الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 408 الرجوع إلى "الثقافة"

إلى الأصقاع المجهولة

Share

-١ - جاكوب فاسرمان كاتب موهوب وروائى بارع قدير في طليعة الروائيين الألمان الذين ذاعت شهرتهم فى الثلث الأول من هذا القرن وكتابته لا تتسم كما يبدو لى بالإشراق والصفاء والاتزان وإنما تمتاز بالجدية والصرامة والقوة فلا يطالعك من صفحاته الروض الناضر أو الصباح البسام وإنما تشرف منها على الليل المدلهم والعاصفة العازفة وهو لا يكشف لك عن حرية الإنسان وقوله ومجده وعظمته و إنما يريك مصارعة الإنسان لأحزانه العميقة وهمومه الشديدة ومطاردته لأهوائه العنيفة وشهواته الثلاثة وربما كانت قوة شعوره أعظم من قوة فنه وهو أقرب إلى طراز يعبرون منه إلى طراز جيتى

وقاسرمان مثل عينى ألمانى من أصل يهودى وقد ولد في فورث ببافاريا في سنة ١٨٧٣ وكانت أسرته تشتغل بالتجارة ولكنه نشأ ميالا إلى الأدب وكانت أمنيته أن يصبح كاتبا ولم يعجب أسرته هذا الاتجاه الشاذ فتخلت عنه وتركته يحتمل نبعة اختياره ويشق طريقه ويبنى مستقبله ونشبت معركة شاقة طويلة بينه وبين الفقر اعانته زوجته الوفية الصابرة العاطفة على احتمال مرارتها والتمرس بآفاتها حتى فاز وانتصر في النهاية وأرغم الألمان على العناية بأدبه والاستماع إلى صوته

ويشعر قارئ قصصه بنفسه الملثاعة الجادة المعذية وهو عاشق للحياة مفتون بها ولكنه في نفس الوقت كاره لها ناقم عليها وهو يعجب بالدافع الاخلاقي الكامن فى الإنسانية ولكنه يندد بالفرد وبراء أخيذ أهوائه ونزواته وهو يؤمن بالفضيلة ولكنه ينشدها في الحياة فلا يجدها ويؤمن بالسعادة ويسعى إليها ولكنه لا يظفر بها وكتبه تحمل طابع نفسه الثائرة الهتاجة الساخطة المتبرمة ولكن

هذه النفس رغم ذلك زاخرة بالعطف لمن يستحقه ولمن لا يستحقه وقد كان فاسرمان بطبيعته من الميالين إلى العزلة والانفراد وهذه القصة التى أقدمها لحضرات القراء لون من أدبه يكشف عن مزاجه ويبين اتجاهه وقد توفى فاسرمان في سنة ١٩٣٤

في ذلك العصر الغابر يوم كان انقشاع غيمات المجهول عن عوالم جديدة يثير خواطر الناس في أوربا القديمة كان يعيش في اسبانيا رجل من الأشراف قد أملق اسمه جيرونيمو دى أجويلار وكان محبا للتجواب مستهاما  بالرحلات والأسفار ومنذ أصبحت أعمال كريستوف كولبس وغيره من الأبطال حديث الأقوام لم يكن له سوى غرض واحد يهدف إليه ولا يتزحزح عن طلبه وهو أن يفعل كما فعلوا

وهو مطلب من السهل التحدث عنه ولكن من الصعب المسير تحقيقه وإدراكه وكانت كبرياء جيرونيمو تأتي له أن يلتحق بإحدى السفن نوتيا أو جنديا أو حتى كضابط مساعد ولأجل أن يكون قائدا حتى لأصغر حملة كان لابد أن يكون عنده مال أو أن يكون له أنصار أقوياء ولذا لم يكن في وسع جيرونيمو سوى أن يعكف على نفسه صابرا بالرغم من أنه كان يقول لنفسه إن كل يوم يمر به يسلبه فرصة لا تعوض وكان يقضى لياليه ساهرا مكبا على الكتب القديمة والخرائط الحديثة وقد كاد يذهب بعقله الطموح اليائس والتلهف على العمل وكان من الصباح إلى المساء ما ينفك يضجر أصدقاءه وعارفيه ويجلس فى قاعات استقبال الأعيان والعظماء ويقدم الالتماسات والشروح الضافية وكلما خاب له أمل اشتد إصراره الجنونى وكلما بذل له وعد لا قيمة له ازدادت الرغبة استيلاء على نفسه وتمكنا منه

