الحسن والفضل منفوسان على أصحابهما. لهذا ما تراني في هذه الكلمة متصدياً للرأي الطريف الذي ارتأيت في أحد (شجون الأحاديث) التي تحدث قراءك كل أسبوع في الرسالة الغراء. إن للأفكار الحسان عشاقاً يحومون حولها كما يحوم حول الحسان من بنات حواء كل عاشق ولهان. فاسمح لي إذاً أن أحوم قليلاً حول ما ارتأيت من رأي في حديث (ما علمتني الأيام).
ارتأيت ألا يبدي أحداً رأياً في مسائل الأخلاق والدين والاجتماع إلا مكتوباً، فيأمن مغبة التزيد الشنيع الذي يتزيد بعض خساس الناس على الأحاديث ترسل إرسالاً في المجالس والنوادي والمجتمعات. وذلك أن الكلمة المكتوبة، خلافاً
للكلمة الملفوظة، لا تقبل التزيد ولا التحريف المقصود، أو غير المقصود، وإن ركب أحد المعاندين المكابرين رأسه وحاول أن يزيد أو ينقص أو يحرف فيما كتبت ونشرت، فأنت بما تملك من سلاح المنطق والرجوع إلى الحقائق والاحتكام إلى الرأي العام خليق أن ترده إلى محجة الصواب أو تلقمه حجراً إن كان لا يسد فاه إلا حجر. ولا أنكر أن للرأي قوته وإغراءه وللنصيحة ما تستأهله من إصغاء تام، لا سيما وهذه الأيام هي الأيام التي تروج فيها سوق الرواة المتزيدين المحرفين المشنعين. ولكن، ولا بد من لكن هنا، هل ينجو صيارفة الفكر وصاغة الكلام من مساوئ التشنيع والتزيد والتحريف لو اعتصموا بالصمت ولاذوا بالسكوت كما تنصح لهم أن يفعلوا يا دكتور؟! أما أنت فقد أجبت جواب الموقن أنه ما على المرء لينجو من مساوئ التزيد والتحريف إلا أن يطبق شفتيه ويطلق قلمه ينقل إلى القارئين آراءه وأفكاره فلا تعبث بها الأهواء الخبيثة والذواكر العابثة. أما أنا، وأني على أشد اليقين مما أقول، فلا أرى الاعتصام بالسكوت في النوادي والمجالس الخاصة أو العامة منجياً من أذى التزيد والتشنيع لسبب واحد بسيط يكاد لبساطته وشيوعه لا يخفى على أحد: فقد تنجح في أن تروض نفسك على ألا تبدي رأياً في شؤون السياسة والدين والاجتماع إلا مكتوباً، ولكن ما حيلتك في هذا النفر الذين لا يعنيهم أن يسمعوا رأيك خارجاً من شفتيك أو مدوناً في صحيفة أو كتاب فيمضون يشيعون أنك قلت كيت وكيت وارتأيت زيت وزيت؟ هذا شيء، والشيء الآخر وجوب الكلام أننا قد نفيد في عرض أفكارنا على غيرنا قبل إثباتها على الورق فائدة التمحيص لهذه الأفكار وإزالة الفضول، فنعدل عن الفكرة الجائرة، وتعدل الفكرة الحائرة ونثبت على الفكرة الصائبة
وشيء ثالث أن كثيراً من المفكرين لا يجدون الوسيلة إلى التدوين، أما لأنهم خطباء مرتجلون أو لأنهم لا يجدون الصحيفة تنشر لهم ما يرتأون، فهل يصمت هؤلاء أو يتكلمون؟! بناءً على هذه وبناءً على أن الله خلق الحنجرة والشفتين واللسان قبل أن يخلق الورق والمداد والأقلام وحتى لا تصبح
المجالس والنوادي ميادين تتبارى فيها فنون الملق والتدجيل والرياء أرى أن يتكلم كل ما أطاق لسانه وحنجرته الكلام، ولكن في حدود اللياقة والمنطق والاحتشام
هذا ولما كان الحديث ذا شجون فقد استرعى انتباهي من شجون حديثك ما ارتأيت من أن الكفايات يجني بعضها على بعض، وهي قولة حق يحس صدقها كل من عانى التعبير عن هواجس النفس وخوافي الحس بطريق غير الطريق الذي اعتاده؛ ولكن هذا لا يعني أن نخضع للأمر الواقع ونترك هذه الكفايات يبتلع بعضها بعضاً حتى لا تبقى إلا الكفاية الواحدة تستبد بصاحبها أبلغ الاستبداد، ولا تدع له أن يقول قولاً أو يبدي رأياً أو يدون هاجسة من هواجسه إلا عن طريقها وبأسلوبها، وقد يكون بين الكفايات المكبوتة ما هو أولى بالبروز وأخلق بالرعاية وأحق بالترويض من الكفاية التي زاحمت ما عداها من الكفايات فزحمتها وردتها ذليلة مقهورة. ثم يجب ألا يفوتنا أن الممارسة والمران كفيلان بأن يزيلا عن الكفاية المكبوتة ما قد بحسه صاحبها من العسر عند أول ما يحاول استغلالها.
فالكفاية العالية المهملة كالجواد الكريم طال ارتباطه وحرم أن يسعى أو يجول في طريق أو ميدان، فيجد راكبه صعوبة في تصريفه أول الأمر، ولكنه لا يلبث طويلاً حتى يعود إلى ما هو خليق بالعتق والأصل الكريم من التبريز في غير عسر ولا عناء.

