الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666الرجوع إلى "الثقافة"

إلى الدكتور زكى نجيب محمود .

Share

إن تمتم تسعة وتسعون قارئا من كل مائة ، بعد قراءتهم مقالكم المنشور فى عدد الثقافة المؤرخ ٢٧ أغسطس ١٩٥١ ، بأنك جاهل لا يعرف قيمة الدر النفيس ، فذلك لأن الأموات أكثر من الأحياء فى كل زمان وفى كل مكان ؛ ويوم تتفق معك هذه النسبة من القراء فيما ترى من " نشر القديم قلنا أن نقول بأننا نسير على الدرب ومن سار على الدرب وصل

إنى أحد الذين قلت عنهم إنهم يضحكون سخرية من هذا الإسراف فى نشر الكتب القديمة ، وأنا أيضا من أولئك الذين لا يقرءون صفحة واحدة من هذه الكتب لو أهديت إليهم دون مقابل ؛ وأزيدك علما أننى من الشباب الذين لا يقرءون غير كتاب واحد من مجموع ألف كتاب مما تصدره مطابعنا هذه الأيام ؛ وإن قرأته فلأن له اتصالا بذلك المجرى العميق الذى تسير فيه الثقافة الغربية الإنسانية .

إنى أعلن معك أن أدباءنا ومفكرينا - إن وجدوا حقا - يجرمون كل ساعة تجاه ملايين النفوس الفتية اليانعة ، بكل حرف يخطونه وهم يشعرون شعورا أكيدا أن لافائدة فيه ولا طائل وراءه . وأخص بالذكر منهم أولئك الذين لهم اطلاعهم الواسع على ثقافة الغرب وحضارته . إنهم يعلمون إلى أين تتجه هذه الحضارة ، ولكنهم مع ذلك يستمرون على محاولاتهم المجرمة لحشو أدمغة الغافلين من الشباب بكل غث سخيف لا حياة فيه . إنك لا تبيع سمعتك العالمية بغير ثمن ؛ لقد أدخلت الطمأنينة إلى قلوب لا تعد ولا تحصى من شبابنا ، طمأنتهم إلى أن الحق معهم وأن هؤلاء المشاهير ، لعلى خطأ مبين . وأقسم إن هذا الثمن ليس له نظير .

إن شعورا قاسيا يعصر قلبى كلما رأيت الكتب الحديثة التى تصدر هذه الأيام ، شعورا بأن كتابنا يسعون عن قصد سئ إلى إماتة كل بذرة حية تريد أن تنشق الهواء النقى وأن تتابع نموها الطبيعى الذى تدفعها إليه حيويتها الدافقة المكبوتة . إننا - نحن الشباب المثقف - داخل طوق حديدى من الإهمال وانتقاص القيمة والجحود ؛ وإننى - وأنا أحد هؤلاء الشباب - لن أغفر مطلقا لهؤلاء الذين يحاربوننا بكل ما يملكون من حقد وحقارة وفراغ عقل ، إنى أعلم أنهم يدافعون عن أنفسهم تجاه التيار

العنيف الحائر الذى يريد أن يتدفق نحو وجهة معينة لا يرتضونها ؛ وإنى أعلم أيضا أن هذا لن ينجيهم يوما من الاندثار والفناء عن قريب .

لا أدرى أتعدنى من أولئك المتحمسين الذين يفقدون رشدهم لأقل بادرة ، أم أنك ستقدر هذا الشعور بالضيق الذى يتملكنى وأنا عائش فى دنيا من الثقافة تجهد بكل قوة لتميتنى ؟ .

وعلى كل حال فأنا لا آمل شيئا كثيرا من فرد واحد ، بل لعلى لا آمل حتى فى أن تنشر كلمتى هذه وأن تصل إليك ؛ لكنها صرخة أردت أن أطلقها - دون انتظار نحيب - فى وجه أولئك المشاهير الفارغين ؛ وهى إن دلت على شئ فلن تدل إلا على حيوية شديدة وثقة بالنفس لا حد لها .

( بعقوبة - العراق )

اشترك في نشرتنا البريدية