لقد استجابت النفس لدعوة الأستاذ خلاف إلى العمل ، والذى لاشك فيه أن لجنة التأليف التى تضم ما يقرب من نتسعين رأسا من رؤوسنا الفكرة نستطيع - على الأقل - أن ترسم الخطة للإصلاح الذى حان حينه وتهيأت كافة النفوس لقبوله ، بل والجهاد فى سبيله ؛ وأما التنفيذ و ((النزول إلى الشارع )) كما يقول السياسيون ، فأمر يتطلب تضحيات ، وتود لو استطاعها الجميع أو طابت بها نفوسهم .
هذا أمر تتمناه كل نفس مخلصة . ولكننا إلى جانب هذه الدعوة النبيلة نجد هجوما قويا متكررا من الأستاذ على ما يسميه بالترف العقلى ، وهنا نخالفه أشد المخالفة ؛ وتلك فى الحق خصومة حارة سبقنا إليها مفكرو أوربا ، فأحزاب الشمال جميعا تتعصب لما يسمونه (( ثقافة المنتج )) ، ويعنون بها الثقافة المهنية ، وما يلحق بها . وهذا رأى مردود لسببين كبيرين :
فأولا - من العلوم أن الأساس الثقافى العام ، هو أهم مظاهر الوحدة فى الأمة ، وهذا الأساس لا يمكن إلا أن يكون إنسانيا ، فأنت قد تثقف الفلاح فى الزراعة والنبات وتربية الحيوان ، وقد تثقف الصانع فى الميكانيكا والكيمياء وطبقات الأرض ، والتاجر فى الجغرافية الاقتصادية ومبادئ الاقتصاد السياسى والقوانين ؛ وقد يجيد كل منهم ثقافته ، ولكنك ستنظر فإذا بهم لا يستطيعون أن يتفاهموا فيما بينهم ، لأن أفق كل منهم العقلى ومواضع اهتمامه وسلم قيمه ، بل ونوع إحساسه يختلف عن الآخر تمام الاختلاف ؛ وهذا التنافر لا بد هادم لوحدة الأمة ، وإذن فلا بد من أساس ثقافى يشتركون فيه ، وهذا الأساس هو الثقافة الحرة ، الثقافة الإنسانية التى يسميها الأستاذ ترفا عقليا . والأمم الأوربية أكثر وحدة وأكثر تماسكا منا نحن ، لاتساع هذا الأساس العام وعمقه وامتداده إلى منابع الإحساس ذاتها .
ثم إن ما يسميه الأستاذ ترفا عقليا ليس كذلك فى الواقع ، فالعقل لا يعرف الترف ؛ العقل جهد ، وكل جهد من هذا النوع لا يقل نفعا ولا ضرورة عن أى إنتاج مادى ، وإنما يظلمه الظالمون لأنه غير مرئى النتائج . هذا الجهد يعمل فى النفوس ، وليس من شك
أن العمل فى النفس لا يقل قدرا عن العمل فى المادة . وهو لا يقف عند تهذيب النفس والسمو بها ، بل يمتد إلى قدرتها الحقيقية على كافة أنواع الإنتاج . نحن فى حياة اجتماعية ، وهذه الحياة مادية وروحية ، تقوم على العلاقات بين الأفراد ، فلكى تنتظم تلك العلاقات لا بد لكل فرد من أن يفهم نفسه الفرد الآخر ؛ وها نحن نختلط ونتقابل ونتحادث كل يوم ، ومع ذلك يسىء أحدنا فهم أخيه كل يوم . هناك قصور عام فى فهم النفوس ، حتى بين خيارنا ، وفى هذا شلل تام لمجهوداتنا المشتركة وتضامنا الاجتماعى . وما يسميه الأستاذ بالترف العقلى قاصدا به إلى الأدب والفن ، لا عمل له فى كافة أنحاء العالم وفى كل العصور غير فهم النفس البشرية ورسم صورة صحيحة للإنسان ؛ هو إظهار لخصائص الروح البشرية ، وكشف عن قواها ، وإيضاح لتفاعلها مع الناس والأشياء . وما يبدو لبعضنا تافها أخشى أن يكون ذلك لتخلفنا جميعا فى فهم النفس البشرية على حقيقتها . كل معرفة أداة من أدوات العمل ، والمعرفة النفسية من أنفع تلك الأدوات
وأخيرا فليتصور الأستاذ الفاضل أى ضيق نفسى سيجد عندما يفتح (( الثقافة )) كل أسبوع فلا يجد فيها غير أمراضنا الاجتماعية لولول حولها دون أن نستطيع فى علاجها أشياء ! الثقافة الحرة إن لم تمنحنا شيئا ستسلبنا على الأقل أشياء ، ستصرفنا عن أنفسنا ولو لحظات نستريح فيها من مشاغلنا المسيطرة ؛ ورعاية الروح ما أظنها تقل قدرا عن رعاية الجسد ، وكثيرا ما تكون رعاية له أيضا ، وهذا ليس ترفا بل ضرورة حيوية .