وكان يقسم بأن ما فعله كولمبس المحدث الشهرة ليس بشىء ويقول إذا أتيح لى أن أصنع ما أشاء فإنى سأعيد كشف الأنلنتيس التي عرفها القدماء وأفتح الأقطار التى

بها من الذهب ما هو أكثر مما في بلادنا من الأحجار التى نرصف بها الطرق وأرد إليكم سفنكم موسقة بالكنوز التي تمكنكم من ان تعطوا أطفالكم الجواهر ليلعبوا بها كما رأيتم في دار الخزانة الملكية ولكن لا تتريثوا أكثر من ذلك فإن ليالى الزمان حيالى بلدن العجائب

وكان يكثر من إرسال مثل هذه الكلمات الملتهبة وكانت عيناه السوداوان وهو يتحدث تشتملان كأنما كانت النيران الجاحمة مضطرمة في نواحي نفسه وكان الكثيرون بطبيعة الحال يعتقدون أنه دعى مذاع والبعض كانوا يعتقدون أن به مسامن الجن ولكن كان هناك فريق من الناس يرون أن الذى يخاطر بإرساله عبر البحار قد يختفى ثمرة ذلك وأن الذى يشعر بأن في طوقه القيام بالإعمال العظيمة ليس في حاجة إلى أن يتحدث عنها فى تواضع معلم المدرسة

وفي ذات يوم دعا الكونت كالنجوس جيرونيمو إلى منزله وكان هذا الكونت من الحجاب السابقين المبعدين عن البلاط وكان غنيا غريب الأطوار فلما جاءه جيرونيمو  أشار إلي منضدة مليئة بالنقود الذهبية قائلا هنا ما يعادل عشرة آلاف بيسيتا ولقد سمعت باسنيور دي أجويلار من خططك ومقاصدك وأنا مستعد لإعطائك هذه النقود لتستعين بها على بلوغ غرضك فجهز بها سفيني المسماه هيلينا الراسية في ميناء قادس وأنا أمهلك ثلاثة أعوام فإذا لم أسمع عنك شيئا فسأعتبر أنى قد فقدت السفينة والمال والملاحين ولكن إذا عدت خائبا فان أكتفى باعتبارك ثرثارا مذاقا بل سأجد الوسائل التى أعاقبك بها على اجترائك وادعائك

ومثل هذا الحديث في أي مناسبة أخري كان يجعل دم جيرونيمو يغلي ويفور ولكنه في تلك الآونه أشاع في نفسه السرور العظيم وبدون أن ينبس بكلمة أخذ يد الكونت وانحني وقبلها

ولم يلبث جيرونيمو الكثير الكلام والذي ينقصه التحفظ وضبط النفس أن أصبح صامتا رزينا رابط الجأش  ولما أخذ بشحن السفينة بالرجال والعتاد عرف كيف يفيد مما تعلمه من نجاح وإخفاق الذين سبقوه وأظهر في ذلك من القدرة وحسن الإدراك وأصالة الرأي ما جعل الجميع يفتون عليه وفي مطالع الخريف كان قد أتم استعداده وفي صباح وضاح الجبين من أحد أيام شهر أكتوبر أقلعت السفينة مشيعة بهتافات الجم الغفير من الناس وقد وقف جيرونيمو علي منصة السفينة ثم وثب إلي أعلاها كاللهب  على حين كانت بلاده ترسل إليه هذه التحية الأخيرة ولم يترك وراءه قلبا ينبض بحبه ولا شيئا من حطام الدنيا ولا أصدقاء حتى ولا كلبا كان وحيدا مستفردا وكان يعرف ذلك ولا يأسف عليه وقد نسج حول نفسه غشاء رؤيا لاعة سادرة للأبصار ولم يكن في حياته مكان الحب أو العطف

