(( وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معدودات )) .
كنت كلما قمت إلى الصلاة ، فتوجهت إلى القبلة ، تصورت الكعبة المشرفة ، والمسلمون يقبلون عليها من آفاق الأرض ، وهم معها بقلوبهم وأرواحهم ، يحفون بها صفوفا ودوائر تخترق البر والبحر ، والسهل والوعر ، تمر على كل قطر وبكل مصر ، تتعاقب وتتسلسل لا يحصيها عدد ، تضيق كلما دنت الديار من الديار ، وقل النأى واقترب المزار ، فأحس بأنى إن كنت واحدا بنفسى ، فإنى كثير بإخوانى هؤلاء الذين أحبهم ولم أعرفهم ، وأشتاقهم ولم ألقهم ، وأشعر بعزة الإيمان ، وأزداد للكعبة حبا وإليها حينا . فإذا صليت فى مسجد أحببت أن أدنو من المحراب ، وأجلس فيه ضحى ، والمسجد خال ساكن ، فأنظر فيه وكأنما أنظر من نافذة تشرف على جنة ، فينطلق خيالى يخترق تلك الجدر ، وهى آلاف مؤلفة تقوم بينى وبين الكعبة ، حتى يصل إليها ؛ وإن صليت فى العراء جعلت أنظر عقب الصلاة إلى الأفق الجنوبى أوغل فيه ، أجوب السهول والحزون أحاول أن أمثل لعينى الحرم الأطهر والكعبة الحرام ، كما رأيت صورتها وقرأت وصفها
فلما كتب الله لى منذ ثمانى سنين أن أتشرف بالعمرة ، وأرى تلك البقاع التى أشرق منها النور على العالم ، بعد ما غرق فى بحر لجى من الظلمات ، وأقوم فى مهبط الوحى وأرض النبوة ، رأيت تلك الدوائر التى كانت تطيف بالكعبة من وراء الجبال والبحار ، تخترق الحدود وتجتاز الأقطار ، قد صغرت حتى اشتملت عليها جدران الحرم ، وحفت بالكعبة المشرفة ، فاجتمع هنالك الغربى والهندى ، والمصرى والفارسى ، والتركى والعربى ، وتلاقى المشرق والمغرب ، والشمال والجنوب ، وتدانت المدن ، وجمعت
الأرض كلها فى ذلك الحرم ، كما التقى الماضى بالحاضر ، وجمع الزمان كله فى ساعة واحدة هى الزمان ، فرأى الحاج نفسه فى عصر النبوة ، يعايش الصحابة ويعاشرهم ، ويقوم معهم فى صلاتهم ، ويطوف طوافهم .
هنالك تنهار حدود الزمان والمكان ، ولا يبقى إلا جلال الإيمان . هنالك يشعر المرء كأنه كان تائها فى صحراء ما فيها إلا السراب والسماء ، والموت بينهما جاثم وراء الرمال ، فرأى سور مدينة يتدفق ماؤها ، وتتمايل أشجارها ، فما زال يطوف بالسور ، ويطلب الباب ، حتى وجده ، فولجه وطفق يجوز من درب إلى درب ، ومن ساحة إلى ساحة ، حتى بلغ قصر الملك ، فترقى فى أدراجه ، وتغلغل فى غرفه وأبهائه ، حتى دخل الحضرة السلطانية ، ورأى النعيم كله ، ولله المثل الأعلى .
هنالك ينسى المرء أن الدنيا فى حرب قد لبس أهلها من الحديد جلودا ، واتخذوا من الرصاص أظافر ، ورمت عيون دباباتهم بالنار المتسعرة والشر المترامى ، ويسافر فى الزمان ويحيا فى الماضى الآمن الحبيب ، فيرى الحاج نفسه فى عصر النبوة ، ويتخيل مكة قريش ومجالسها حول الكعبة ، ومحمدا إذ يطوف بتلك المجالس يعرض على أهلها سوارى كسرى وتاج قيصر ، ومفاتيح الأندلس والقسطنطينية والسند ، ومجد الدنيا وعز الآخرة ، فيأبون ويفضلون مجدا يحده أبو قبيس من هنا وقعيقعان من هناك ، وملكا فى واد عرضه ثلاثة أكيال ، على ملك الدنيا الذى منحهم أياه محمد . ويرى قريشا وقد ظفر باطلها بحق محمد ، وللباطل جولة ، فطفقت تؤذيه وتنال من أصحابه ، وهم ثابتون على دينهم ثبات الشم الرواسى ، الواحد منهم بجيش ، والجماعة بأمة ، ثم يرى الباطل يضمحل ، والحق يعلو ، ومحمدا قد أحاط بجبال مكة ، وقد أوقد كل مسلم فى جيشه نارا ، فرفعت قريش نظرها ، فإذا عشرة آلاف نار تتوهج فى سواد الليل ، فارتاعت وانشعبت من أبطالها القلوب ،
وألقت بسلاحها وراياتها عند قدمى محمد . ثم يرى الكعبة وقد تهاوت من حولها الأصنام التى نصبتها جهالة قريش ؛ فلم تعد إليها ولن تعود إلى يوم القيامة . ويرى رسول الله قائما أمامها ورؤوس قريش بين يديه ، يذكرون ما سلف منهم من ذنوب ، وما آذوا به رسول الله والمؤمنين ، يتفكرون فيما يلقونه به من العذاب لو أن الكرة والظفر كانا لهم ، وإذا بمحمد يقول لهم ؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء !
