1 - وجهتم أنظار المولعين بالمباحث الأدبية والتاريخية إلى درس ما بقي في أذهان العرب من أساطير الأولين لعلهم يعرفون شيئاً من رسوم الوثنية العربية التي حاربها القرآن: طلبتم هذا في معرض تدليلكم على أن وثنية العرب لم تكن (أرضية وضعية). فأقول: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اللات والعزى
ومناة وسواها أسماء لرجال صالحين كانوا في زمن إبراهيم أو نوح عليهما السلام؛ وأن العرب قد أقاموا لهم هذه التماثيل بعد مماتهم تدليلاً على ما يكنونه نحوهم من صادق الولاء وخالص الوفاء (أنظر تفسير النسفي - سورة النجم). وفي رواية ثانية عن ابن عباس (أن اللات كان رجلاً يلت السويق للحاج. قيل فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. تفسير الخازن - سورة النجم) وتستطيعون إذا أردتم المزيد في هذا البحث أن ترجعو إلى كتاب (التوسل والوسيلة) تأليف ابن تيمية طبعة المنار
2 - أوردتم في تعليقكم على مادة (ابن الأحنف) من (دائرة المعارف الإسلامية) قصة ذكرتموها كذلك في كتابكم (مدامع العشاق) مفادها أن العباس بن الأحنف مات هو وإبراهيم الموصلي والكسائي في يوم واحد وأن الرشيد أوفد المأمون للصلاة عليهم، فصفوا بين يديه ثم سأل عنهم المأمون واحداً واحداً وأمر بتقديم العباس فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر؟ فأنشده المأمون هذين البيتين:
سماك لي ناس وقالوا إنها ... لهي التي تشقى بها ونكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب الجاحد
ثم قال المأمون: أتحفظهما؟ فقال: نعم. قال: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة؟ فقال: بلى يا سيدي) أهـ والقصة ظاهرة الوضع فإن العباس بن الأحنف قد مات سنة 192 للهجرة والكسائي توفي سنة 189 وإبراهيم الموصلي قضى سنة 188 فكيف يمكن أن يقال إنهم ماتوا في يوم واحد؟ قد يحتج الدكتور مبارك بأن هناك رواية تدعي أن الكسائي قد مات سنة 192 وهو العام الذي مات فيه العباس، ولكن ما قوله في إبراهيم الموصلي وقد أجمع الرواة على أن وفاته كانت سنة 188؟ وقد يحتج أيضاً بأنه قال عند إيراده القصة (ذكروا أن العباس والكسائي وإبراهيم الخ) وأنه عقب عليها بقوله: (فإذا صحت هذه الرواية الخ) وأن هذا وذاك يفيدان تشككه في صحة هذه الرواية، ولكنه - إن قيل ذلك - شكٌ في إسناد الرواية إلى المأمون، بيد أن الأسانيد التاريخية تدعونا لنبذ هذه القصة بكليتها على أنهم يروون أن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة مات والكسائي في يوم واحد وأن الرشيد
صلى عليهما وبكى قائلاً (اليوم دفنت الفقه والنحو) ما أجدرنا بأن نمحص هذه الروايات التي تزخر بها كتب الأدب تمحيصاً جدياً لنقدم للأدب العربي بعض ما يجب له علينا من خدمات ما كنا لنعترض على هذه القصة لولا أن ناقلها هو الدكتور زكي مبارك.
(طرابلس)