وانطلقت السفينة تشق طريقها غير مبالية بالرياح وكان كل من عليها قد شخصت أبصارهم نحو الغرب الغامض الخفى وشعر الجميع حتى الملاحون الغلاظ بأنهم قد سرت في أجسامهم تلك الرجفة الخرافية حنيها أخذت النجوم التى ألقوها منذ نعومة أظفارهم تنور وتختفى وقد حذرهم من الأخطار المدخرة لهم منظر السماء الجديدة ومظهرها المجهول وسحبها المتألقة وكان جيرو نيمو وحده لا يفكر في غير الشهرة التي تنتظره وكأنما كان يرصد أحلامه الملك ميداس ويحول رغباته وآماله إلي ذهب وهاج  لأنه كان يعلم أن الثروة الضخمة التي سيجممها في سرور ولهفة هي الوسيلة الوحيدة لنيل الشهرة والضمان الأ كيد لكسبها

وكان بالسفينة راهب قد قام برحلة عبر المحيط قبل ذلك رحل بجزيرة هسيتيولا وكان قد أرسل إلى هناك من قبل الطائفة التى يتبعها للتبشير بالديانة المسيحية وإدخال

أهل الجزيرة فيها وطالما تحدث وقد بدت على وجهه أمارات الحزن عن قسوة الاسبانبين وفظاعتهم في تلك الجزائر الجميلة وكيف كانوا يخدعون الأهالى السذج ويخونون تفنهم ويقدرون بهم وكيف كانوا يحيلون تلك الأقاليم النضرة المزدهرة خرابا باقعا بسبب جشعهم الذي لا تشبع نهمته ولا يرتوي ظمؤه فكيف نجد كلمة المسيح المخلص طريقها إلى قلوبهم وقد جعلت الخيانة والقتل والنهب والسلب ديانة هؤلاء المبشرين المتحمسين لا تبدو إلا في صورة الرباء والنفاق

وكان جيرونيمو يستمع فى غير اكتراث إلى كلمات الراهب ولكن إذا ذكر اسم كولميس أو أى بحار جرىء آخر من الملاحين الذين خلفوه كان يضغط قبضة يده ويعلو وجهه المستطيل ما يشبه اصفرار الموت

وفي الأسبوع السادس للرحلة تارت زوبعة عاتية استمرت أياما ودفعت بالسفينة بعيدا عن مجراها إلى الناحية الشمالية الغربية وقطعت الصوارى وكسرت الدفة وكانت السفينة تترنح وتضطرب عاجزة قليلة الحيلة في مياه بحار لا يعرف مداها ولما أرسل أحد الملاحين الصيحة المنتظرة فى ذات صباح قائلا إنه  قد شاهد الأرض اعتقد من فى السفينة أنهم قد نجوا ولكنهم نظروا إلي الشاطئ في خوف ووجل لأنهم كانوا يجهلون أين هم ولا يعرفون المصير الذي ينتظرهم ولما دانوا الشاطئ لحظوا في رعب الأمواج المزيدة الهادرة المتلاطمة وقبل أن يفكروا فيما يعملونه لتلافى هذا الخطر الملاحق ارتطمت السفينة في صخرة شاهقة  وسرعان ما امتلأت بالماء وكان الموج الجارف قد حمل الملاحين في يده الناشية واختطفهم وفقد الآخرون حياتهم وهم يحاولون الحصول على زورق ينجيهم من الغرق وفى وقت قصير ابتلع البحر السفينة وملاحيها

وربما كانت رغبة جيرو نيمو القوية الجبارة في أن يعيش ويعمل هي التى أنقذت حياته فإن العناصر نفسها

