الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 548الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الدكتور الأهواني

Share

تفضلت أيها الأخ الجليل بنقد كتابي (تاريخ الأخلاق)   في طبعته الثانية بالعدد ٤٥٦ من الرسالة، وكنت أود بعدما كان  منك من ثناء لا أراني مستحقاً له كله أن أتقبل جميع ما أخذته  عليّ من غير تعقيب، ولكن طلبي الحق الذي وصفتني به يجعلني  أتقدم بهذه الكلمات أرد بها على بعض ما جاء بالنقد ١ -  لم أخرج يا أخي الغزالي من زمرة المتصوفة، بل  ذكرت فقط أنه لم يكن معهم فيما رأوه من سبيل السعادة وهو  العمل وحده، واليك نص ما قلته باشتراط (أبي حامد) العلم لبلوغ السعادة القصوى يكون  مخالفاً للصوفية الذين لا يأبهون للعلم ولا يعدونه من أدوات  السعادة، بل يرون أن سبيل السعادة هو العمل وحده(١). كما قلت

بعد هذا: (ولسنا في حاجة للقول بأن الغزالي أصاب الحق  بمجانبته للمتصوفة وموافقته للنظار والفلاسفة، في اشتراط  العلم للسعادة الحقة، وجعله العمل مقدمة ضرورية لها، لا طريقاً  يكفي وحده للوصول)(١)

وإذاً فليس غريباً إخراج الغزالي من طائفة المتصوفة  في هذه الناحية، وإن كان متصوفاً في نواحيه الأخرى  وفي طابعه العام

٢ -  أما الأخلاق عند (إخوان الصفا) فمنها بلا ريب  كما ذكرت جانب فطري، ومنها جانب كسبي، وإليك الدليل  من أقوال الإخوان أنفسهم

يذكر إخوان الصفاء في بيان أن من الأخلاق ما هو  مركوز في الجبلة، وما هو كسبي يكون بمجهود ومعاناة:    (إن الأخلاق المركوزة في الجبلة هي تهيؤ ما يسهل به على  النفس إظهار فعل من الأفعال من غير فكر ولا روية. مثال  ذلك متى كان الإنسان مطبوعاً على الشجاعة، فإنه يسهل عليه  الإقدام. وهكذا متى كان مطبوعاً على السخاء يسهل عليه بذل  العطية. وعلى هذا المثال والقياس سائر الأخلاق والسجايا  المطبوعة في الجبلة المركوزة فيها، إنما جعلت ليسهل على النفس  إظهار أفعالها بلا فكر ولا روية)

وأصرح من هذا ما قرروه في فصل آخر بعد ما تقدم،  إذ يقولون: (الأخلاق كلها نوعان؛ إما مطبوعة في جبلة الناس  مركوزة فيها، وإما مكتسبة معتادة من جريان العادة وكثرة  استعمالها)(٣)

أما النص الذي أتيت به أيها الأخ الجليل فهو - كما تعلم -  قد جاء في أثناء كلامهم في أثر التربية، ليؤكدوا به ما للدرس  والمران من أثر كبير في بلوغ كرتبة الحذق والأستاذية في  الصنائع واكتساب الأخلاق والسجايا. وذلك أن الدرس  ونحوه كالنشوء في بيئة خاصة، وجه من الأربعة التي ذكروا  أن الأخلاق تختلف من أجلها(٤) وأخيراً، فللأخ الفاضل المحقق، وللأستاذ الكبير صاحب  الرسالة، خالص تحيتي وشكري وتقديري.

اشترك في نشرتنا البريدية