الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 509الرجوع إلى "الرسالة"

إلى الدكتور زكي مبارك

Share

قرأت مقال الدكتور النابغة عن (اللغة العربية في المدارس  الثانوية) وقد تحدث فيه عن ضعف التلاميذ في الإنشاء فرجعه  إلى المدرس، فهو السبب الأول والآخر والظاهر والباطن،  وسرد أسباباً لبابها انصباب الضعف على رأس المدرس، أو من  رأسه، أما التلميذ، وأما المفتش، وأما الوزارة، وأما الوسط،  وأما المنهج، وأما توزيعه، فليس لكل أولئك أثر من جناية  على التلميذ في ضعفه. والسكوت على الاتهام مع القدرة على دحضه  فوق أنه ضعف إثبات للتهمة وتزييف للعدالة، لذلك سأرد على  ذلك الاتهام لا لتبرئة نفسي وأخي بل لأضع الحق في نصابه. يرى الدكتور أن السبب الأول: (سيطرة المدرس على لغة  التلميذ) وهذه السيطرة هي السبيل الوحيد لتزويده بما يشاء من  ألفاظ ومعان يستخدمها فيما يكتب، لأنه لا يزال في أول طريق  الكتابة فسنة أو سنتان في التعليم الابتدائي لا تقدر التلميذ على  الكتابة المستقلة. السبب الثاني: (تحكم المدرس في عقل التلميذ) ، ويقصد  الدكتور بذلك حصر عناصر الموضوع وتسلسلها؛ ومع أن هذا  لا عيب فيه، لأن العناصر تستخلص من أفكار التلاميذ  وبألسنتهم فتلك الطريقة لا تتبع إلا في السنوات الأولى من  التعليم الثانوي، على أن الأساتذة لا يقيدون التلاميذ بالعناصر بل  يتركون لهم العنان يفكرون كما يشاءون،  ويكتبون ما يشاءون السبب الثالث: (تقديم موضوعات بعيدة عن مدارك  التلاميذ وأريد بها الموضوعات الميتة)

في هذا السبب يتجنى الدكتور على كثرة المدرسين إذ هو  لم يطلع - من غير شك - على جميع - الموضوعات المختارة وإنما  اطلع على قلة ضئيلة لا يمكن إلا أن يكون فيها الحي والميت  والحكم القائم على القلة حكم واهي الأساس.

السبب الرابع: (إقبال المدرس على تصحيح الكراريس  وفي ذهنه صورة محدودة للاجابات، فهو يهمل كل صورة  منحرفة عن تلك الصورة) وذلك تجن ثان أو ثالث - كما يشاء  الدكتور - فإن أحداً لم يطلع على ما ارتسم في ذهن المدرس حتى  يحكم هذا الحكم، وإن يكن الدكتور أيام تدريسه يسلك  تلك الطريق فلا يصح اتخاذه طريقته دليلاً على طرائق غيره. السبب الخامس: (إغرام بعض المدرسين بالإكثار من  التصحيحات إكثاراً يشهد برغبتهم في التفوق والاستعلاء).

وإن يكن الشق الأول مما يزعمه الدكتور صحيحاً فليس فيه  ما يعيب المدرس الذي يعني بتقويم العبارة وتحقيق اللغة،  أما التفوق والاستعلاء فمعنيان لا يردان في خاطر المدرس لأنه  بطبيعة مكانه من التلميذ يستأهلهما. ولا أحسب الإباحية اللغوية  التي يدعو إليها الدكتور في كثير من أدبه صراحة حيناً ودوراناً  حيناً مقبولة لدى جمهرة الأدباء عامة وعلماء المجمع اللغوي خاصة.

السبب السادس: (الهيام بتجميل الموضوعات بالباطل حيثما  وقعت) وقد يكون في هذا شبهة من الحق لو أنه نسب إلى  التلميذ وأن الأستاذ يعالجه أنجع العلاج.

أما مراقبة التلاميذ فيما يقرءون فأؤكد للأستاذ الدكتور  أنها لا تجدي، ولا يصلح اتخاذ موضوعات الإنشاء مما تثيره تلك  القراءات، فجلهم - إن لم أقل كلهم - يقرأ من القصص الوضيع  ومن الأدب الرخيص

وبعد فالعذر للأستاذ واضح فما جدوى اثني عشر موضوعاً  يكتبها التلميذ ثم لا يجد من الوقت ما يدفعه إلى تعرف أخطائه؟  وأني له الفرصة ليصف لكل تلميذ داءه والفصل يتراوح بين  الثلاثين والخمسة والثلاثين؟) حضرات المفتشين: وحدوا خططكم، وسددوا توجيهاتكم، ونظموا مناهج

لغتكم، وامنحوها من الحظ ما للغة الأجنبية، وأعطونا من  الحرية ما يحفزنا إلى الإثمار والإنتاج، ثم تعالوا بعد ذلك فحاسبونا  ولومونا إن وجدتم إلى اللوم سبيلاً فلوم المقصر تقويم لا يخشاه  الجادون في عملهم البصيرون بواجبهم.

اشترك في نشرتنا البريدية