لا قيل لها بمقاومة إرادة أمثاله على حين يهلك حوله الرجال الأضعف منه منة وإرادة فقد حملته موجة ضخمة هائلة إلي مسيل من الماء بين شعب من الصخور الصياخيد وقذقت به إلى الأرض  ولما ناب إليه وعيه بعد أن ظل حينا من الزمن فاقد الرشد وجد نفسه محاطاً برجال في ملابس مجيبة وقدم له أحدهم شيئاً ليشربه في وعاء من النحاس وأعانه آخر علي القيام وساروا به إلى قرية كبيرة واستفسروه بالإشارة عن الجهة التى جاء منها فأشار إلى ناحية الشرق ودنا منه يخطى رزيئة متشدة بعض الأشخاص الذين لا يمكن إلا أن يكونوا من رجال الدين  واقترب منه كذلك قوم قد ازينوا بالأزهار والثياب المخملة رجح أنهم من العلية والسراة وكانوا يخاطبونه بلغة عذبة رخيمة الحواشى وكان يجاويهم بلغة بلاده ويشير إشارات معبرة تارة إلي السماء وطورا إلى البحر وآخرى إلي ثيابه الممزقة

وفي اليوم التالي أستقدموه إلي مدينة أثارت دهشته شوارعها الجميلة وأسواقها وحدائقها وقصورها وأبوابها وحصونها واقتادوه المثول أمام عرش أمير شاب كان يلبس قباء أبيض اللون تشوب بياضه زرقة مرصعا بالزمرد وينتعل خفا محلى بالذهب وحيا جيرونيمو تحية ودية  ونظر إليه نظرة سارة نشي بحب الاستطلاع الساذج  وما أدركه جيرونيمو من حياة القوم وسلوكهم أوجد فى نفسه الشعور بالثروة والجمال  وأفهم انه لن يعامل معاملة الآسير  وإنما يعامل معاملة الضيف  وقادوه إلي منزل قرب قصر الأمير أعد لإقامته

ولم يعرف جيرونيمو بطبيعة الحال أنه في بلاد الأزنك الواسعة الرقعة المترامية الأطراف والتي كانت كل مقاطعة منها تكون مملكة قائمة بذاتها ومنها المقاطعة الواقعة على الشاطئ حيث استهدف للغرق ولم تكن أقدام الأوربيين قد وطئت بعد تلك الأرض ولم يعرف كذلك

أي سماء تقله  وفي بعض الأحيان كان يخال أنه قد نقل إلي كوكب آخر  وكان كل شئ يبدو له عجيبا سواء فى ذلك الهواء الذي يتنفسه أو الملابس التي أعطيت له  وكل شجرة وكل حيوان وكل عين تنظر إليه وكل صوت تسلسل في مسمعه

وفضلا عن الوحدة التي قضي عليه بها لإقامته بين المستوحشين كما كان يظن  فقد كانت تستوقد ألمه فكرة أنه قد حالت بينه وبين بلاده بحار لا يمكن اجتيازها وخوض ميايها  وكان يلحظ مظاهر الثروة الباذخة حوله مناظر الطامع السلاب وبدور في نواحي تلك البلاد العجيبة يمين الغريب وارتياح الغازي المنتصر وكانت عنده بمثابة حلم حالم أو صورة ساخرة ولقد بلغ غايته ولكنه لا يستطيع أن يجني ثمرة مجهوده والعالم الذي كشفه سيظل سرابا حتى يستطيع ان يوافى بإخباره ملكه وبلاده وكان يعتبر نفسه المالك الحقيقي لكل ما يراه حوله وينتظر إلى القوم وأميرهم كأنهم خدمه وحشمه ولقد أصبح في حوزته كنز لا ينفقد ولكن القدر الساخر الذي أرغمه على أن يقضي وقته في تقاعد وجمود كان يدفعه إلي اليأس المرير ويجعله يقضي الليالي متصورا من الألم يرسل إلي السماء التوسلات التي تحوي من ألفاظ الجحود والتجديف أكثر مما تحوي من ألفاظ التقوي والتضرع