هنالك يجد الحاج أن قد امتد عمره حتى أحاط بالقرون الأربعة عشر ، وتخالط أعصابه قوة الخالدين ، فيرفع رأسه كأنما يريد ليتحدى الموت ، ثم يدركه الخشوع فيخفضه خضوعا لرب هذا البيت الذى خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا ، ويتأدب ويذكر أنه فى مجلس النبى صلى الله عليه وسلم ... هاهنا كان يجلس محمد بن عبد الله ، سيد العالم ، وحوله الأصحاب الذين طلعوا فيما بعد شموسا مشرقة على أقطار الأرض كلها ، يحملون السيف لدك أسس الظلم ، ونسف أركانه ، والقرآن لإقامة العدل ، وإحقاق الحق ، وهداية الناس إلى الطريق ، فكان الواحد معلم أمة ، ومهذب جيل ... وينفصل الحاج من حاضره ويعيش بروحه وحسه فى ذلك الماضى الأزهر ، ويرتقب رسول الله داخلا من باب الحرم ، أو طائفا بالبيت ، أو واردا ماء زمزم ، أو قائما فى مقام إبراهيم ، وياسعادة من يرتقب أن يرى رسول الله طالعا عليه !!
فإلى الحج ... يا أيها القادرون عليه !
يا من حطت عليهم الآلام ، يا من تراقصت فى نفوسهم الآمال ، يا من ناءت بهم المصائب . يا من تناءت منهم الرغائب ، اذهبوا بآلامكم ومصائبكم ، وامشوا فى طلب آمالكم ورغائبكم ، إلى باب أكرم الأكرمين ، فاعرضوها يوم يقوم الناس من كل جنس ولون فى صعيد واحد ، يهتفون بكل لغة ولسان : يا رب يا رب ، يقولون : لبيك ، لبيك ، قد آمنا بك واتبعنا رسولك ، لبيك قد أطعناك
وقصدنا رحماك ، لبيك قد نزعنا عنا ثيابنا ودنيانا وشهوات نفوسنا ، وأتيناك متجردين سائلين ؛ يطلب كل حاجته ، ويعرض مسألته ، فلا ينصرف إلا وقد أجيب سؤاله أو أعطى خيرا مما سأل ، ولا ينقص ذلك من ملك ربنا شيئا .
يا أيها المسلمون ، أما ورب ذلك البيت ، لو لم يكن فى الحج إلا شهود هذا المشهد الذى لم يعط الله البشر ثانيا له فى جماله وجلاله وكماله ، لاستحق أن تشد إليه الرحال من أقصى الأرض ، فكيف ، ومع الاستمتاع بشهوده ، طاعة الله ومغفرته ورضوانه !! ،
يا أيها المسلمون ، لقد خلق الله الناس درجات ، ورفع بعضهم فوق بعض ، وجعل التفاوت بالدين والخلق والمال والجاه ، فنسى الناس الموازين كلها واتخذوا المال ميزانا ، وجعلوا التفريق بالظاهر لا الجواهر ، وقوموا الرجال بالأموال ، لا بالسجايا والخصال . ومن نظر فى فلسفة الملابس لعلم أن التفاوت كله باللباس وما يشبه اللباس ، لذلك أوجب الإحرام والتجرد من المخيطات التى يتفاوت بها البشر ، فعاد الحجاج سواء أمام الناس كما كانوا أبدا سواء أمام الله ، لا يتفاضلون إلا بالتقى ، ولم يبق فى نفس الكبير كبر ، ولا فى نفس الصغير مذلة . وكان هذا هو الوقف الفرد ، فى تاريخ البشرية كلها ، الذى تحققت فيه المثل العليا ، وسجنت أحلام الفلاسفة ، وأنهزم المال وهو القوى العاتى ، فلم يبق له عمل فى تقويم الناس ، وتمت المساواة التى طالما جرى من أجلها المداد على القراطيس والدم فى الميادين ، ولم يحصل عشاقها منها إلا على طيفها فى المنام .
