الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 596الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الأستاذ دريني خشبة

Share

لقد أضعتُ وقتا غير قليل من أيامي الماضية في تدبر أشعار  أبي تمام، وجمع شتاتها، إذ احتلَّت من نفسي المكان المرموق  برغم ما كان يستوقفني أحياناً عندما تتحرى الذاكرة فتعرض  صوراً من أشعار بعض الشعراء القدامى مشابهة لبعض صور أبي

تمام كما جاء في فصولك التي تقدمها إلينا اليوم بأسلوبك العذب،  وعلى طريقتك المثلى

ولا يسعني - وأنا الحريص دائما على استيعاب كل ما يكتبه  الأستاذ الفاضل - إلا أن أعرض عليه ما يأتي: جاء في مقالك الأخير، أن أبا تمام نسخ قوله:

وأحسنُ من نْورٍ تفتحه الصِّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب

عن قول الأخطل:

رأين بياضاً في سوادٍ كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب

فذكرتُ ما قاله ابن الأثير في الجزء الأول من المثل السائر  ص ٥٦ في الحكمة التي هي ضالة المؤمن:   (ويحكى عن أبي تمام  أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها: على مثلها من أربعٍ وملاعب  انتهى منها إلى قوله:

يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسَتْه يدُ المأمولِ حلة خائب

ثم قال:

وأحسنَ من نَوْر يفتحه الصَّبا

ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا بسائل على الباب وهو  يقول: من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا، فقال أبو تمام:

بياض العطايا في سواد المطالب

فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل)

أورد ذلك بعد ما قرر   (انه يجب على المتصدِّي للشعر  والخطابة أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم  مما يسمعه منهم حِكماً كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك  بفكره لأعجزه) . وعلى ذلك لا يكون عمل أبي تمام هذا من  باب النسخ، وإنما يكون من باب الأخذ بالحكمة التي هي ضالة  المؤمن، وقد أوجب ابن الأثير الأخذ بها كما جاء في كلامه، كما  أن هذا لا يتفق وطريقة النسخ عند ابن الأثير.

وبعد، فلست أدري أي المصدرين لبيت أبي تمام خليق  بالاعتبار، فانه تختلف درجة البيت بقدر ما بين هذين المصدرين. أرجو إيضاح ما ذكرت أيها الأستاذ الفاضل، أيدك الله  وألهمك التوفيق.

اشترك في نشرتنا البريدية