وسرعان ما لحظ انهم يتجادلون في أمره ورغم ما أظهروه له من الود والعطف فقد شعر بأنهم يراقبونه مراقبة متصلة وان كل خطوة من خطواته تقتفي بعناية وانتباه وكان بطبيعته قوي الملاحظة وقد زاده البؤس قوة في الملاحظة وقد تعلم أن يفهم جانبا كبيرا من لغة القوم  واثنان من الشبان كانا قد عهد إليهما في حراسته أوقفاه على جلية الأمور وفي ذات يوم أدرك أن حوادث عجيبة في طريق الوقوع وأن نهاية خاصة تنتظره

وكان هناك نبوءة شائعة بين الأزنك مضمونها أن

إبن الشمس وهو إله أو نصف إله سيحئ من الشرق ليعلمهم وبعد مجيء جيرونيمو أخذ الكثيرون يعتقدون أنه هو الذي كان وجوده منظورا منذ زمن ومن ثم ذلك الخوف والتواضع الذي لحظه في سلوك من كانوا حوله ولولا أنه كان دائم التفكير في بلواه وكارثته لشغل ذلك باله واسترعي انتباهه وكان هناك فريق آخر يخالفون إخوانهم ولا يرون رأيهم في هذا الرجل الغريق وكانت حجتهم التي يصولون بها هي أن ابن الشمس لابد أن يظهر في صورة ملؤها اليها والروعة ولا يجئ كهذا الطريد العاجز الذي رمت به الأمواج

وكان الفريق الأول يردون عليهم قائلين إن مجيئه على هذه الصورة قد يكون حيلة ومكرا من الآلهة  أما رجال الدين فقد تشبثوا برأيهم في أن جيرونيمو أحد أفراد سلالة مجهولة وأنه بالرغم من ثقافته العالية ووسامته فإنه يجب الحذر من خيانته وأن الخطر من ناحية قوم هذا الغريب يهددهم  وأنه يجب أن يضحى به ويحرق قلبه فوقي كتلة من اليشب تكريما لآلهة الحرب

ورأي الأمير وحاشيته من الأشراف أن واجبات الضيافة لا تتفق مع نصائح الكهنة واستمر الخلاف وطال الجدال حتى استدعي الأمير جماعة ممن كان عملهم الفصل في أمثال هذه الأمور وخاطبهم قائلا يجب أن نتحرى العدل في الحكم على هذا الغريب فإذا كان من أصل مقدس فانه يجب أن يكون في مستطاعه أن يقدم البينة التي تثبت ذلك فما هو الدليل على القداسة عندكم  إني أري أن دليل القداسة هو القدرة على كبح ذلك الميل الذي يغزو قلوب الرجال ويهيمن عليها وهو حب المرأة فلنمتحنه ونبلوه فإذا فشل في الامتحان كان الحق في جانب الكهنة وإذا صابر واحتمل عاش معنا في أمن وسلام

ووافق الجميع على رأي الأمير السميذع وكانوا واثقين من أنه سينفذ خطته في أحكم أسلوب ولم يدرك

جيرو نيمو ما كان بدور حول مصيره  ولكنه أحس الخطر وتوقع الشر وهداء مكره إلي أن يتقدم إلى الأمير بطلب ليتبين من حديثه حقيقة الموقف  ولذا ارتمي على قدمي الأمير وسأله بالكلمات القليلة التي تعلمها أن يسمح له ببناء سفينة  وكان يعلم أن هذا غير ممكن لان المكسيكيين لم يكن عندهم فكرة عن بناء السفن ولو ان الأدوات الناقصة التي كانوا يستعملونها كانت تمكنهم من الإتيان بالخوارق في البراعة والاتقان وكان قلق جيرونيمو وقلة اضطباره وآلامه الموجعة مجمله يفكر في عمل زورق قد يستطيع على سفره وقلة اتقان صنعه أن يمكنه من الوصول إلي إحدي الجزائر الإيهيانية

