قد اطلعت على مقالك المعنون بحماقة آب في العدد ٨٥٨ من الرسالة فخلبتني موسيقية ألفاظه وطلاوة عبارته وبراعة أسلوبه ورصانته، وسحرني ما خلعت عليه من عرائس البيان التي ترنمت فأطربتني لكن بغير لسان، وتركت في الفؤاد أثراً دونه وقع رنات المثان!
ولما انتهيت إلى قولك: "والآن ماذا يختلج في فؤادك الخ" لم ترقني خاتمته على هذا النحو؛ لأن القارئ يميل إلى أن يعرف نهاية القصة بأسلوب ترتاح إليه نفسه، ويطمئن له قلبه، وتسكن عنده خلجاته. وأنت قد أبهمت مصير حياة الرجل فلم نعرف:
أتخاذل أمام الحزن فهلك تحت كلكله؟ - أم صارع أمواجه ولم يستسلم له؟ وهل رضيت زوجته بمرارة الفقر المفاجئ، وسفعات البؤس المباغت؟ أم فرت إلى بلهنية العيش ورغد الحياة في كنف أسرتها؟
وتعبيرك في آخر القصة "وتنوء تحت أثقال ثلاثة من الفاقة والشيخوخة والوحدة" يفيد أن الرجل فقد كل شيء حتى زوجته وأنت لم تنوء بها في حوادث القصة كما نوهت بفرار الابن. وكيف كان أخوته إزاء حالته؟ أشمتوا به جزاء ما فعل معهم فكانوا عليه ضغثاً على إبالة؟ أم دفعوا إساءته إليهم ومقاطعته إياهم بإحسانهم إليه بمواساته؟
وهل الحامل للابن على الفرار هو خشية أن يصمه عار الفقر وذل السؤال كما قلت أم خشية أن يتساقط لحم وجهه خجلاً حينما
ترنو إليه عين أبيه بعدما أفرخ الدهر بيضته وكشف سرّه؟ أظن أن الثاني أقوى تدعيماً لفكرة الفرار. كل ذلك مما يلفت الأنظار. ويثير الارتياب عند قراءة المقال!
أما اختتامه بما يدور في خلده ويختلج في فؤاده دون أن تبين على أي حال استقرت سفينة حياته لا ينقع للنفس غلة ولا يشفي منها علة. .!! أسيوط

