتب في قاعات الدرس والامتحان وفرضت فرضاً على الطالب أن تكون من أسس ثقافته الرسمية التي تحث عنده عقداً نفسية تتولى تنميتها تأثيرات الأستاذية القوية. لا مانع من البحث والتحليل والتمحيص وإلا لما تكونت سبيكة الذهب من العروق الملقاة في التراب، ولكن للبحث أزمنة وأمكنة قد مضت منذ أزمان.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا طعن صريح، باعترافك أنت، لا شبه علمية تستحق جلال الدرس وعظمة العلم، وفوق ذلك كله أنها موجهة لشخصية الرسول أكثر منها لدينه، فكيف يستسيغها شعور الجماهير من المسلمين. ألا ترى أن إنجلترا حرمت
دراسة نظرية دارون (النشوء والارتقاء) في مدارسها احتراماً لشعور الجماهير، بيد أنها لم تحرم دراستها خارج دور التعليم؟ وأما قولك (إني أعتقد دائماً أن صحة العقل وصحة العقيدة كصحة الجسم لابد لها من الهواء الطلق حتى تكتسب المناعة) فذلك حق لا مريه فيه، كما أن حصوله وثبوته الآن واقع بين المسلمين لا مريه فيه.
ألا تعلم أن في الأزهر والمعاهد الدينية تدرس شبه الجبرية والمعتزلة والرافضية والمجسمة والشيعة وسواهم ويرد عليها في جو علمي محترم لأنها شبه لا طعن تدسه العصبية الممقوتة. ألا تدري أن المذهب الأبيقوري مذهب اللذة والإباحية يدرس في الأزهر ويرد عليه في جلال من العلم وحرية من الفكر، ومثله مذاهب الشيوعية والشعوبية، وسواهم. فليس إذا (حبس العقيدة والعقل في قفص من الزجاج خوفاً عليهما من خطرات النسيم) كائناً بين المسلمين.
وما على الشاك إلا أن يغشى بيئات الدراسات الإسلامية فيعود منها متغير الرأي هادئ البال وإن في هذا لبلاغاً (كلية للغة)