فأجابه الأمير في ألفة وسرور  لأي شيء تريد السفينة يامالينش وكان هذا هو الأسم الذي أطلقه الأزتك على الغريب الحزين

فأجاب جيرونيمو لكي أعود إلي بلادي فقال الأمير الشاب لا نستطيع عمل سفينة تحملك إلى بلادك

فأجابه جيرونيمو وقد ثارت رواقده مر تجاريك أن يعملوا ما أشير عليهم وبذلك تبني السفينة

فأجاب الأمير في لبس وغموض دون أن تفارقه رقة حاشيته المعهودة  لن يكون ذلك اليوم ولكن ربما يكون حينما يهل الهلال الجديد

وعرف جيرونيمو من فحوى كلام الأمير مدى المهلة التي منحت له لأن الهلال حينذاك كان جديدا وشرع من تلك اللحظة يرصد انتباهه ويأخذ حذره ولكن من يعلم ماذا كان سيصيبه لولا أنه في ذات يوم وهو يمشى فى حدائق الأمير ومعه الخادمان الوكلان بحراسته أنقذ غلاما من مخالب فهد  وكان هذا الحيوان المفترس قد انطلق من محبسه وهاجم الغلام وأصابه بجروح دامية فهرع إليه جيرو نيمو واستحث الخادمين على استعمال سلاحيهما

وأزعج الفهد بصيحاته وفي اليوم التالي حضر إلي منزله والد الغلام وكان شيخا وقورا مرتديا ثيابا فخمة وشكره شكرا حارا مؤثرا وأخذ يطيل النظار إليه ثم انحنى فجأة على أذنه وهمس فيها قائلا إذا لمست امرأة أيها الغريب هلكت

وبعد أن حذر هذا الشيخ الأبيض اللحية جيرو نيمو وغادر منزله قتل نفسه لأن ضميره لم يستطع أن يحتمل خيانته لثقة الأمير وبعد ذلك بأيام قلائل جاء إلى جيرونيمو رسول من قبل الأمير وأبلغه عن لسانه هل يرغب فى الزواج من إحدي فتيات البلاد  فحنا جيرونيمو رأسه إلي الأرض واكتفى في الرد على هذا العرض بأن هز راسه في جد ووقار وبعد ذلك بساعات جاءه رسول آخر وأعلنه بأن فتاة بارعة الجمال جمة الثراء عريقة الأصل على جانب كبير من الأخلاق الحسنة أرادت أن تكون زوجة له وأنه مما يسوء الأمير أن يرفض هذا الشرف وأ كد هذا الإصرار والالحاح عند جيرونيمو ما يري إليه الأمير فلزم الرفض والتمنع

ولما استفاق من نومه في خلال الليلة التالية اشتد تمجيه إذ وجد نفسه في غرفة غير الغرفة التى تعود أن ينام بها كان الضوء ينفذ إلى هذه الغرفة من أعلاها وكان النبش الذي يملأ الغرفة يضرب إلي الزرقة وكانت أرض الغرفة مغطاة بالطنافس وحيطانها مزدانة بالأزهار الناضرة التي كان لعطرها الفواح تأثير خاص في جيرو نيمو فقد أنامت عقله وأيقظت حواسه وكان للأزنك فن في مزج العطور يكاد يكون لونا من السحر وكانوا يحدثون بذلك تأثيرا كالتأثير الذي تحدثه العقاقير والمشروبات المخدرة وكانوا يكلفون بالأزهار ويؤثرونها على كل شئ وكانوا يقيمون لها حفلات تتزين فيها الناس بالأزهار سواء في ذلك الرجال والنساء والأطفال ويجوبون الطرقات فى مواكب حافلة للقصة بقية

اشترك في نشرتنا البريدية