بعد هذا التحفظ الهام نستطيع أن نساير الأستاذ فى دعوته المفكرين إلى التفكير الاجتماعى والعمل على تحقيقه ، وكل تفكير فى هذه الناحية لن يجدى ما لم نعالج نظام الحكم فى بلادنا .
بالنظر فيما يكتب اليوم فى بلادنا نجد نزعتين : نزعة
الديمقراطية الحرة Democratie liberale ، والنزعة الاشتراكية ، وأصحاب النرعتين ، فيما أعتقد ، مخطئون ، وأخشى أن أقول آثمون فى تضليل الرأى العام وصرفه عن الاتجاه الصحيح . ومصدر خطئهم أو إثمهم هو صدورهم عن التفكير النظرى الغربى ونقله فى تعصب أعمى له دوافع كثيرة لا تخفى .
فالديمقراطية الحرة تدعو كما هو معلوم إلى الحد من اختصاصات الدولة ، وإلى عدم تدخلها فى الحياة الاقتصادية لأنها تخشى من اعتدائها على حرية الفرد . وهذا مذهب لو طبق فى بلادنا لظللنا على ما نحن فيه من فقر وتخلف ، وذلك لما هو واضح من أن الأخلاق الفردية عندنا لم تعد تملك من الجرأة وروح البدء والصلابة والمثابرة والثقة بالنفس ما يضمن لها النجاح إذا تركت بغير رعاية الدولة ؛ فنحن إذن فى أمس الحاجة إلى تدخل الدولة فى كافة نواحى حياتنا الاقتصادية ، وها هى كبرى المشروعات لا تزال معطلة ، ولن تزال حتى تنهض بها الدولة على نحو ما ، إما بالاستغلال المباشر ، وإما بواسطة شركات تضمن لها الحياة ، وإنما بمزيج من النظامين . ونحن بالفعل سائرون إلى هذا . وأما الخوف على حرية الفرد واسترقاق الدولة له ، فهراء نظرى فى بلد كبلدنا ، أين هى تلك الحرية ؟ ورق المادة ، رق الفقر ، هل بعده رق ؟ ثم ما هى النظم التى تحمي الفرد من الدولة فى بلادنا ، وقضاؤنا لا يزال ممنوعا بحكم لوائح ترتيبه من الفصل فى الخصومات بين الأفراد والدولة ، إلا فيما يخالف الشكل ! وكل ما يستطيعه حتى فى هذه الحالة هو الحكم بتعويض . هل عندنا مجلس دولة على رأس قضاء إدارى يضمن للفرد حريته وكرامته وحقوقه ؟
ثم لينظر فى نظامنا البرلمانى ، وهو رمز الديمقراطية ، يقول الدستور : إن كل نائب يمثل ستين ألف نفس ؛ فهل أحصى أحدنا عدد الأصوات التى تعطى فعلا ليرى
أن الكثيرين من النواب فى كافة العهود ينتخبون بما لا يزيد أحيانا كثيرة على بضعة آلاف صوت ؟ وهل لم نلاحظ جميعا أن عدد الأصوات أقل ما يكون فى المدن ، مع أنها مقر أكبر عدد من المتعلمين ؟ وإذا صح هذا أو ما يكون فى مقاطعة خيارنا للإنتخاب وتنحينا عن أداء أخص واجبات المواطن الصالح ما يدعو إلى النظر ؟ وهل لهذا من علاج غير تدخل الدولة وجعل التصويت إجباريا كما كانوا يفعلون بأسبانيا فى عهد قريب ، ومعاقبة المتخلف عن أداء واجبه ، ولا أقول عن استعمال حقه ؟ !
وكل هذا يسوقنا إلى المناداة بتدخل الدولة etatisme لا بالديمقراطية الحرة التى لا تصلح لنا ولا نصلح لها .
ونترك الديمقراطية الحرة كمذهب سياسى لنظر فى الاشتراكية كمذهب اجتماعى ؛ ولقد سبق أن أوضحنا فى مقال بهذه المجلة بعنوان (( بؤسنا المادى )) أن مشكلة الفقر فى بلادنا ليست مشكلة توزيع فحسب ، لأنه من الثابت أنه لو وزعت الثروة الموجودة الآن ببلادنا بالتساوى لافتقر الجميع ولم يغتن أحد ، ثم إنه لكى تحقق الاشتراكية لا بد من سفك الدماء فيما أرجح ، وهذا أمر إجرامى لا يمكن أن يفكر فيه عاقل ، لا لأنه بشع فحسب ، بل لأنه كما قلنا لن يحل المشكلة .