يا قادرين على الحج حجوا فإن لكم ثوابين ، ثوابا عاجلا هو ما ينزع أفئدتكم من الملذات القدسيه ، وما تحفظه قلوبكم من الذكريات التى تعيشون عليها من بعد أمدا طويلا ، وثوابا آجلا هو ما ادخره الله لحجاج بيته ،
وضيوف حرمه ، وما زال إكرام الضيف من سنن الكرام
إلى الحج ... ويا ليتنى من القادرين عليه ؛ فما أشقى المحب يرى الراحلين إلى ديار المحبوب ، وهو المقيد المحبوس ، لا يطيق حراكا ؛ يا ليتنى من القادرين عليه ، فأدع نفسى ومطامعها ، وحبها الجاه والمال فى بلدى ، ثم أمضى بلا نفس ولا طمع ، وأتجرد من شهوات الجاه والمال كما أتجرد من ثيابى ، ثم أغرق فى هذا اللج المقدس من الحجاج ذوى الأزر ، وأدع ال ( أنا ) هنا وأقول : ( يا رب لبيك ) من قلب منكسر ، لا أقصد بها إلا وجهه .
فيارب هل لأيامى عند بيتك من رجوع ؟ يا رب هل لعينى أن تكتحل مرة أخرى بمرأى الكعبة البيت الحرام ؟ يا رب هل أرى طيبة مرة ثانية ، وأدخل من باب السلام مسلما على النبى المصطفى ، وهل أجلس فى الروضة وأقوم فى المحراب الذى قام فيه محمد ؟ هل لى من رجعة إلى المدينة قبل الممات ؟
إن أنس كل شئ فلن أنسى ساعة قال لى الدليل بعد ضلالنا سبع عشرة ليلة فى البادية نصلى السعير من شمسها ، ونجتاز على الصراط من رملها ، ونتجرع الجوع والعطش فى فيافيها المهلكات ، ساعة قال لى : هذا أحد ، فوثب القلب فى صدرى فرحا ، وانعقد اللسان فما يدرى فيم يتحرك ، وخشع البصر ، فأحسست حين تصورت القدوم على رسول الله أن قد جمع الله منى البشر ثم أعطانيها . ونسيت ديارى وأهلى ، وكل ما أرجوه وما أخافه ، حين أيقنت بالوصول إلى المدينة ، وأى مسلم لا يفدى ساكنها بدياره وساكنيها . ويا ليتنى أستطيع وصف المدينة ، وهيهات أن يستطيع أبلغ كاتب فى يده أطوع قلم أن يصف ما يشعر به المسلم حين يقبل على طيبة أو الحرم . وهل وصف أحد ما أحس به لما زار الدار التى ولد فيها الكاتب الذى يجله ، أو العظيم الذى يحترمه ، ورأى مثوى طفولته ومربع شبابه ، فكيف بالمسلم يرى البلد الذى شهد مولد محمد وطفولته وشبابه ، ويقف أمام القبلة التى تخفق بحبها
قلوب المسلمين وتهفو إليها من أقطار الأرض السبعة ، ويطوف بالبنية التى طاف بها محمد ، ويقبل الحجر الذى وضعه بيده ، وقبله محمد ، ويشرب من الماء الذى شربه محمد ، ثم يقوم أمام الغرفة التى كانت دار محمد ، فيها يأكل وينام ، ويصلى ويتعبد ، ويبعث البعوث ، ويعقد الألوية التى أظلت العالم ، ثم انتقل فيها إلى الرفيق الأعلى ، وفيها قبره الأنور صلى الله عليه وسلم ! ألا ما أعظم الدخول على مكة والقيام بين زمزم والحطيم ، وما يثير فى نفس المسلم من خير العواطف وسامى الشعور ، ولكنى وجدت الدخول على المدينة أبلغ فى نفسى أثرا وأكبر لذة .
يا أيها المسلمون ، أسرعوا إلى الحج ، وإلى زيارة المدينة ، فوالله إن لذة ساعة فيها تنسيكم أتعاب الطريق إليها ولو جئتموها من أقصى الصين سعيا على القدم . ويامن يحج ولا يزور مدينة الرسول ، ويقف على شباكه ويقول : السلام عليك يا سيدى يا رسول الله ، يا من يحج ولا يزور ، عرفت خشوع النفس لكن ما عرفت أفراح القلب ، وشهدت موا كب الجلال ، ولكن لم تشهد أعراس الجمال .
سيروا إلى المدينة أيها الحجاج تحى نفوسكم بأنوارها ويحى أهلها بنوالكم . ورحم الله من ذكرنى هناك بدعوة صالحة ، وقال عنى أمام شباكه الأطهر : السلام عليكم يا رسول الله ، من المسلم المذنب المقصر ، الذى قام به الشوق وقعد به العجز .