وثمة أمر خطير آخر ، وهو اننا الآن أمة ناشئة فى الصناعة ، وهذا يقتضينا إذا أردنا أن تنجح الصناعة فى بلادنا ، فيزداد الدخل العام وتخف وطأة الفقر ، أن تحارب الديمقراطية الحرة والاشتراكية العمالية على السواء ؛ تحارب الديمقراطية الحرة لأنها تقول (( دع الفرد يعمل ، دع التجارة تمر )) . ولقد سبق لست List العالم الاقتصادى الشهير ، فأوضح بما لا يحتاج إلى مزيد أن الصناعات الناشئة لابد لها من حماية الدولة ، وأوضح مظاهر هذه الحماية هو فرض الضرائب الجمركية الواقية التى تحمى
صناعتنا ضد الصناعات الأجنبية المنافسة القوية بحكم قدمها وضخامة رؤوس أموالها وتنظيم أسواقها ، وإلا هلكت صناعتنا بما يسمونه الإغراق Dumping ؛ وهو عبارة عن البيع بخسارة إلى أن تموت الصناعة المحلية ، ثم تعويض الخسائر فيما بعد عند احتكار السوق . فهل ترانا مستطيعون ذلك ونحن دولة ديقراطية صديقة للديمقراطيات الكبيرة التى تحرص على فتح الأسواق ، وتنادى من الآن بذلك فى بياناتها ؟ ونحن نحارب الإشتراكية العمالية لأننا مع محبتنا لطوائف العمال المجدين نخشى أن تصل بهم الشهوة النفسية إلى شل صناعاتنا الناشئة بمطالبهم المعرفة . ومن المعلوم أن نقابات العمال فى البلاد الأوربية التى تقلدها ، لم تعد اليوم تكتفى بالمطالبة بتحديد ساعات العمل ، وتحديد حد أدنى للأجور ، والتعويض عن مخاطر العمل ، والتأمين ضد الشيخوخة والبطالة ، وما شاكل ذلك ، بل أصبحت تطالب بإلغاء نظام الأجور ذاته ، وإحلال المساهمة فى الأرباح محله . فهل تحتمل صناعتنا الناشئة كل ذلك ؟ وهل سيقبل أصحاب رؤوس الأموال نظاما كهذا ؟ ثم إننا نلاحظ طغيانا فى أوربا من طبقة العمال على الطبقات الاجتماعية الأخرى كالفلاحين وأصحاب المهن الحرة ورجال الفكر ، وفى كل هذا ما يخل بتوازن الأمة الاجتماعى .
وإذن فنحن من جهة نرفض الديمقراطية الحرة ، لأننا لا نرى مقرا فى ظروفنا الحاضرة من دعوة الدولة إلى التدخل فى كافة مظاهر الحياة ، كما ترفض الاشتراكية لأننا نكره وسائلها ونخشى طغيانها ، ونعتقد أن استفحالها الآن قد يشل حركتنا الصناعية التى لا نرى علاجا لمشكلة الفقر عندنا فى غيرها .
وكل هذا ينتهى بنا إلى المناداة بمذهب نظنه يتمشى مع آراء العقلاء منا ، وهذا المذهب هو مذهب الديمقراطية
الاجتماعية ؛ ننادى بالديمقراطية لأننا نعتز بالفرد ، وبحرية الفرد ، وبكرامة الفرد . ونحن تريد تلك الديقراطية اجتماعية لتحقق عدلا اجتماعيا ، وهذا العدل لن يكون بغير تدخل الدولة ، وهذا التدخل لن يكون بغير التشريع ، والتشريع تصدره الأمة .
وهكذا ننتهى إلى أن من يريد أن يعمل لحل (( مشكلة العيش )) من واجبه أولا أن يبحث عن مبادئ ذلك الحل ، وعن الطرق العملية لتحقيق تلك المبادئ . وثانيا ليست هناك طرق غير (( النزول إلى الشارع )) وكسب الرأى العام تمهيدا للوصول إلى السلطة الفعلية التى تستطيع أن تعمل . فهل أنتم مستعدون لذلك ؟ وأنا معكم ؛ على أن أحتفظ عند ذلك لنفسى بالترف العقلى ، أتعزى به عن حرارة الجهاد ، أو أغذى به تلك الحرارة .
